الريح عبد القادر محمد عثمان: السودان: الثورة الحقة والثورة الأحق

 

 

الريح عبد القادر محمد عثمان

والله لأن يرعى الرجلُ الغنم (لنسوان الحلة) خيرٌ له ألف مرة، وأكرم له، وأسلم له، في دينه وآخرته، من أن “يرتكب” أحد المناصب التي يسيل لها لعاب الكثيرين، وتكبُرُ في صدور الجميع، إلا من رحم ربي.

إن كنت تستغرب هذا الكلام، فاعلم أنه العَمَش.

فهذا القول هو زبدة الحكمة في جميع الأديان، إلا دين “الجماعة”.

لقد جاءت “الجماعة” لأجل هذا العمش.

وأعلمُ أن العمش قد صار عمى.

لقد أصابنا ما أصابنا، فتهاوينا حتى وصلنا إلى قعر سحيق في الاستخفاف بالمهن الحلال، وإلى درك وضيع في الاحتفاء بالمناصب والألقاب.

يدفعنا جهلٌ فادح إلى أن نصفَ الرجلَ بأنه “قامة”، وكأنه سيبلغ الجبال طولا!

أو بأنه “عملاق” وكأنه سيخرق الأرض!

ويدفعنا جهل فاحش إلى أن نشتم رجلاً بأنه “نكرة”، وكأن الرسول الكريم، عليه الصلاة والتسليم، لم يقل: “ما صدق الله من طلب الشهرة”!

أما جهلنا الفاضح فيجعلنا نعير الرجل بالعمل البسيط يكسب منه رزقاً حلالاً!

الكل يسخر من “ناس قريعتي راحت”!

يا إلهي! من هم أولئك الودعاء الأنقياء الأصفياء؟

أين هم؟

أين أولئك الرحماء؟

أين أنتم يا عشيرتي، ويا أهلي، ويا نفسي؟

يا إلهي! وأين أولئك “النكرات”، الذين باتوا عملةً نادرة، بعد لم أن يعد مع الفيسبوك أي نكرة وصار مليارات الناس معرفة؟ ابحث عن “النكرات”، ولا تيأس، فعلك إن وجدتهم فسوف يمكنك أن تختفي بينهم مثلما تختفي حبة الرمل في الكثيب المهيب الريّان.

أعلمُ علم اليقين أن “ناس قريعتي راحت” هم السادات، وهم الهامات وهم القامات الحقيقيون؛ وأن أهل القش هم أصحاب العرش؛ وأن “النكرات” هم الأعلام! لكن كل ذلك في زمانٍ مشمس، غير مُعْتم؛ وفي نفوس مُعشبة، غير مجدبة.

ولكني أعلمُ أن العمش قد صار عمى.

إيها الثوار، إن هذا الانحطاط في الوعي القِيَمي هو الذي يجدر بنا أن نثور عليه!

فهو وقود كل الصراعات؛ وهو سبب استمرار هذه الأزمة، هذه الغمة.

وهو سبب الأكاذيب، سيل الأكاذيب الدفاق، والانهيار الأخلاقي عالي المستوى، الذي نسمعه ونشاهده في جميع وسائل الأعلام.

وهو الذي يجعل شيوخنا يهرمون وهم يجرون وراء المناصب!

وهو الذي يجعل شبابنا يتهافتون تهافت الفراش على نار المناصب!

وهو الذي يجعل الرجل يجلس في الحكم ثلاثين عاماً، بائعاً في سبيل ذلك دينه ووطنه وشعبه وأهله!

لقد صار المنصب أعظم هدية نقدمها للرجال والنساء والشباب!

نعم، ستسمع كهلاً يقول: أعطوا المنصب لفلان، فهو يستحق!

أو يقول كهل آخر (ويختفي حب المناصب بين تجاعيد وجهه): أعطوا المناصب للشباب فهم أصحاب الثورة!

أيها الأغبياء، من قال لكم إن المناصب هدايا؟

المناصب مسؤوليات وأمانات وكفى!

لقد كبرت المناصب في صدور الناس، فصَغُر الناس، وضاعت القيم؛

صار المنصب هو الرجل؛

وصار الرجل بلا منصب بلا قيمة؛

وصار الرجل ذو المنصب بلا قِيَم.

وصار العمش عمى.

أيها الثوار، ثوروا كما تشاؤون، لكن اعلموا أن الثورة الحقة هي الثورة الثقافية، الثورة المفاهيمية، الثورة الأخلاقية؛ وأن الثورة الأحق هي الثورة على النفس!

واعلموا أنه طالما أن أعناقكم ما زالت تشرئب بإعجاب نحو أهل المناصب؛ وطالما أن قلوبكم تهفو لمجد المناصب، فلتثوروا، أو لا تثوروا، فلن تكون ثورتكم حقة.

لن تبلغوا الثورة الحقة حتى تثوروا على أنفسكم فتنظروا إلى المناصب فترونها مسؤولية ثقيلة، وأمانة جسيمة، وتنظروا إلى الطغاة والمستبدين والمتكبرين من المتشبثين بالمناصب فترونهم بحجمهم الحقيقي: صغار كأمثال الذر يطؤهم الناس يوم القيامة.

هيا، فلننظر إلى الطغاة، الآن بحجمهم الحقيقي: صغار كأمثال الذر لا تزيدهم قوتهم وأموالهم مكروميتراً واحداً!

كاتب سوداني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here