الراي الكويتية: أميركا وإيران والمرجعية وأخطاؤهم لماذا رحل عادل عبد المهدي؟

بقلم – ايليا ج. مغناير:

سَقَطَ رئيس الوزراء العراقي المنتخَب ديموقراطياً عادل عبد المهدي بـ 241 صوتاً في البرلمان بناءً على طلب المرجعية الدينية في النجف الممثّلة بالسيد علي السيستاني، وذلك رداً على سوء إدارة الإنتفاضة الشعبية. ورغم أن عبد المهدي غير مسؤول عن الفساد الذي ورثه بسبب سيطرة “الحيتان” – أي الأحزاب السياسية الكبرى – على النظام الحاكم وتقسيم السلطات والثروات فيما بينهم، إلا أنه بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة فهو المسؤول المباشر عن مقتل المئات من المتظاهرين وغالبية هؤلاء ليسوا موالين لأميركا أو لإيران أو أي دولة في المنطقة.

إنهم جيل الشرق الأوسط الجديد الرافضين للخضوع الذي قبِل به آباؤهم وأجدادهم مِن قَبْلهم ويطالبون بتغيير الحُكْم الفاسد المُهَيْمِن والذي لا يلبّي تطلعاتهم للمستقبل. لقد حرّرتْ أميركا العراق من صدام حسين ولكنها إرتكبتْ أخطاء كثيرة بعد ذلك، وفرضتْ إيران نفوذَها من خلال الفراغ الذي نشأ ولكنها أيضاً ارتكبتْ أخطاء كثيرة. وإنخرطتْ المرجعية الدينية في النجف بالعملية السياسية إبتداءً ولكنها إنسحبت بعدما أدركت أن العمل داخِل نظامٍ فاسد غير ممكن، إلى أن قامت التظاهرات الأخيرة التي أجبرتْها على العودة. واليوم يسيطر المحتجّون في العراق على الشارع بأجندة واحدة: تغيير الفساد والفاسدين.

لكن لاعبين محليين وإقليميين ودوليين يحاولون ركوب الموجة. فإلى أين تتجه البلاد وما أدوار أميركا وإيران؟ تسعى طهران وواشنطن إلى إيجاد حكومة صديقة في بغداد لا تهدّد خططهما الإستراتيجية. فأميركا لا تهتمّ بالديموقراطية في الشرق الأوسط ولا يهمّها نوع النظام في بغداد ما دام يخدم مصالحها. وتودّ الولايات المتحدة أن تتصرّف بغداد مثل اربيل المُتَعاوِنة التي توفّر مكاناً للقوات الأميركية والمستثمرين الأميركيين والصديقة لإسرائيل. أما أهداف إيران فهي كسْر العقوبات الأميركية والحفاظ على قواتٍ غير حكومية تتناغم مع إيديولوجيتها في حال أصبحتْ حكومة بغداد معادية، ورؤية آخِر جندي أميركي خارج العراق. في المقابل لدى الشعب العراقي أجندة أخرى، فعلى الرغم من أن البرلمان منتخَب من الشعب، إلا أن مئات الآلاف خرجوا إلى الشارع في المدن التي تقطنها الغالبية الشيعية.

وهم يطالبون بوضع حد لسوء الإدارة الحكومية وإعتقال السياسيين الفاسدين وبنظامٍ إنتخابي يسمح للشعب باختيار قادته بدَل الأحزاب السياسية الكبرى، وإيجاد فرص عمل والقيام بإصلاحات دستورية. وقد ردّت القوات الأمنية بعملٍ وحشي أدى إلى مقتل 432 متظاهراً وآلاف الجرحى. ويُعتبر عبد المهدي المسؤول عن مقتل هؤلاء، فهو مَن طالب القادة الأمنيين بوضْع حدٍّ للفوضى وللهجوم على المقرات التابعة للدولة ولكنه عزَل وطلب محاكمة القادة الأمنيين الذين نفّذوا أوامره (مثل اللواء جميل الشمري والعميد محمد زيدان في محافظة ذي قار). وهذا ما سبّب غضب الشارع وإمتناع الضباط عن تنفيذ الأوامر خوفاً من العقاب. وعلى الرغم من قرب عبد المهدي من المرجعية، إلا أن فشله أوجب عليه دفْع الثمن. وتَعتبر أميركا خروج عبد المهدي إنتصاراً لها. وسبق أن حضر ترامب ونائبه مايك بنس إلى العراق دون الذهاب إلى بغداد “لأسباب أمنية” وهما هبطا في قاعدة عين الأسد التي تسيطر عليها القوات الأميركية. إلا أن الأسباب الأمنية لم تنطبق على وزير الدفاع مارك أسبر عند زيارته الأخيرة لبغداد. وقد تم إستلام رسالة الغضب الأميركية وذلك بسبب إجراءات عبد المهدي.

