الرئيس المنتخب.. استدامة الدولة.. وفرصة القطيعة في الجزائر؟

 

 

أ.د. عبدالله راقدي

شكل فوز الرئيس عبدالمجيد تبون بانتخابات الرئاسة بالجزائر في 12 ديسمبر 1919 انتصارا لوجهة النظر الساعية لحماية واستدامة مؤسسات الدولة، والتي كادت أن تعصف بها تبعات ترشيح الرئيس السابق العاجز بوتفليقة واستقالته فيما بعد، تحت ضغط حراك الشارع المتطلع لإحداث قطيعة مع سياسات رهنت  الدولة للسلطة.  فهل  ينجح الرئيس تبون في إعادة الاعتبار لثقافة دولة القانون؟ وتبعا لذلك، هل يستغل فرصة مطلب القطيعة مع سياسات جعلت دولة رهينة السلطة والتأسيس لسلطة الدولة؟ وهل يمكن أن نحلم بعد إعادة الاعتبار للدولة بدولة المواطنة؟

انتخابات استعادة الدولة المرتهنة؟

جرت الانتخابات، وكانت المؤشرات توحي قبل ومع بداية الدعاية الانتخابية أن التنافس سيشتد بين المرشحين عبدالمجيد تبون وعلي بن فليس وبدرجة أقل عبدالقادر بن قرينة. غير انه واثناء الدعاية الانتخابية ظهرت تطورات دفعت بميهوبي إلى الواجهة، بدت وكأنها منظمة  حصل على تأييد الأمين العام بالنيابة لحزب جبهة التحرير الوطني، الذي يمثل أكبر وعاء انتخابي – يذكر أن الحزب يعيش فترة عدم مشروعية بسبب انعقاد المؤتمر العاشر في  2015 دون تجديد الهياكل القاعدية، بالإضافة إلى وجود  أمينيه العامين  جمال ولد عباس، ومحمد جميعي في السجن- ويأتي قرار المساندة في ظل انتشار  أخبار مفادها أن المرشح مييهوبي يحظى بتأييد بعض إطارات الجيش المتنفذين وجزء من الإدارة  وبعض منابر الاعلام الخاص المحسوبة  على ما يعرف الدولة العميقة (العصابة).

جرى استهداف مديرية حملة تبون عبر دفع مديرها باعلي بالاستقالة، والزج بممول حملته في السجن وايضا الضغط على وكيل الجمهورية من اجل  تحريك قضية ابنه، وهو ما جعل مديرية حملة المرشح عبد المجيد تبون تتقدم بشكوى لدى السلطة المستقلة للانتخابات ضد مديرية حملة المرشح عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي عز الدين مهيوبي، إتهمته فيها باستغلال المؤسسة العسكرية في حملته الانتخابية بالترويج وفق تعليمات فوقية لأخبار مفادها أن عز الدين مهيوبي هو رئيس الجمهورية القادم “. وقبلها حذر المرشح عبدالقادر بن قرينة في إحدى مهرجاناته والمناظرة  الانتخابية من أي محاولة للتزوير. خلال الحملة الانتخابية صعدت أسهم كل من تبون بن فليس الذين اتسمت تدخلاتهما بنوع من الحذر واقدر أن ذلك راجع بالأساس إلى تأثير المنظومة على إدراكاتهما وهما أبناء النظام، خلافا  لبن قرينة الذي اتسمت تدخلاته بنوع من التلقائية والاندفاعية كونه  قادم من خارج النظام,  رغم ذلك ما انفكت أسهم  ترتفع واصبح صدى مهيوبي الرئيس  يتردد في كل ارجاء الجزائر.

مع انتهاء الدعاية الانتخابية او ما يعرف بالصمت الانتخابي طفت إلى السطح قضية إتهام وكيل الجمهورية لاحد أعضاء حملة المرشح بن فليس بالتخابر مع دولة أجنبية ( فرنسا)، انتشر الخبر كالنار في الهشيم على مستوى كل القنوات التلفزيونية، ورغم أن مديرية حملة المرشح بن فليس منحت حق الرد إلا الامر لم يعد ينفع، كون الامر جاء متزامنا مع سياق تصعيدي حاد ضد السياسة الفرنسية المتهمة بمحاولة تأزيم الوضع وهذا بدعوتها الحكومة بالتحاور وسماع مطالب  قوى الحراك.

