الروائية الفلسطينية رشا عبدالله سلامة تصدر رواية جديدة (فندق سلوى)

 

عمان ـ “رأي اليوم”:

صدرت حديثا، (2019)، بعمّان، عن (دار موزاييك)، رواية جديدة، هي أشبه ب (النوفيلاّ)، للروائية الفلسطينية (رشا عبدالله سلامة)، بعنوان..(فندق سلوى)، تقع في (94صفحة). والكاتبة من مواليد عمّان، (1984)، لعائلة تعود أصولها لبلدة ( أبو ديس- شرقي القدس)، تحمل درجة الماجستير في الإعلام ،وتعمل في الصحافة منذ2005 . وقد أهدت روايتها الرابعة الجديدة إلى الشاعر الفلسطيني الكبير (عزالدين المناصرة)، (الذي يصحبني بتفانٍ لأعوام سبقتْ وجودي)، الذي عاش في فندق سلوى، ثلاثة شهور، عام(1982-1983).

أما( فندق سلوى )،فهو الفندق الذي عاش فيه الراحل (ياسر عرفات)، ومجموعة من الفدائيين بعد خروجهم من حصار بيروت 1982. وقد احتفى( مقهى أرسطو الثقافي -جبل اللوبيدة بعمّان، مؤخراً، بهذه الرواية، بحضور المؤلفة، وحضورالشاعر والناقد (البروفيسورالمناصرة). وفيما يلي، تنشر(رأي اليوم ) بعض مقاطع هذه الرواية :

كنت على ظهر الباخرة التي حملت الفدائيين من لبنان نحو المنافي. أضمّ زوجتي نهلة وطفلي غسان لصدري، جعلتهما يرتديان ال “فوتيك ” مثلي ،وكانا يرفعان إشارة النصر عالياً فيما هما يطلاّن على ما تبقّى من بيروت.

كانت نهلة ناقمة على كل شيء. ولطالما انفجرت في وجهي بأن الحياه بهذا الإيقاع ما عادت تحتمل. وحين كانت ترخي لهجتها الناقمة قليلاً،  تبكي وتتساءل عن مصير غسان ومن هم في جيله.

وكنت أعاجلها بإجابة باردة أني لست مُدبّر شؤون الكون ولا الثورة الفلسطينية. أنا محض شاعر ومقاتل. لا أزعم أني قادر على ترتيب أمور أبعد من حدود بيتي الصغير وسلاحي الذي أتمنطق. بل كنت أقول لها في مرات إني لا أملك سيطرة كاملة حتى على هذين الأمرين، وإلا ما كنت على متن باخرة يونانية تشقّ البحر نحو المنافي التي تقرّرها القوى العظمى.

لم يكن عرفات مغرماً بي إلى ذلك الحد. لم يسامحني بعد عبارة وصلته على لساني حين كنا في بيروت. قلت عنه ذات جلسة، مستحضرا أوفيد .. “هو مجرد إمبراطور وأنا شاعر “. وكنت أُضيف عليها “ومقاتِل “.

لكن الشفقة فتكت به حين سمع أني دخلت في حالة عصبية مزرية عندما طلبت السلطات التونسية منا وضع ما تبقى من سلاحنا على أرض الباخرة قبل النزول. كنت واحداً ممن أحجموا عن هذا وقلت “فلتبقَ الباخرة في البحر ولنظلّ على ظهرها ما حيينا لكننا لن نضع السلاح”.

هاجت الباخرة وماجت ،وكان صوتي يجلجل في جنباتها.

طالت الساعات ولم تفلح محاولات نهلة في إقناعي بالنزول ،كانت تصرخ في وجهي بأن غسان يستحق الاستراحة وسط هذا الجنون كله، وكنت أصّر على جذب ابني نحوي واحتضان البندقية في الوقت ذاته.

جاء القرار الرسمي بعد مباحثات، أن يترك من هم دون رتبة رائد سلاحهم على أرض الباخرة، إجلالاً لانتظار الحبيب بر رقيبة لنا. آخر ما أذكره أني سقطتُ مغسياً عليّ وأن نهلة كانت تزمجر بأعلى صوتها ساخطة، وأنها كانت تطلب المساعدة.

