الرئاسة في الجزائر: هل سيكون للصندوق الكلمة العليا؟ وما هو دور المعارضة؟ وهل تبقى دار”لقمان” على حالها؟

محمد بوعبد الله

وأخيرا أصبحت انتخابات الرئاسة بالجزائر في حكم المؤكد إجراؤه، بعد أن كانت هناك سيناريوهات أخرى متوقعة، بينها محاولة التمديد لبوتفليقة. والسؤال المطروحُ الآن هو: بأي حال عدتِ يا انتخاباتُ، ما دام الكثير من العارفين بخبايا الحكم يؤكدون أن كل الرؤساء منذ الاستقلال تم “تعيينهم” بالتوافق السلطوي، فضلا عمن وصل إلى السلطة على ظهر دبابة؟

تزوير الانتخابات، أو تزوير النتائج المعلنة، كان على الدوام بيت القصيد لدى الدوائر المشككة أو لِنَقُل تلك المستيقنة. فهل سيتكرر المشهد مجددا؟ الأمر وارد جدا في ظل معارضة ضعيفة مترهلة غير متماسكة، أو ما تُسمى بالمعارضة أو تسمي نفسها، وينكر عليها البعض أنها كذلك كونها في سبات عميق، وأيضا في ظل إصرار فئة حاكمة – يصفها البعض بالعصابة – على التفرد بالحكم دون تفويض شعبي حقيقي، وإن كانت هي الأخرى لم تحسم مرشحها التوافقي الذي يصبح تلقائيا رئيسا للبلاد بعد الانتخاب، كما يؤكد مراقبون على دراية بالشأن السلطوي وأجنحته المختلفة وصراعاتها.

وبغض النظر عن طبيعة هذه المعارضة إن كانت (أو فريق منها) حقيقية أو زائفة، فإن هناك مسؤولية تاريخية لهذه التشكيلات السياسية أمام الشعب سيد القرار المصادر منه، في وقت يمر فيه البلد بظروف استثنائية نحو المجهول، فالجزائر أصبحت الآن في مفترق طرق بعد عقدين كاملين من حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهو الصاعد للحكم كغيره من سابقيه من الرؤساء بتوافق سلطوي، وكذلك استمر في الحكم لعهدة رئاسية رابعة، رغم كل ما أُثير حول الشرعية الدستورية لبقائه.

ينبغي على هذه “المعارضة” أن تبحث سبل حماية الصندوق بشتى الطرق الممكنة، لا أن تبقى متفرجة مكتوفة الأيدي، وإلا فلا داعي أصلا لوجود أحزابها واستمرارها، فالكثرة لا تغني عن الحق شيئا ولا عن الديموقراطية الحق. وفي حال ترسخت لديها قناعة أنه ما من سبيل لذلك، فالمقاطعة تبقى على الأقل أضعف الإيمان وأقوى السبل السلمية الممكنة والحتمية لرفض مصادرة حق الشعب في اختيار رئيسه بسيادة وشفافية، ما دامت تكون حينها قد أدركت بأن مرشح سلطة الأمر الواقع هو الذي سيكون كالعادة الرئيس المقبل رغم أنف الجميع، وأنف الشعب تحديدا.

المعارضة الحية عليها أن تبتكر سبلا للضغط أكثر، تتوافق وطبيعة المرحلة الراهنة، وينبغي أن يكون أكبر همها رص الصفوف وإقصاءُ الخارجين عن الصف، إذ الأَولى تجاهلُ الأحزاب التي تخدم سياسة “فرق تسد”، والتي يقتصر وجودها على هذا الدور أو على مصلحة الحزب الضيقة دون المصلحة العليا للوطن والشعب، إن كان ثمة مجال أصلا لتلك المصلحة الحزبية. ومثل هذه الأحزاب لا يُعول عليها كثيرا ولا شيئا قليلا، في إحداث التغيير المطلوب في الممارسة الديموقراطية. والأجدر أن تتشكل نواة أساسية من ثلاثة أحزاب أو أربعة تأخذ زمام المبادرة، ثم ترحب بأي حزب راغب في الانضمام لتكتل المعارضة الحقيقية وفقا لشروط معينة.

حكومة الظل أحد تلك السبل الضاغطة، وإن كانت ليست من التقاليد المعمول بها عندنا. غير أن تشكيل وزراء مُوازين لوزراء سلطة الأمر الواقع، مهمتهم الرقابة اليومية لأداء هذه السلطة وفضح جوانب تقصيرها المتفاقم في جميع القطاعات، قد يعطي ديناميكية أقوى وثقلا أكبر سياسيا وإعلاميا لتصريحات ومواقف المعارضة، بدلا من حالة التقزيم الممنهجة التي جعلتها فيها الممارسات السلطوية المتعاقبة.