في ظل هذه الاجواء جرت الانتخابات وقد عرفت مقاطعة واسعة مست منطقة القبائل اساسا ولايتي تيزي وزو وبجاية، مع بعض أعمال العنف (حرق مركزي اقتراع)، ومسيرة محتشمة في العاصمة، عدا ذلك فقد اتسمت  العملية بنوع من السلمية والهدوء، وكان جواب كل مقترع حين يسأل، لماذا تنتخب؟ من أجل الجزائر. هكذا وبنسبة مشاركة بلغت 41.13  فاز المرشح الحر عبد المجيد تبون في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية التي جرت الخميس 12 ديسمبر 2019 وهذا بحصوله على 58.15 بالمئة من الأصوات أي ما يعادل ما مجموعه 4 ملايين و945 ألفا و116 صوتا كثامن رئيس جمهورية، خلفا للرئيس عبد العزيز بوتفليقة المستقيل تحت ضغط حراك الشارع، على حساب كل من عبد القادر بن قرينة رئيس حركة البناء الوطني ( إسلامي التوجه) الذي حصل على 17.38 بالمئة، وعلي بن فليس رئيس حزب طلائع الحريات (10.55 بالمئة)، وعز الدين مهيوبي الأمين العام بالنيابة لحزب التجمع الوطني الديمقراطي ( 7.26 بالمئة) وعبد العزيز بلعيد رئيس حزب جبهة المستقبل ( 6.66 بالمئة),

ويبدو لي أن فوز  المرشح تبون بالانتخابات في الدور الاول، علاوة على اتسام خطابه بالهدوء وبأكثر تقنية وإقناع ، فقد ساهم أمران في حسم المعركة الانتخابية لصالحه :

_ تسويق مهيوبي أثناء الدعاية الانتخابية على أنه مرشح الدولة العميقة والادارة المحسوبة على العصابة، مثل هذا الكلام جعل المرشح عبدالمجيد تبون في اريحية من وضعه وموقفه وما اثير حول علاقته بقيادة الاركان، ولخصوصية وحساسية  الجزائريين تجاه كل ماهو سلطوي رمز القوة والجبروت ومخاوفهم من امكانية عودة العصابة عبر المرشح مييهوبي ، جاءت ردت فعلهم قوية بالتصويت العقابي ضده ( مهيوبي) .

 _ إتهام المرشح بن فليس في فترة الصمت الانتخابي بالتخابر مع الخارج وبالأساس فرنسا ( وهنا تجدر الاشارة  لحساسية الجزائريين شديدة لمثل هذه الأمور).  تهاوت اسهم المرشح بن فليس بقوة.

_ وطبعا لم يجد الناخبون أمامهم من خيار سوى رجل الدولة تبون الاكثر ضمانا وأمانا على مستقبل الدولة من أن تقع في يد من لا يعرف مفاتيح مداخل ومغاليق النظام.

إعلان الرئيس تبون كشف نوايا  وتوضيح الرؤية؟

في أول مؤتمر صحفي له عقب انتخابه، أعلن الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون يوم الجمعة 13 ديسمبر 2019، لبغية إجراء “تغيير عميق” للدستور لبغية إرساء دعائم “الجمهورية الجديدة”، وهذا  بعد القيام بمشاورات مع النخبة الجامعية والطبقة المثقفة والجالية الوطنية بالخارج، على أن يطرح فيما بعد  للاستفتاء الشعبي، وبحسبه،  مع موافقة الشعب على القانون الأسمى الجديد للبلاد “سنكون قد وضعنا أسس الجمهورية الجديدة. ومما قاله أيضا،  أنه سيمد يديه للحراك بعيدا عن الإقصاء للم شمل الجزائريين من أجل حوار جاد يحقق مصلحة البلاد. وافاد موضحا أنه سيعمل على دمج الشباب الجزائري في الحياة السياسية والاقتصادية. وهنا يجدر بنا ان نتساءل،  هل تغيير  الدستور كاف للحكم ان عهد  الجمهورية الجديدة بدأ؟ وإلى أي مدى ستساهم سياسته القاضية بإدماج الشباب التي وعد بها في  تكريس بيئة الجمهورية الجديدة؟

