الراي الكويتية: هذا ما دار بين إسبر وعبد المهدي.. أميركا تقع في فخّ خياراتها الخاطئة في العراق

ايليا ج. مغناير:

وقعتْ أميركا في فخ تحليلات غير واقعية لمنظّرين في واشنطن غالباً ما يجهلون الحقائق في الشرق الأوسط، فيطلبون من الرئيس دونالد ترامب مهاجمة إيران ويهلّلون لإحتمالات الحرب عليها… ففي الأسابيع الأولى من الإحتجاجات الشعبية في العراق أحْرق بعض المتظاهرين القنصلية الإيرانية في النجف وكربلاء وبغداد، فجرى التعاملُ مع هذه الوقائع من محلّلين في الولايات المتحدة والشرق الأوسط على أن “إيران خرجتْ من العراق” في إستنتاجٍ بأن الشارع العراقي أصبح معادياً لطهران لمجرد هتافات ردّدت “إيران برا برا، بغداد حرة حرة”.

وغالباً ما تعكس الإستنتاجات المتسرعة لهؤلاء المحللين ولمراكز الدراسات في الولايات المتحدة “تمنيات” أكثر مما هي حقائق، الأمر الذي يجعل “الرياح تجري بما لا تشتهي سفنهم”، وهو ما تَكرّر منذ الحرب على العراق في الـ2003، والحرب لتغيير نظام الرئيس بشار الأسد في سورية في الـ2011، إضافة إلى الكثير من الأحداث في الشرق الأوسط التي كشفتْ عدم واقعية الإعلام الغربي، في الوقت الذي برزت مراكز دراسات في إسرائيل على نحو أكثر جدية، فلم تتردّد يوماً مع وسائل إعلامها في إظهار الحقائق حتى لو إشتملت على إساءة لأمنها القومي.

هذا الواقع بدا واضحاً في مقاربة “صنّاع الرأي العام” في الولايات المتحدة لِما حَدَثَ أخيراً في العراق مع الضربة الأميركية لمواقع فصائل من الحشد الشعبي ولا سيما “كتائب حزب الله” العراقي على الحدود العراقية السورية، والذهاب إلى خلاصة مفادها أن “إيران لن تتعافى من هذه الضربة التي تلقاها حلفاؤها وقصمت ظهرهم” وهو تقويم لا يستند إلى دراية بالوقائع الجيو – سياسية وينطوي على أهواء سياسية.

في 27 ديسمبر الماضي أطلقت صواريخ غير دقيقة ضد القاعدة العسكرية العراقية المسماة K1 في منطقة كركوك شمال العراق حيث توجد قواعد للجيشين العراقي والأميركي، وأسفر القصف عن مقتل أميركي و4 آخرين من المتعاقدين مع الجيش الأميركي، وعن مقتل إثنين وجرح اثنين آخَريْن من الجيش العراقي. وكشفت معلومات أنه في اليوم التالي إتصل وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر برئيس حكومة تصريف الأعمال في العراق عادل عبد المهدي ليبلغه قرار الولايات المتحدة بقصف مراكز “كتائب حزب الله” العراقي … حاول عبد المهدي الطلب من أسبر اللقاء للتفاوض وسأله عن الدليل للإتهام الأميركي وقال له إن لجوء الولايات المتحدة إلى هكذا عمل أمر خطير وغير مقبول، فما كان من الوزير الأميركي إلا أن ردّ بأن القرار إتخذ وأنه لا يتصل للتفاوض، وقال أنه يعلم أن المسؤول عن قتل المتعاقد الأميركي هو “كتائب حزب الله” من دون تقديم أدلة.

وبعد نصف ساعة فقط إنطلقت طائرات أميركية وقصفت خمسة مواقع للقوات العراقية في عكاشات التي تبعد 538 كيلومتراً عن قاعدة الـ K1 التي إستُهدفت من مجهولين كما تقع على بعد 150 كيلومتراً من مدينة القائم على الحدود مع سورية. وأقرّت الولايات المتحدة بضربتها للمواقع الخمسة دون أن تكشف عن أن في هذه المواقع توجد “كتائب حزب الله”، وقوات “الحشد الشعبي” الذي اندمج مع القوات العراقية منذ 2017، وقوات للجيش والشرطة الإتحادية قُتل منهم 22 شخصاً بينما قُتل لـ “كتائب حزب الله” 9 مقاتلين. ويتمركز هؤلاء على الحدود العراقية – السورية لمراقبة تحركات “داعش” من سورية إلى العراق وبالعكس. ماذا أنتجت هذه الضربة؟ … كانت إيران تتخبط في رمال الوضع السياسي العراقي من دون أن تصل إلى نتيجة تُرْضي كل الأطراف في عملية إختيار رئيس وزراء جديد. وكان الشارع العراقي في حالة غليان يريد الإصلاح، حين جاءت الضربة الأميركية لتُنْقذ الموقف وكأن وزيري الخارجية والدفاع الأميركيين على “إتفاق وتَناغُم” مع متطلبات قائد لواء القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني.

فأنقذاه وأنْقذوا الموقف الإيراني وحلفاء طهران في العراق، فتحوّلت الأنظار سريعاً نحو السفارة الأميركية إثر محاولة الدخول اليها من القوات الأمنية التابعة للحشد الشعبي وعائلات الضحايا ومناصريهم وأصدقائهم، وتالياً فإن “العدسة” إنتقلت إلى العملية التي قامتْ بها أميركا وأصبح البند الأول الملح على رأس المطالب في العراق هو خروج القوات الأميركية بطلب رسمي يسعى إليه البرلمان العراقي. لقد دفعت أميركا آلاف القتلى والجرحى منذ إحتلال العراق وسبعة تريليونات لدعم قواتها وإنشاء القواعد وتمكين وجودها في الشرق الأوسط، لكن خياراتها الخاطئة قد تضطرّها إلى الخروج ليس فقط من العراق بل أيضاً من سورية. وفي تقدير أوساط متابعة أن القوات الأميركية قد تتجه نحو أربيل، كردستان العراق. إلا أن وجودها سيُعتبر غير شرعي إذا أقر “البرلمان خروج كل القوات” وستكون تالياً هدفاً لأي تنظيم أو مقاتل يريد الإنتقام من الولايات المتحدة.

فالوجود الأميركي لم يعد مرحَّباً به من جزء لا يستهان به من العراقيين مما سيعرّض قواته للخطر. وثمة مَن يعتقد أن هذه الإرتجالية في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، والمبنية على تحليلاتٍ غير واقعية، تصبّ في نهاية المطاف في خدمة سليماني الذي ما عليه إلا تتبُّع الأخطاء الأميركية لحصد نتائجها، وربما هذا ما يفسّر ذهاب المرشد الأعلى في إيران السيد علي خامنئي يوماً إلى حد القول: “الحمدلله الذي جعل أعداءنا من الحمقى”.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. اعجب من هذا التححليل الذي لا يصدر الا من محلل يريد أن يقنعنا بأن ايران قوة لا يستهان بها.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here