حكومة الظل المشكلة من رموز وشخصيات وطنية، قد تصبح ورقة قوية ضاغطة إن أُحسن استخدامها سياسيا، للمطالبة بإشراف مشترك على الانتخابات المقبلة، في جميع مراحلها إلى غاية إعلان النتائج النهائية. وحتى لو كانت حكومة شكلية ورمزية، وداخل إطار لعبة جديدة في ملعب المعارضة وليس ضمن ما تسمح به لعبة السلطة، فإن ظهور المعارضة بمظهر جبهة واحدة قوية متماسكة سيفرض على الطرف المهيمن التعامل معها والإذعان لطلباتها، وفي أسوأ احتمال سيكون لها صوتٌ أقوى وقعا، بحكومة الظل هذه.

مثل هذا التكتل السياسي الذي يأخذ طابعا رسميا في العمل النضالي، قد يسهم بشكل أكبر في بلورة فكرة دعم المرشح الواحد، وحشدِ التفافٍ شعبي حوله، مع الإبقاء على مرشح احتياطي أو مرشحَيْن لإعادة توجيه الدعم والتأقلم مع أي إقصاء متعمد. ومرشح الشعب الذي تتبناه مثل هذه المعارضة الحقيقية والجادة للانتقال بالجزائر وفق برنامج وشروط محددة، هو حتمية لا بد منها لافتكاك التغيير الهادف لإنهاء مرحلة التلاعب بمصير الجزائر وبمقدراتها الاقتصادية الهائلة، والكف عن إضعافها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وأمنيا، بشكل يبدو أحيانا كما لو أنه ممنهج ولخدمة جهات خارجية.

وضيق الوقت يفرض التسريع في الإقدام على خطوة كهذه، فبقدر تماسك الكتلة السياسية المعارِضة الحقيقية، بقدر ما يكون الالتفاف الشعبي أكثر وضوحا، وأيضا بقدر ما تكون هناك أداةٌ ضاغطة يمكنها فضح أي محاولة لتزوير مدخلات الصندوق أو مخرجاته، إذ لا يمكن البرهنة بقوة على التزوير المفترض إلا بإظهار تأييد شعبي منقطع النظير.

المعارضة، أو ما تسمي نفسها معارضة، لا تفتقد إلى الحل الممكن لمعضلة تعيين الرؤساء بدل انتخابهم، بل في تشرذمها لسبب أو لآخر كنشأة بعضها مخترَقا لغرض التفرقة ليس إلا، وفي افتقاد بعضها لروح المبادرة الجماعية الفاعلة، يكمن استقواء الطرف الآخر المهيمن، فلا يمكن القول إن السلطة صادرت حق الشعب في اختيار رئيسه، ما لم يتم إظهار شعبية عارمة لمرشح يقهر مرشح السلطة قبل الصندوق وبعده، وتلك شعبيةٌ إن وُجدت لا ينبغي أن تكون بكماء بل أن تكون صرخةً مدوية.

تعيين الرئيس ليس قدرا على الجزائريين، ولكن تركهم للفراغ هو ما يجعل تعيين الرئيس يبدو وكأنه قدرٌ محتوم، فالطبيعةُ لا تقبل الفراغ كما يقولون، وما على الشعب إن أراد أن يحمي صوته سوى أن يلتف حول مرشح واحد، ويُظهرَ ذلك بقوة تُعيق ملء فراغ الأغلبية الصامتة أو المكرهة على الصمت. ومن يوجه الشعب لهذا الالتفاف والحضور الجماهيري القوي في الحملات الانتخابية؟ إنها المعارضة، إن وُجدت فعلا، عندما تكون متماسكة وتصنع مرشحا مشروطا دعمُها له بالتأسيس لمرحلة بناء دولة الحق والعدالة. والبديل للمعارضة إن غابت أو غُيبت قهرا هو “معارضة وسائل التواصل الاجتماعي” التي قد تكون الأكثر نجاعة، إن وجدت لها سبيلا للقوة الناعمة المؤثرة.

الأحزاب التي لا تنشد دولة الحق، هي كيانات سياسية عادة ما يكون سعيها إلى الاغتراف من الإناء ذاته الذي تحرصه أحزاب الموالاة لسلطة الأمر الواقع ومنه تغترف، وطبعا دون أن ننسى العصب المتحكمة في دواليب إبقاء دار لقمان على حالها، رغم أن رائحة الفساد قد باتت تُزكم الأنوف وفضائحَه تصُم الآذانَ من شدة وقعها، وبلغت حدا لا يُطاق من أثر ذلك على الحياة المعيشية للطبقات المقهورة من الشعب.

* إعلامي وكاتب صحفي جزائري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. السلطة بكل مكوناتها ستعمل على إبقاء دار لقمان على حالها. المعارضة بأطيافها من صنع السلطة، لا أرى في المشهد السياسي للبلاد أي شخصية قادرة على جمع شمل غالبية الجزائريين و إحداث القطيعة المنشودة.
    عقدين من حكم بوتفليقة كرست الرداءة على جميع مستويات الحكم فلم يعد لعموم الشعب أي إهتمام بالسياسة، الله و ما إلا من باب التنكيت. هذه النتيجة مقصودة و لم تأتي صدفة، فيا شعب إهتم في أي شيء و بأي شيئ إلا السياسة. الله يحفظ البلاد و العباد.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here