نحو دولة المواطنة أو حالة وجعلناكم شعوبا وقبائل؟

يمكن تفسير التصويت الكثيف لفائدة الرئيس تبون برغبة الشعب منحه التفويض الكافي الذي يمكنه من مباشرة مسعى رد الاعتبار للدولة، التي حولتها أنظمة الحكم المتعاقبة إلى أداة في خدمة مصالحهم الضيقة. سلوك أوقع الدولة في العديد من الازمات الخطيرة، على غرار  أزمة 1992 عقب توقيف المسار الانتخابي الذي فازت فيه جبهة الإسلامية للإنقاذ، وفي 1998 عقب استقالة الرئيس اليامين زروال ، وتحصل الان عقب تنحي الرئيس بوتفليقة العاجز . ويبدو أن الظروف الداخلية ( بفعل تأثير  وسائط التواصل الاجتماعي  وتراجع دور الأحزاب والمؤسسات التقليدية، ازداد الوعي لدى فئات واسعة من الشباب بضرورة التمتع بمثل ما يحصل عليه أقرانهم في أوروبا والولايات المتحدة وسنغافورة وكوريا الجنوبية)، وعلى المستوى الدولي تعرف بظاهرة عودة حمى تقاسم مناطق النفوذ بعد تراجع دونالد ترامب عن مسعى عولمة القيم الامريكية ، لاسيما على منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومناطق أخرى في أمريكا اللاتينية. على ضوء ذلك يمكن اعتبار عهدة تبون بمثابة الفرصة الأخيرة لتأكيد الرغبة في  جزائر جديدة متجددة تنطلق نحو دولة المواطنة.

اقدر ان اصلاح الدستور مهما كان عميقا غير كاف، إذا لم يرفق  بسياسة واضحة شاملة لإدماج الفئات المتعلمة في مختلف المسؤوليات والوظائف؟ واقدر ان الفرصة سانحة في ظل الفشل الواضح الذي تعيشه المؤسسات التقليدية لاسما السياسية الحزبية. ولعل فشل حزبي الأرندي والافلان في تمكين المرشح  مييهوبي من الفوز دليل واضح على ذلك. وهو ما يعفي الرئيس من ضغوط هذه المؤسسات، وبالموازاة مع ذلك، يمكن استيعاب قوى الحراك انطلاقا من توظيف وإدماج الكثير من عناصره . واقدر أنه كلما توسعت دائرة النظام كلما مكن ذلك في إحداث تحولات في تركيبة وبنية المنظومة وتبعا لذلك في الاليات والسياسات المرتبطة بها. أما اذا اقتصر الامر على تعيينات هنا وهناك فإن التغير يصبح بدون جدوى بل منعدم التأثير . كون أنها ستتأقلم وتنصهر وتتماهى مع البنية القديمة. التي تظل تنتج القيم التي تجعل من الدولة أداة السلطة وهذا عبر اعتماد  المحسوبية والزبونية  و ازدراء قيم العمل والنزاهة والإخلاص.

على ضوء ذلك، اعتبر أي إخفاق في ترسيخ ثقافة الدولة والتأسيس لدولة المواطنة سيعطي مصداقية لفرحات مهني المطالب باستقلال منطقة القبائل والمتحجج ببدعة تشكيل الجزائر وفق مرسوم 14 أكتوبر 1839 . وحينذاك ستجد دعاوي الانظمة العشائرية العائلية الجو المناسب لتنمو كما تنمو الفطريات و نجسد بأحسن تمثيل الآية الكريمة (وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا), والنتيجة تصبح الجزائر جزء من التاريخ وتثبت علينا ما اقوله لطلبتي ” نحن الجزائريون نعرف كيف نثور ولا تعرف كيف نحكم”.