بين الحلم واليقظة كنت، أسمع ما قالته لنا وسيلة بنت عمّار مرحّبة، وهتافات الشعب التونسي لنا ومواكبنا تتوالى.

الأعلام الفلسطينية وصور ياسر عرفات ما تزال تلتمع في عيني، ولا أجزم بعد هذه الأعوام كلها إن كان ما رأيته حلماً أو هلوسات أو أني أسرد ما قاله لي رفاقي حين استيقظت سمع عرفات بما حدث. وأوعز على الفور أن تكون غرفتي إلى جانب غرفته في فندق سلوى. وهكذا كان .

دخلت الفندق حاملاً غسان على كتفيّ، وكانت نهلة تزمجر أني لستُ في حالة تسمح بحمله بكل هذا العنفوان.

كانت تُسندُ حسد غسان بيدها فيما تمشي إلى جانبي. وكنتُ ما أزال أصر على رفع إشارة النصر وألقَّن غسان أن عليه رفع الإشارة نفسها. نهلة ما كانت راغبة بهذا، وكانت تمشي كأنما تبحرّ ثِقل الثورة كلها.

حين اقترنت بها، كانت صبية يافعة في مخيم تل الزعتر.

وكنت أنا من ضَمِنَ لها ولعائلتها عدم الفناء بعد أن عمّ الموت جنبات المخيم . كنت أصنع لها ولعائلتها طوق حماية خاصاً؛ مخافة أن يتسلّل إليهم قاتل أو مغتصِب.

وحين ارتحلت وقوى الثورة نحو الدامور، أمّنت لعائلتها مسكناً متواضعاً، ووفّرت لوالدتها صالون تجميل نسائي متواضعاً، كمثل الذي كان لديهم في تل الزعتر. كان “الختيار” قد ردّ الصاع صاعين، واستوطن الدامور وخلَقَ هناك فرصاً لمعظم من تبعثرت حياتهم جرّاء انهيار المخيم المنكوب. من فَقَدَ دكّانه في تل الزعتر بات لديه دكّان في الدامور. ومن فقَد فرصة التعليم في تل الزعتر بات بوسعه الالتحاق بمدرسة تشرف عليها الثورة في الدامور.

كانت نهلة تشعر حيالي بالامتنان، وكنت لها طوق حماية، كمثل الذي ضمنه الفدائيون للفلسطينيين في لبنان. كانوا يستندون إلينا كمن يرخي وجع السنين على جدار آمن صلب.

وحين اقترنت بنهلة، بدأت أعرفها جيداً. ساخطة على كل شيء ولا يكاد يوم واحد يمضي من دون التساؤل عن ” جدوى هذا كله “، كانت تطمح لحياة طبيعية لا أكثر ولا أقل. وكانت تتساءل في ليالي لبنان الصاخبة إن كانت الحياة عادلة على أي نطاق كان. كانت تستعرض جمالها أمامي وتقول “لو لم أكن ابنة مخيم، ألم يكن بوسعي أن أصبح فنانة أو مذيعة أو حتى مكان جورجينا رزق ؟ “وكنت أجيبها  بابتسامة متعبة ” أكيد حبيبتي “. وكانت تقلب الموجة تماماً حين تسمع عن إنجازات علمية لامرأة ما . فتتساءل “لو لم أكن ابنة تل الزعتر،ألم أكن لأحصل على شهادة أعلى منها ؟”، وكنت أهزّ رأسي موافقاً.

لم يكن هنالك مفرّ من تدريب نهلة على حمل السلاح. كان لا بد لكل فلسطيني وسط حقول الموت الموزعة هنا وهناك أن يتمرّن على حمل السلاح واستخدامه بلا هوادة إن اقتضى الأمر. كيف لا وهي زوجة فدائي ؟ ولطالما كنت أغيب عنها لياليَ متتابعة في أحد المتاريس فيما هي تقبع وحيدة مع غسان.

كانت تتعلّم هذا وتسخط في الوقت ذاته. وكان عليّ احترام رغبة العيش لديها، وإقناعها أني لا أختلف عنها، بل ليس ثمة فدائي واحد لا يريد عيش حياة طبيعية. بل ليس ثمة فلسطيني واحد لا يريد عيش حياة طبيعية .

أمتار طويلة من السجاد الأحمر تمتدّ في ممرات الفندق.

