الرسائل بين القاهرة وطهران.. محاولة للفهم

أحمد القاعود

تبدو العلاقات المصرية الإيرانية في حالة قطيعة تامة أو شلل منذ الثورة الإسلامية التي قادها أية الله الخميني، ولجوء الشاه الأخير محمد رضا بهلوي إلى مصر حيث إستقبله الرئيس الراحل محمد أنو السادات إستقبال الحكام بعد رفض غالبية الدول إيوائه، ولما مات نظمت له جنازة عسكرية مهيبة ودفن بمسجد الرفاعي بالقاهرة.

هذه العلاقات بين البلدين الكبيرين في الإقليم علاقة تبدو غريبة وغير مفهومة في معظم الأحيان، لكنها لا تخلو من رسائل وإشارات بين الفترة والأخرى يمكن قراءة ما بين السطور من خلالها.

لم تشهد العلاقات المصرية الإيرانية أي سلوك علني في العقود الثلاثة الأخيرة إلا مرتين، الأولى عند قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 عندما خطب مرشد الثورة الإيرانية أية الله خامنئي باللغة العربية يؤيد مطالب الشعب المصري ضد حسني مبارك ونظامه، والثانية عندما جاء الرئيس محمد مرسي إلى الحكم حيث زار طهران في إجتماع دولي واستقبل الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد في القاهرة. غير ذلك لم يكن هناك أي إحتكاك مباشر بين ساسة البلدين أو أي مشتركات تجمعهم.

لكن مؤخرا شهدت العلاقات بوادر وإشارات ينبغي التوقف تجاهها. فرغم الدعوة الإيرانية الدائمة لمصر لأن تكون عنصرا قويا في منطقة الشرق الأوسط وتدعم القضايا العربية والإسلامية ضد المشروع الصهيوأميركي، فإن عدة إشارات يتم إبرازها بين الفينة والأخرى، كلجوء مصر إلى البترول الإيراني (ثار هذا الحديث قبل العقوبات الأمريكية على طهران)، وحضور مساعد وزير الخارجية المصري لحفل البعثة الإيرانية في القاهرة في الذكرى الأربعين للثورة الإسلامية، ومؤخرا عدة أحداث متلاحقة هي عبارة عن رسائل من النظام المصري لنظيره الإيراني، كان أبرزها: تغيير الوكالة الرسمة المصرية للأنباء (أ ش أ) خبرا عن حكم محكمة الجنايات عن خلية متهمة بالتجسس لصالح الحرس الثوري الإيراني، فتم تغيير إسم إيران ووضع كلمة (دولة أجنبية) بدلا منه وبالتبعية قامت عدة صحف ومواقع إخبارية بتغيير الخبر. ثم تصريح مدير هيئة قناة السويس الفريق مهاب مميش أن مصر لم تمنع سفينة إيرانية من عبور القناة حيث قيل أنها كانت متجهة بشحنة نفط لسوريا، معتبرا أن تجارة النفط والسلاح مشروعة ولن يتم إتخاذ قرار بالمنع إلا إذا كانت الدولة في حالة عداء مع مصر أو تحمل حمولة مخالفة. وأخيرا إقتحام الأمن المصري مقر قناة (الأحواز) الفضائية المعارضة لإيران والمطالبة بحق العرب في الإقليم الذي يحمل نفس الإسم.

إن هذه العلاقة الغريبة وغير المفهومة يجب أن تتغير فورا لصالح الإقيلم ومنطقة الشرق الأوسط. إذ لا يمكن بحال من الأحول أن ينزوي الدور المصري وهي أكبر وأقوى الدول العربية أو يخضع لصالح السعودية أو الإمارات بحيث أصبحت الصورة معكوسة، فالصغير يمارس دورا شكليا أكبر بمراحل من طاقته وقدرته الحقيقية والكبير منكفئ على نفسه وتابع لمغامرات الصغار التي جلبت الويلات للمنطقة وشعوبها.

إن عدم إنخراط مصر حتى الأن في أي مغامرة أقدمت عليها دول الخليج، باستثناء ليبيا، أمر جيد، لكن تبعية دورها وارتهانه لقطبي الخليج ووضعها في موقع البحرين هو أمر مهين ومرفوض. إذ لا يمكن بحال من الأحول أن يتماهي النظام الحاكم في مصر مع مواقف السعودية والإمارات حتى وإن كانتا صاحبتا فضل عليه وسبب رئيس في صناعته وتثبيت أركانه.

وهنا تبقى المعضلة الأكبر وهي دور إسرائيل في المنطقة وقيادتها لدول ما يسمى بمحور (الإعتدال) وفرض نفوذها عليهم بالإضافة للهيمنة الأمريكية على المنطقة التي تأمر فتطاع ولا يتسطيع أحد الخروج من تحت عبائتها.