اذ غضبتْ أميركا على رئيس الوزراء لإتهامه إسرائيل بضرْب قواعد عراقية في البلاد، ولتوقيعه على عقود بمليارات الدولارات مع الصين وقراره بفتْح الحدود مع سورية ورفْضه الخضوع للعقوبات الأميركية على إيران وأخيراً رفْضه حلّ وإنهاء “الحشد الشعبي”. وإرتكبت إيران أخطاء في العراق، فاللواء قاسم سليماني المسؤول عن الملف العراقي يدعم قوات غير حكومية تستفزّ المرجعية في النجف والسلطات العراقية ويوجد بين هؤلاء عصابات. فإيران تتمتع بعلاقات ممتازة مع حكومة العراق وبالتالي هي لا تحتاج لجهات غير حكومية مثل “حزب الله” في لبنان. لقد تم دمج الحشد الشعبي ضمن القوات النظامية ولكن بقيت قوات خارج الحشد مسلّحة لها نفوذ لا يستهان به في العراق. علماً أنه لا يمكن إعادة إنتاج “حزب الله” اللبناني في العراق بسبب ظروف البلاد المختلفة وإختلاف الثقافة والموقع الجيو – سياسي، وهو ما على إيران إدراكه.

أما المرجعية فقد كانت الرائدة في الطلب من البرلمان صوغ الدستور الأول. ولعبتْ دوراً بتشكيل “التحالف العراقي الموحد” (555) خلال إنتخابات عام 2005، وأرسل السيد السيستاني ممثّله إلى البرلمان للإشراف على حُسْن إدارة الأمور. إلا أن الأحزاب السياسية وقفت ضدّه لإبعاده فتخلو لها الساحة من الرقابة. وإنسحبتْ المرجعية بعد اقتناعها بعدم كفاءة القادة السياسيين وفسادهم. وأدركت المرجعية سيطرة الأحزاب الكبرى (الحيتان) على السلطة (الصدريين، بدر، الدعوة، الحكيم والفضيلة).

لقد أزاح السيد السيستاني عادل عبد المهدي بسبب الضحايا الذين سقطوا وبسبب تباطؤ الدولة في إجراء الإصلاحات، وأصبحت (المرجعية) تخشى أن تتعرّض هي في النجف للهجوم. وأشار السيد السيتساني لضرورة إمتناع دول المنطقة كلها (وليس إيران فقط) وأميركا عن التدخّل في الشؤون العراقية. وعلى الرغم من مكانته، إلا أن العراقيين لا يستمعون دائماً لمطالب السيد السيستاني بل يفعلون ما يناسبهم بدليل أنه يطالب منذ أكثر من عقد من الزمن بالمطالب نفسها التي يطالب بها المتظاهرون اليوم. العراق ليس دولةً خاضعةً لأميركا أو إيران، وإذا حاول أي رئيس للوزراء الذهاب في إتجاهٍ دون الآخر لن يُكتب له النجاح. كما أن العراق ليس بضعيف بل أقوى من أي وقت على الرغم من التظاهرات وهجمات “داعش” في صلاح الدين وديالى، ومع ذلك فإن تعيين رئيس للوزراء لن يكون بالأمر السهل إذ يتعيّن على الكتل الأكثر عدداً إختيار الاسم الجديد. وبمجرّد تعيينه فمن المتوقع أن لا يستمرّ أكثر من سنة واحدة إلى حين تنظيم إنتخابات جديدة وتعديل الدستور، فهل ينتظر المُحْتَجّون؟

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. الوضع الاقتصادي او بالاحرى المعيشي للفرد تدنى بعديد من الدول العربية ,, ولكن هناك ارتباط ما بين جهات خارجية عندما تريد الفوضى باوقات معينة فغريب كيف كانت فعلا تهب مظاهرات ,,
    وبالنتيجة ماذا يتحقق بظل غموض تلك التظاهرات نعلم من ارادها ولماذا ,,
    قبل ان نتكلم عن تظاهرات العراق ولبنان فالوضع معروف عن هجمة اميركية صهيونية تؤازرها السعودية بالبداية ,, وموازين القوى المؤازرة لايران كانت بالعراق ولبنان ,, لذا اميركا والصهاينة واموال سعودية واماراتية هي من حركت الفئة المشاغبة التي كانت تحرقة وتهاجم المؤسسات واماكن ما كان ينبغي ,, ويتمترسون خلف التظاهرات المطليية ,, بالعراق كان المتظاهرون من تلك الجماعات تخريبية اكثر مما حصل بلبنان او السودان ,, تظاهرات العراق تبدو لنا وكأن هناك دواعش بالتظاهرات او ضخ اموال كبيرة وهذا ليس بجديد ,,

    عندما لا يعلموا الاسباب الحقيقية فتضيع التشخيص فالعلاج خطأ ..
    الرشى هي السبب والعمالة هي السبب والوضع المعيشي هي السبب ونزول الدواعش والصداميين مستغلين التظاهرات هي السبب ,,
    لذلك ليست مشكلة واحدة مطلبية ..
    بتلك الحالات التخريبية يجب فرض حالة طوارئ فورية لمنع الفريق التخريبي
    يجب على الدولة ضخ مال كبير مساعدات فورية للفقراء انتظارا للحلول التي تأخذ وقت
    اسكات الاصوات النشاز الخارجية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here