الحراسات كثيرة في ذلك الطابق ؛ لوجود غرفة عرفات فيه. ونلت ونهلة  وغسان النصيب الأكبر من هذه الحراسة بعد عرفات شخصياً؛ لأن غرفتنا تلاصق غرفته.

مساحة الغرفة واسعة نوعاً ما. المفارش تزهو بألوان برّاقة والستارة كذلك والأرضيات والحمام. كل شيء نال إعجاب نهلة. وكنت أنا ما أزال تحت تأثير ما مررت به منذ وصولي تونس. بالكاد أسند قامتي وأستجمع تركيزي.

كل ما كنت أفكّر به السبلاح الذي تركته مسجّى على أرض الباخرة. حقبة كاملة من عمري تركتها ممدّدة بفجاجة على أرض باخرة غريبة قاسية لا أعرف عنها شيئاً سوى ترحيلها إيانا عن بيروت.

كلما عاد ذهني للباخرة ارتجفت يداي وفمي. نهلة تواسيني حين تراني وصلت لهذه النقطة العصبية المكشوفة للعيان.

تقول “لا عليك. لا ينتقض هذا منك ولا من قدرتك على القتال، حتى عرفات يعاني من هذا لشدة ما ضايقوه “، كنت أشير أن تنخفض صوتها حتى لا تسمع الحراسات شيئا من الحديث. قد يُفهم هذا على محمل الانتقاص من الرئيس أو التعرّض لحياته الشخصية !

شجن غريب اعتمل في صدري حيال عرفات، في تلك الأيام. ألا يقولون إن المريض يكون أكثر رهافة من غيره، بل يدخل في حالات ضعف غير مسبوقة ؟

استطاع أن يذيب الجليد بيننا. الجليد الذي كان في بيروت. كنت لا أشكّ ولو للحظة واحدة أن استضافته إلى جانب غرفته محض انفعال عاطفي بمجرد سماعه ما حدث معي على ظهر الباخرة وما أعقبه من أسابيع عصبية.

لديه قدر مُحيّر من الشجن والعاطفة الجياشة التي يسكبها في مرات كثيرة بلا حساب. وكان ضعيفاً عند الحسابات العائلية والأطفال والأمراض.

كنت أتّجنّب في تلك الأيام انتقاده أو حتى التصادم معه ولو بجملة عابرة في جلسة ما. حتى هو، كان يتحاشى النظر في عينيّ كلما التقاني على غداء أو عشاء وسط جمع كبير من المقاتلين.

هل قلت مقاتلين ؟ ماذا عن السلاح المسجّى على ظهر الباخرة ؟

أبو الهيثم يزمجر والحرس الذي يقف عند باب عرفات يحاول احتواء الموقف. أسمع هذا جيداً فيما نهلة تطعم غسان بيضتين مسلوقتين وتسقيه كوباً من الحليب.

نهضت من فراشي قلِقاً. ما الخطب ؟ فتحت الباب فيما أرتدي بيجامتي. وجدت أبو الهيثم ما يزال ساخطاً وكان عرفات هذه المرة يشير له بالسكوت.

شعرت أن ثمة شيئاً غير اعتيادي يحصل  اقتربت من نبيل ،أحد حرّاس عرفات المخلصين وليّني الجانب معي. سألته “خير؟”.

قال “لقد تسبّبتَ بأزمة، لكن الختيار تصرّف “.

“ما الذي فعلته ؟ أنا تسبّبت بأزمة؟”.

” قيادة الثورة تمنع الأكل في الغرف وتسمح به فقط ضمن المواعيد المحددة للبوفيه وأنت خالفت “.

“من ؟ أعد من جديد. من الذي يمنع هذا ؟”.

“قيادة الثورة “.

كم من ساعات استغرقتها صامتا ؟ لا أعرف. كل شيء يتهاوى ويحترق. التوصيفان كانا أقل ما يمكن قوله عن ثورة أشغلت العالم كله يوماً ما.

أهذا مصيرها ؟ قرارات من هذا القبيل؟ قيادة الثورة تصدر قراراً بمنع تناول الطعام في الغرف؟

لم أرغب بالنزول لبوفيه العشاء ليلتها. لم أكن مُحرجاً من الموقف الذي ذاع أمره حتماً ،لكن شيئاً ما في داخلي كان ينكسر على مهل ،فيحدث ألماً مضاعفاً.

