الروائي “وحيد غانم” الانطلاق من قاع المجتمع في داون تاون بغداد

 

بغداد – حمدي العطار:

في رواية (الحلو الهارب إلى مصيره) أختار الكاتب شخصيات الرواية من الحضيض لبيان حجم الكارثة التي اصابت بغداد في التاريخ المعاصر،وهذه الشخصيات (الشقاوات ،المطيرجيه،المخانيث، المجرمين، اللصوص ،المدمنين على المخدرات،العاهرات،ورجال الدين المزيفين) مثل هذه الشخصيات وما اختار لها من اسماء وصفات (عباس الاعور، مهنا يسر،ابو عكروب، حسن شناوه،عبود زماطه،جبار طلقه،لولو) هؤلاء جميعهم يضعهم الروائي بما يملكون من سلوكيات شاذة واعمال اجرامية وشهوات عارمة امام القارئ من خلال 17 فصل من الرواية التي تمتد الى 26 فصل في القسم الاول و26 فصل في القسم الثاني بواقع 375 صفحة ،المنشورة من دار الجمل سنة الاصدار 2016 

*شخصيات غريبة

حاول الروائي ان يبتعد قليلاعن شخصيات الرواية ويجعلهم يتصرفون حسب مستواهم العقلي والاخلاقي وبمحض ارادتهم فهو لا يتدخل كثيرا ويملي على تلك الشخصيات بما يرغب! ولهذا جاءت تصرفات تلك الشخصيات صادمة للمتلقي وسط غياب صوت العقل او ضمير المثقف او عقلانية السارد والانتقادته لبعض السلوكيات المنحرفة! ولعل هذا ما جعل السرد يكتسب مصداقيته الواقعية غير بعيد عنه الاسلوب الفني لتقديم الشخصيات وخليفاتها الاجتماعية في اهم مكان في بغداد (وسط العاصمة) “لكن عباس الاعور ما زال حيا، غادر سجن (ابو غريب) منذ عام، استأجر محلا وامتهن بيع الطيور، ربى ديكا هراتيا كبيرا، شرسا،دربه على مواجهة الديوك الأخرى المجنونة” وكان الديك اعور “لم يكن عباس اعور …ربما أخذها عن ديكه” وللمكان (العلاوي) (الشورجة) (الشيخ عمر) (الحمامات) (الجسور) اماكن مؤثرة في بغداد!

*الديك الارهابي

لا تخلو الرواية من عناصر غرائبية، فقي سوق الغزل يتعرض جندي امريكي الى نقرة من ديك عباس بعد ان تحرش فيه “أنتزع عين المجند الأمريكي جيم محب الطيور….قرص جيم عرف الديك المثلم وقال بعربية ركيكة وهو يضحك فتلمع عيناه الزرقاوان تبيع ..هيا خذ فلوس واشطح…فجاءة سمع صيحة عالية واختلطت الأصوات. كان الجندي يضع يده المدماة على محجر عينه ويقفز صارخا،بينما رأى العين نفسها في منقار الهراتي الذي يحاول بلعها” ذاع صيت الديك ،وتداولت وسائل الاعلام الامريكية قصة الديك العراقي الارهابي!

*فصيل دخان

طالما استغلت الانظمة البوليسية الشقاوات والمجرمين لتصفية المعارضيين بدم بارد،وفي الرواية تم تسليط الضوء على هذه الظاهرة في النظام السابق وكان يؤكد رئيس هذا الفصيل الذي انضم اليه (عباس الاعور) بأن الخوف يكون عند المحاولة الاولى، ويخضع الفريق الى التدريب القاسي ،وسط ارشادات وضوابط محددة عمليا ونظريا ،فللمراقبة اسلوب (التصوير الذهني) الذي يبدأ بصورة عامة لوجه (الهدف) دون الاهتمام بملامحه “تجنب عينيه بصورة خاصة – كي لا تتعاطفوا معه-،وحينما يتمادى عباس الاعور ويتلذذ بالقتل يزج في سجن ابو غريب، وتتناول الرواية بشكل تفصيلي عما يواجه السجناء من عمليات اغتصاب وجرائم داخل السجن”اتجه عباس بخياله نحو السجناء الجدد، من تدفع بهم المحاكم، أصغى لأحلام الأشقياء التي دارت مختنقة في الزنانين حول دفعة جديدة من السجناء الحلوين، الصغار، المهيئين لأن يكونوا ضحايا في غابة الوحوش” عباس الاعور وقاسم الشرير وعبود زماطه سيجدهم القارئ في النظام الديمقراطي الجديد في ظل الاحتلال الامريكي هم من (رجال الشرطة) وبتزكية من رجل الدين (سيد علي)

