“الراي” الكويتية: أميركا وإيران في العراق: المُتَظاهِرون يطلبون الإصلاحات وإلا…

 بقلم – إيليا ج. مغناير:

على مدى العقد الماضي وفي كل مرّة يكون العراق على موعد مع تشكيل حكومة جديدة وانتخاب رؤساء للمؤسسات الدستورية، ينشط المبعوثان الأميركي والإيراني بهدف التأثير في إختيار هؤلاء. واليوم تُشَيْطِن أميركا وإعلامها إيران في العراق بسبب نجاحها بدعم رؤساء يكنّون لها الودّ أكثر من قربهم من واشنطن. وإشتدّت المعركة الأميركية الإعلامية ضدّ إيران في العراق منذ 25 اكتوبر الماضي عندما نزل الحِراك الشعبي إلى الشارع مَطالَبَةً بوضع حد للفساد وبإصلاحات سريعة. وهذا ما دفع المرجع السيد علي السيستاني للقول إن مطالب المتظاهرين مبرَّرة ويجب أن لا تتدخل أيادي القوى الدولية (أميركا) والإقليمية (إيران) في العراق. فماذا يخبئ المستقبل لأميركا وإيران في العراق؟ في 11 نوفمبر الجاري زارت ممثلة الأمم المتحدة في العراق جينين هينيس -بلاسخارت وبتشجيع أميركي السيد السيستاني في منزله في النجف.

وفي 14 نوفمبر، هبطت طائرة تقلّ قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني في النجف ليزور السيد السيستاني مساءً. وعاد سليماني إلى بغداد حاملاً إجابات واضحة: الإصلاحات أمرٌ لا مفرّ منه ضمن إطار جدول زمني محدّد وعلى أميركا وإيران التوقف عن التدخّل لأن المحتجين صادقون ومطالبهم مبررة. وما يريده المرجع السيد السيستاني هو نفسه ما يطلبه المتظاهرون: – حتى ولو اعتبروا البرلمان الحالي غير كفوء لعدم تمثيله حقيقةً الشعب، فإن على البرلمانيين العمل ضمن جدول زمني محدّد ومعلَن على إقرار قانون إنتخاب جديد يؤمن التمثيل الحقيقي للعراقيين ويعطي الحق لكل عراقي في دخول البرلمان والترشح لمنصب رئيس الوزراء دون أن يكون تابعاً للأحزاب السياسية القوية المعروفة باسم “القرش”، ويُحلّ البرلمان فقط بعد تعديل الدستور وإقرار قانون إنتخاب جديد لتفادي وقوع البلاد بفراغ على مستوى السلطة التشريعية. – تعيين لجنة إنتخابية مستقلّة ونزيهة غير تابعة لأي حزب سياسي لمراقبة الإنتخابات ونتائجها. – إقرار تعديلات دستورية بناءً على المادة 142 لتصحيح بنود عدة أهمها البت بالمادة 140 المتعلّقة بوضع كركوك.

– تحديد معنى المادة 76 التي تعطي الحق للتحالف الأكبر بتعيين رئيس الوزراء.

– يُحل البرلمان بعد إقرار قانون الإنتخاب والتعديل الدستوري من قبل البرلمان أو رئيس الوزراء بموافقة رئيس الجمهورية، بحسب المادة 64 والدعوة إلى إنتخابات برلمانية ضمن مهلة الـ 60 يوماً. لقد طالب السيد السيستاني بهذه الإصلاحات منذ ان تولى ابراهيم الجعفري وبعده نوري المالكي الحكْم، إلا أن الفرصة سنحتْ لإسماع صوت المرجعية بقوة بفضل تصميم المتظاهرين. إذ سيطر الفساد على الإدارات الحكومية منذ قدوم الإحتلال الأميركي العام 2003 وتولي عديمي الخبرة في الحكم الذين كانوا في المنفى السلطةَ في العراق. ويُعتبر عادل عبد المهدي إحدى الشخصيات القليلة التي لا تعترض عليها المرجعية شرط القيام بالإصلاحات المناسبة المطلوبة. فهو يحاول تنفيذ الإصلاحات إلا أنه يصطدم بزعماء سياسيين يملكون الأكثرية النيابية وأكثرية الوزراء وهم مُشارِكون في الحكم في الوقت عينه يقفون في صف المعارضة ويدْعون إلى التظاهرات من دون أهداف واضحة، ومثال على ذلك السيد مقتدى الصدر الذي يهاجم إيران تارةً وتارة أخرى يحذّر أميركا بقوة.