بقيت نهلة صامتة وبقي غسان يتبختر بيننا في الغرفة.

جاءت طرقات الباب سريعة، حين أطلّ ستيف. الشيف الذي لا أعلم حتى اللحظة إن كان عربياً أم مستعرباً. لون شعره الأشقر واسمه يقولان شيئاً، ولكنته المفرطة في تونسيّتها تقول شيئاً آخر.

“ورطتني والله ورطتني”، قال معاتباً.

قلت ” كل هذا من أجل بيضتين وكوب حليب؟ ألم تأت بنفسك صباحاً وتتأكد من وجود طفل في الغرفة ؟”.

“بلا ،لكن وُجّه لي لفت نظر كي لا أعيد هذا مرة أخرى.

الأكل ممنوع في الغرف منعاً باتاً “.

ربتُّ على كتفه، وصفقت الباب.

قلت لنهلة يومها إني أريد أن أعود لأمي. لا أريد أن أمكث هنا. انتهزت الفرصة لتبار تذمّرها المزمن .

قالت ” من مشى الطريق الذي مشيته أنت لا يملك قول:

أريد أمي. هل تظن أن مغادرتك هذه البلاد ستكون سهلة؟

أتعلم كم من بلد يضعنا على لوائح المطلوبين ؟ نحن وكوادر الثورة كلها “.

غمرت رأسي بالوسادة. وعاد بي الشريط الطويل لأيام كنت في كنف أمي، وكانت تفاخر بي في مجالس النساء في مخيم الحسين. ابنها فدائي وفي الوقت ذاته نالَ شهادة عليا في الأدب العربي.

وكانت تضعني في مرتبة القيادات، وأصمت أنا حتى لا أحرجها.

حين كانت تحادثني بالهاتف وأنا في بيروت، كانت تناقشني في القرارات الفلسطينية كأنما هي رهن إشارتي.

وحين أتت لرؤيتي في لبنان، حرصت على استقبالها بال “فوتيك “، ةحرصت أن أطوّق صدري بالبندقية، وتركت الكوفية الفلسطينية تنسدل على كتفيّ، واصطحبتها للمتاريس قبل أن أدخلها بيتي في ” الفكهاني “.

بيضة القبّان ..

أجهش غسان في البكاء في بهو الفندق، فيما نهلة تحمله بين ذراعيها وتوزّع نظراتها الغاضبة على المتواجدين.

أتفهم هذا إلى حد ما. المساحة ضيقة إلى حد لا يُحتمل حتى وإن حملت مسمّى فندق. الحراسة مكثفة عند الأبواب الخارجية والسيارات العسكرية الموزعة هنا وهناك تحمل توصيف “مكافحة الشغب”.

لم يُسمح لأي منا مغادرة الفندق أكثر من ساعتين ويكون هذا بعد طول جدال في الغالب .

الساعتان لا تكفيان للذهاب والإياب والتمشي في تونس أو الحمامات. كنا في منتصف الطريق، ولا شيء محاذياً لنا سوى حمام الشط.

في بيروت ،كانت الفكهاني، على بساطة حجمها، “جمهورية” لنا. المخيمات والمعسكرات والبنايات والشواطئ والجبال وكل شيء. كنا نصول ونجول كما لو أننا على أرضنا الموعودة.

من كل ذلك الاتساع حُشرنا في الضيق. قد يكون أكثر فخامة من حيث التصنيف، لا بل هو أكثر فخامة حتماً.

الغرف فارهة وبوفيهات الطعام مليئة بأصناف شتى، التبريد والتدفئة رهن إشارتنا. والدوشات الساخنة على أهبة الانهمار دوماً. لكننا حبيسو فندق

ما كان يُعمّق الانكسار، أن أياً منا لا يعرف متى تنتهي محطة “سلوى”. حتى القيادة ما كانت تجيب عند طرح السؤال. وكنا جازمين أن رأس الهرم لا يعلم متى سنغادر المكان.

ما كنا نعلمه جميعاً أننا نعاني “متلازمة الحنين للديار “..

قبضة قوية تعتصر كتفي فيما غسان يتسخط كوالدته أمامي.

“الختيار يريدك “.

“ماذا هناك ؟ التزمنا بموضوع الأكل في البوفيه ، ماذا بعد ؟”.