على الدولة المصرية مراجعة المواقف الدولية، والتوجه الإقليمي العبثي لتصرفاتها وإن كان غير مؤثرا، فليبيا الجارة تلقي فيها الحليف خليفة حفتر ضربة موجعة مع دعم تركي واضح قد يتحول لتدخل مباشر كما حدث في أزمة قطر ووقتها سيجد النظام المصري نفسه محاصرا بدلا من أن يكون له حليف ودولة كاملة تستوعب ملايين العمال وتساهم بصورة أساسية في إعادة الإعمار. وعلى النظام المصري أيضا أن ينسحب من حصار قطر إذ بعد أكثر من عامين تبدو قطر أكثر قوة وإعتمادا على النفس وبينما كسر أنف رباعي الحصار وأصبح استمرار هذا الموقف نوع من العناد لا يليق بالشعب أو الدولة المصرية، التي لها حوالي 300 ألف عامل هناك يجدون صعوبة في السفر والعودة من هناك بسبب وقف خطوط الطيران.

لقد فشلت السعودية والإمارات في كل الملفات التي دخلتها عداء للثورات العربية وربيع الشباب، فبعد إجهاض الحلم اليمني في العيش الكريم أصبحت اليمن كابوسا يقض مضاجع الخليج وربما يتحول مستقبلا لجحيم يغير شكل السياسة في شبه الجزيرة إلى الأبد، كما خسرت السعودية في سوريا وخرجت منها رغم أنها سلحت الآلاف وأغدقت عليهم وكانت سببا في ألام الشعب السوري.

على الدولة المصرية أو الأجهزة القوية فيها أن تعيد ضبط البوصلة المصرية، وعلاقاتها مع الإقليم، فإذا كانت مصر لديها علاقات تجارية قوية مع تركيا رغم العداء القوي والخطاب السياسي والإعلامي العنيف بين النظامين فلماذا لا يكون لها تلك العلاقات مع دولة وإقتصاد بحجم إيران؟! ولماذا لا يكون لها علاقات سياحية مع ملايين السياح الإيرانيين الذين قد يرفدون الإقتصاد المصري بملايين الدولارات، أو علمية حيث تبرز إيران كدولة صاعدة في مجالات عدة على رأسها العسكرية والطب وغيرها؟!

إن بقاء هذا الوضع المؤسف بين الدولتين طيلة أربعين عاما أصبح غير مبرر وغير مفهوم ويجب أن يتغير، ففي النهاية مصر دولة كبيرة يجب أن تعود وإيران أيضا دولة كبيرة في الإقليم ولديها نفوذ والسير خلف الصغار في هذه القضايا لا يعود بالنفع على الشعوب.

كاتب وباحث مصري في الشأن الإيراني والإعلامي

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. ماذا عن الوضع الداخلي بعد ثورة الربيع العربي وبمصر أيضا وتغيير النظام فيه بعد عقدين أو أكثر من الإستيلاء على السلطة بالقوة و رغم أنف من رفض ولكن لم نرى تحقيق العدل والمساواة والإستقلال في الرأي بعد نجاح الحزب الإسلامي الإخوان من خلال الإنتخابات بين ليلة وضحاها وفترة زمنية قصيرة إستطاع العسكر الإنقلاب على الشرعية لم نرى ذالك حدث عندهم لعقود ماضت و كل شيء واضح العيان من له السيادة والقرار ومن مقطع الجناحين لا يستطيع التغيير أو التدخل في ما لا يعنيه وفقط السمع والطاعة.

  2. الكلام الذي تفضلت به استاذنا الكريم جميل ورائع . ولا أظنه يخفى على ساسة مصر ، لكن هؤلاء الساسة هم الذين ارتضوا هذه المواقف المخزية ، وسمحوا لمشيخات لا تملك من مقومات الدولة سوى المال ، وهو على آية حال زائل، أن ترسم السياسات للدولة المصرية ، وليس للأخيرة سوى الانقياد لها ، قد يقول قائل أنها وسيلة ضغط .. نعم هي وسيلة ضغط لكنها محدودة متى صمدت مصر ولو لبضعة أشهر فستضطر هذه الكيانات الرملية إلى التراجع ، لان مقاطعة مصر وحصارها ليس بالامر الهين وسيصبح بمثابة انتحار لهذه الكيانات ، مجرد ان تشعرهم باللامبالاة والاستقلالية والسيادة وحرية الارادة .. ليت ساسة مصر يصطنعون الشجاعة ويستبدون مرة واحدة إنما العاجز من لا يستبد. .

  3. قليلون هم الاعلاميون المصريون الذين يكتبون بهذه الجرأة وهذا الوضوح ولا تُفتح عليهم أبواق الموالين للسعودية والذين باعوا كلمتهم الحرة لمحمد بن سلمان ومحمد بن زايد ومحمد نتنياهو إعلاميون يتزاحمون لتقديم التملق .. ولا أسهل عليهم من قلب القميص في أية لحظة مع مصلحتهم متخلين عن المبادىء وشرف المهنة ! شكرًا ً للكاتب الكريم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here