 يكتب ما ينتجه التاريخ

كأنني اتصور اجابة الروائي “وحيد غانم”  حينما يتم توجيه السؤال له:- لماذا تكتب بهذه القسوة؟ يقول: انا اكتب ما ينتجه التاريخ! لأن الرواية هي النوع الخاص برصد التحولات التاريخية في المجتمع، وفي رواية وحيد غانم (الحلو الهارب إلى مصيره) فيها واقعية مؤلمة لأنها تعبر عن المجتمع البغدادي بعد الاحتلال الامريكي للعراق”كأنما لا أحد يرغب برؤية الأشياء الجميلة الطيبة في بغداد”

*العنف والالم

استطاع الروائي ان يجسد الالم العراقي ولم يفسح مجالا في الرواية لتسكين هذا الالم وتهدئته بل هو عمق الجرح لتكون الصورة المؤلمة (زووم) كبيرة وواضحة ، طالما استخدمنا مصطلح (شريعة الغابة) للدلالة على غياب القانون والاخلاق وسيادة مبدأ القوي يفتك بالضعيف، تمكن الروائي عبر شخصياته الشرسة واليائسة والمعقدة ان يجعل القارئ يشعر بثقل عتمة الحدث الاجرامي وكأنه يقع امام عينيه وبالتالي يتملكه الغضب ويتمنى لو  تكن بغداد اكثر رحمة وحنانا بمواطنيها!

*ادانة الاحتلال

في الرواية تمكن الروائي من ادانة الاحتلال وتعرية اساليبه من خلال تخريب البنى التحتية للمنظومة الامنية في زج المجرمين المحترفين في هذا الجهاز كما سلط الضوء عما يحدث في سجون الاحتلال بالعراق من جهد لتجنيد الشباب في المنظمات الارهابية”أنها شغف دموية ترافق الحروب والمآسي…لا يمكن أن نفهم أساليبهم في الحياة، فهم يؤمنون بأن الله يحبهم ويسمح لهم بالمرح والمتعة وارتكاب الآثام وقتل الناس لأنه سياسمحهم في الاخير، على خلافنا” الروائي ذكي في اختيار الكلمات وصياغة الجمل المناسبة لتصوير الانفعالات الانسانية” جيمي هذا ورفاقه ما يستوعبون أوضاعنا، يعتقدون بأننا مجتمع عدائي، وحشي..هذه فكرة راسخة في أذهانهم،السينما والدعاية..لكن بغداد نفسها للأسف رسخت لديهم هذه الفكرة”

*المشبه والمشبه به

ضمن السردية استخدام الروائي التشبيهات بشكل رائع حتى تجد كأن المشبه والمشبه به شيئا واحدا “بغداد تحترق إلا أن ثمة من يوقد شموع ملذاته في زواياها الرمادية،كأنما الشهوة والموت متلازمان دوما في عاصمة الليالي القديمة” “انا أفكر بتاريخ مختلف تبدو فيه بغداد مثل مطب عتيق فات عهده،لكن قاطرات الأزمان المحملة بالدمار ما زالت تتعثر به، فهي مرة بعد أخرى تعبر السكة نفسها،وكأنه لا طريق آخر لحرق لعالم وتغييره إلا من هذه البوابة “

*مؤسسة الواراثين

وضع الروائي رجل دين (سيد علي) كنموذج للانفاق والتضليل والسيطرة على الشباب وتجنيدهم لتحقيق مصالح الخاصة ،سيد علي (بائع الطيور) المتزوج من 3 نساء ويخطط ان يتزوج الرابعة (كواكب) اخت عباس الاعور ،لاشباع رغباته الجنسية وكذلك الاستيلاء على الارث الذي يملكه اب احدى زوجاته ! تكون تحركاته على الفقراء والعاطلين عن العمل وحينما يحتد النقاش بين سيد جواد صاحب مؤسسة الوارثين وسيد علي يرد الاخير على اعترضات سيد جواد”جماعتكم مولانا ..يعني مناطق الناس الشبعانة..اسال جنابكم،انتم تطعمون الفقير أم الغني؟ إذا صدقاتكم محسوبة للأغنياء بس فأنا مستعد أن أغلق كل فروع الوارثين التي فتحتها في مناطق الفقراء والنازحين وأرجع فلوسكم من جلدتي.. جماعتكم مع احترامي لشبياتهم عايشين بعيدا عن الواقع..عن الناس الصدك…أهل النخوة… الفقراء..الالاف والملايين من لبشر… الناس التي تجي زحف على ركبها في الزيارة ومواكب العزاء”

الخاتمة

رواية (الحلو الهارب الى مصيره) تعد من الرويات الواقعية التي تستحق القراءة لعلنا فقط نسجل اعتراضنا على اسم الرواية الذي كان يمكن ان يشكل عنصر تحفيز لأقتناء الرواية بدلا من هذا الغموض بالعنوان!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here