وأخلص،

إلى أنه وفي ظل الرغبة المعلنة من قبل رئيس هو بالأساس رجل دولة متمرس يريد أن ينهي حياته السياسية بإنجازات تسمح له بدخول التاريخ عبر أوسع أبوابه،  لاسيما في ظل وجود بيئة اقرب الى الوضع الخام  المناسب لإعادة التشكل، ودعم المؤسسة العسكرية له، ارى ان يتجه لإحداث تغير في البنية بالقدر الذي تصبح تنتج قيم تقدس العلم والنزاهة والكفاءة  والعدل والمساواة بما يساهم في ترسيخ ثقافة الدولة الوطنية وفي الاتجاه الذي يصبح فيه حلم دولة المواطنة مشروع، دولة لا تبنى إلا في بيئة تحتكم للقانون، يقر فيها بالحق في الاختلاف والتعارض ، بيئة تمنع أن يظهر فيها أي مسعى تسلطي يقلل من شأن المواطن .

أستاذ العلاقات الدولية جامعة باتنة .1

E-mail: ragdiabdlh@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. د عميمور، وضعفت الاية لأقول ان ثقافة الدولة لا تزال في حاجة إلى ترسبخ، واي خطأ في حماية الدولة ستدفع بنا الأحداث الى التشرذم والأتقسام، وتبعا لذلك تزدهر نزعات كل دشرة بإمارة. اذن الآية بقدر ما تخاطب الجميع يمكن تخصيصها للمحتمعات التي لاتزال تدين بمنطق القبيلة كما هو حالنا.

  2. الآية (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) موجهة للبشرية كلها وليس للجزائريين وحدهم …وإلا لقال المولى عز وجل : وجعلناكم شعوبا وقبائل وشاوية وطوارق الخ ..لتعارفوا.
    من جهة أخرى، جزائر الاستقلال هي وليدة ثورة نوفمبر التي حددت الهدف الأسمى ببناء دولة مستقلة “اجتماعية” … ( سوسيال ، باللغة الأخرى)

  3. الذين يعادون الدولة الجزائرية عداوة شديدة ، حد الاستعانة بالاستعمار ، وهم الذين استولوا على كل ثروات الجزائر ، منذ عشية الاستقلال ، وهم المتمركزون في كل مفاصل الدولة الحساسة ، منذ عشية الاستقلال ، ورغم كل ذلك يطالبون بالمواطنة ، التي صارت حقا أريد به باطلا. وإذا كان هؤلاء المنتفعون بثروات الجزائر ، حد النخاع ، فماذا تقول باقي جهات الوطن ، التي ما تزال ترزح تحت خط الفقر ، ولم تشرق عليها شمس الاستقلال لحد الساعة . فالمنتفعون من ثروات الجزائر ، هم الذين شوشوا ويشوشون على الدولة الجزائرية ، حتى لا توزع ثروات الجزائر على كافة الشعب الجزائري توزيعا عادلا . فهم يريدونها لأنفسهم فقط، ويرون أنفسهم شعب الله المختار ، وغيرهم من الجزائريين عبيدا لهم إلى يوم القيامة. وأقولها بصوت عال : لقد انتهى عصر التمييز العنصري ، وحان وقت المساواة بين أفراد الشعب الجزائري قاطبة . فمن أراد ذلك فعلى الرحب و السعادة ، ومن يرفض ذلك فقد ظلم نفسه . والسلام على كل جزائري وطني مخلص ، ودامت الجزائر قوية مهابة ، والمجد و الخلود لشهدائنا الأبرار.

  4. لست متفائلا كثيرا فكل من حكم الجزائر من رؤساء يملكون عقلية إشتراكية ولم يستطيعوا التخلص من تأثيرها، في دولة من المفترض أنها تنحو نحو البيرالية وهنا مربط الفرص .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here