 ولجت مكتب عرفات هذه المرة. ما فعلت سابقاً رغم جيرتنا في “سلوى”. لا شيء مختلفاً عن أثاث الفندق البتة. ما خلا مكتب متوسط الحجم عليه حُزم أوراق وكوب خشبي فيه بضعة أقلام.

بيضة القبان

“أخوة” في التنظيم أعرف بعضهم ولا أعرف آخرين. كان النقاش محتدماً بينهم حول مصطلح “بيضة القبّان ” !

جلست. قال الختيار بانفعال كما لو كنت معهم منذ بدء الحديث ” ربنا يفتح عليك. قلنا إيه يعني بيضة القبان ؟”.

“رجحة الميزان يا ختيار. بس بدي أعرف السياق. في أي جملة أتت ؟”.

مدّ لي رسالة كان قد بعثها إليه وزير الخارجية المصري خلال حصار بيروت ،كتب فيها أن الأميريكين يعدونه ببيضة القبّان إذا غادر لبنان.

تطوّع أحد الجالسين ” يا ختيار ،معناها دولة فلسطينية “.

ناولته الورقة وقلت له “كما قلت لك يا ختيار. بيضة القبان هي رجحة الميزان التي كنا نستخدمها في الدكاكين القديمة. لكن السياق الذي أراه هو نزع صفة الإرهاب عن المنظمة”.

أجابني بتأهّب ” بس كده؟”.

تدخّل آخر “لا يا ختيار دولة فلسطينية إن شاء الله “.

لم يحدث أن كنت حاداً أمام الختيار في مرة. لكني فعلت يومها. قلت بلهجة حاسمة ” أنا رجل اللغة هنا، ومن بعرف جيداً قراءة ما بين السطور. لو كانت دولة فلسطينية لما قيلت بهذه الصيغة البسيطة. إنهم  يرمون لنا أول الخيط فقط والدولة ليست أول الخيط “.

بقي الكل صامتاً. أمسك الختيار بالرسالة ودسّها في درج مكتبه. نظر إليّ بحذر ذكّرني بنظراته حين تناهت لسمعه عبارة الشاعر والإمبراطور في بيروت.

بابتسامة مفتعلة أنهى الحديث ” ابقى خلّي بالك من غسان بسمعه في الليل بعيّط “.

أدمنتُ الحرية ،فغادرتُ “سلوى”…

“أريدُ مغادرة الفندق سيدي الرئيس؛ لعلي أجد وعائلتي مكاناً أفضل. لكني سأبقى معكم ما حييت. كبرت معكم وعشت بينكم وناضلت ولا أفارقكم ما كتب الله لي من عُمر “…

بهذه الكلمات خاطبت عرفات. كنت أصوّب نظري لعينيه وأسرد الحديث كما لو كنت آلة تسجيل

بقي صامتاً. استفزني صمته لأكمل من جديد “ليس بوسعي أن أبقى في سجن يحمل مسمى فندق “.

حدّق في وجهي مقاطعاً ” مع السلامة .كلكم عايزين تروحوا. مع السلامة “. وأشار إليّ بالابتعاد.

ألم مبرح يمزّق منتصف بطني. كنت أطوّق خاصرتي بذراعيّ وأعضّ على شفتيّ .

كل شيء رحل إلى غير رحعة ، حتى ” حلق الوادي “، الذي توجهت إليه وعائلتي آنذاك، فراراً من فندق سلوى.

حللت وقتها لدى زوجين التحقا بالثورة الفلسطينية في بيروت بعد أن قَدِما من تونس تاركين كل شيء خلفهما. وحين غادرت الثورة بيروت نحو تونس، عادا لمنزلهما في منطقة هادئة مطلة بوداعة على البحر.

عملت في التدريس ثلاثة أعوام. الإنجليزية والأدب العربي والجغرافيا وحتى الرياضيات. وثمة هواة صيد علّمتهم استخدام السلاح. وكنت أدفع أجرة مقاسمة البيت مع التونسيين بانتظام. وكانوا يحدبون عليّ وعلى عائلتي كما لا يفعل أحد مع أحد. وحين يتعذّر عليّ فهم اللهجة، يساعداني، وهما من خلقا التواصل بيني وبين من يرغبون تعلّم أي شيء مما سبق.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here