هناك فجوة حقيقية بين الشعب والحكام العراقيين. إذ يشعر الشعب بأنه لا بد له من انتخاب رؤسائه المُعيَّنين من الأحزاب الكبيرة، فيما يُدْرِك حكّام العراق أنه لم يعد بإمكانهم العمل وفعل ما يشاؤون دون رقابة ومحاسبة ومساءلة من الشعب. لقد فشلت الحكومة بالتعامل مع المتظاهرين واستخدمت القوة المفرطة. إذ سقط في الأيام السبعة الأولى 107 قتلى و 6000 جريح غالبيتهم من المدنيين إلى جانب إصابات في صفوف القوى الأمنية.

ويتسلّح غالبية المتظاهرين “بالدعابل” (الحجارة) التي لا تشكل خطراً على القوى الأمنية ما عدا بعض العمليات التخريبية المسلَّحة من مشبوهين. وبقي الحشد الشعبي خارج المعركة ولم ينزل إلى الشارع وخصوصاً أنه يمثل الهدف المفضّل لأميركا وإعلامها المهيّأ لإتهام إيران من خلال الحشد بضرْب المتظاهرين.

ويهتف البعض “إيران برا برا بغداد تبقى حرة” بينما يحرق البعض الآخر أعلام أميركا وإسرائيل، إلا أن الإثنين لا يمثّلان غالبية الحِراك على عكس ما يحاول الإعلام الغربي تصوير المتظاهرين على أنهم جميعاً ضد إيران. وذهب بعض المحللين الأميركيين إلى إعتبار العراق دولة فاشلة بينما يقوى العراق أكثر فأكثر بسبب المَطالب الاصلاحية. ويتمسّك القادة العراقيون ببلادهم ولن يسمحوا بالإنهيار، بينما يدّعي محلّلون أن أميركا تريد للعراق الإستقرار والديموقراطية والسيادة هي التي تسيطر على النفط العراقي وتَقبل على مضض علاقة بغداد بإيران. أما في الواقع فأميركا تتمنى أن لا تكون هناك علاقه مع الصين وروسيا وأن تسمح لإسرائيل بضرب العراق وإغتيال قادة الحشد الشعبي وهي تريد للعراق أن لا يشتري الكهرباء من إيران وأن يقفل الحدود مع سورية. وتعتبر بغداد أن أميركا حليف ضروري بينما إيران هي جارة أبدية. وتتقاتل أميركا وإيران على جذْب بغداد نظراً للأهمية الجيو – السياسية والاستراتيجية للعراق وموارده للطاقة. وإتهم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الحكومه العراقية بأنها خُطفت من إيران وأن نظامها (العراق) فاسد على الرغم من التعامل الأميركي اليومي مع بغداد. وتحاول أميركا ركوب موجة الحِراك وتدّعي أن المشكلة تكمن بالتدخل الإيراني. أما الواقع فيقول إن المتظاهرين لا يكترثون لأميركا ولا إيران. فأولوياتهم محلية وإصلاحاتهم ملحّة ومطلوبة. إلا أن إظهار العداء لإيران في بعض المناسبات أعطى أميركا اعتقاداً أن العراق أصبح معادياً لإيران.

وعلى الأرجح لن تكون الحكومة الجديدة قريبة من إيران مثل حال الحكومات السابقة ولكن لا يمكن أن يأتي رئيس وزراء مثل حيدر العبادي معادٍ لإيران لأن الإرتباط العراقي – الإيراني قوي على صعد كثيرة. ويبدو أن المَخْرَج الوحيد هو تقبّل أميركا وإيران أن يبقى العراق مستقراً موازناً في علاقته مع البلدين. أما إذا إستمرت واشنطن بسياساتها الحالية فستجد العراق ضدّها، وهذا ما سيفتح الباب على الصين وروسيا للدخول بقوّة أكثر إلى بلاد ما بين النهرين لأن العراق لن يكون أبداً تابعاً لأميركا كما تتمناه هي. ويمثّل شيعة العراق 65 بالمئة من السكان ويملكون الغالبية في السلطة التشريعية والتنفيذية، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي إيجابية لإيران وليس بالضرورة سلبية لأميركا. فإذا رغبتْ واشنطن في غير ذلك وإذا كانت تريد منْع العلاقة العراقية – الإيرانية الثابتة، فعليها تَوَقُّع خسارة موقعها في العراق.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here