النقب: الدين.. الجيش.. الدولة

 Marwan-A.-Frieh.jpg66

 

 

مروان فريح

يخطئ من يظن أن “قضية النقب” هي محض قضية قومية أو قضية استرداد أرض عربية مسلوبة من عدو غاصب، وكل من يساهم في ترسيخ مفهوم هذه القضية على هذا النحو في عقول الناس، من الكتاب والمفكرين والساسة يضلل الناس ويبعدهم عن موطن دائهم وجرحهم الأليم ويسهم في خداعهم، ويؤخر فواق الأمة من دائرة الذل التي أحاطت بها وارتضتها سمةً لحياة لا قيمة لها، فقضية النقب هي قضية الإسلام، هي قضية العقيدة في مواجهة كل محاولات التغريب ومحو دين الإسلام من قلوب الأمة التي تكالبت عليها قوى الكفر والإلحاد وسلطوا عليهم عدوًّا ضعيفًا هشًا في داخله، لكنه مع ضعف المسلمين وابتعادهم عن دينهم موطن عزتهم وقوتهم، تسلَّطَ عليهم وعلى أجلّ ما يمتلكون من مقدسات دينية، وزرع فيهم ومنهم أولياء له ليزيدوا في إبعاد الأمة عن واقعها المرير، وعن علاج مرض ذلهم وخنوعهم، ألا وهو التّمسّك بعقيدتهم الصافية والاعتصام بشرع الله.

أهداف إسرائيل التوسعية في النقب، رغم “صغر” حجمه وقلة الاستثمارات فيه، يعد الأولويات بالنسبة لإسرائيل، وهو في أصله عبارة عن حلم للصهيونية ولـ بن جوريون  بالاستيطان التام فيه، وهو الموضوع الأبرز منذ قيام الدولة وحتى يومنا هذا، فهو من أطماع إسرائيل الاستعمارية في صراعها مع العرب، كسيناء وهضبة الجولان السورية ومعظم أراضي فلسطين حتى منطقة الأردن (أراضي نكسة عام 1967م)، التي قد خسرها العرب آنذاك واحتلتها إسرائيل، وها هي تعود من جديد لتحتل النقب.

 في ذلك  الوقت كان الحس الشعبي متأجّجًا للغاية ومتحفزًا للمواجهة مع إسرائيل ردًّا على مواجهة العدوان بالعدوان، من منطلق قومي عربي، لا تطمع إسرائيل في فلسطين وحدها دون سائر البلدان العربية، بل إنها منذ نشأتها وإعلان قيامها في 1948م ترى أن حدود دولتها لابد أن تشمل- كما في توراتهم- كل ما بين النيل والفرات.

الحل الوحيد لمواجهة الكيان الصهيوني في المنطقة لن يتحقق إلا بالقوة والوحدة، لا بالخطابات والشجب والاستنكار، وهذا هو الخيار الوحيد المتاح للعرب في ظل التسلط الذي يمارسه الصهاينة ليل نهار على أمة الإسلام، بينما نرى في عهدنا هذا من يلتزمون مقاعد الأمم المتحدة وأرائك المؤتمرات الدولية، ويتمسكون بخيار السلام خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه للحفاظ على ما تبقى من فتات أرض فلسطين.

يزعمون أن شعب إسرائيل خلق على جبل سيناء عندما أعطى التوراة، ولا تحقق الدولة هدفها إلا بمراعاة التوراة ولا تحل مشكلاتها إلا بواسطة التوراة، ويجب أن تعتمد قوانين الدولة على التوراة، واستنادًا على العقيدة اليهودية في التوراة، فقد استندت مطالب الحركة الصهيونية على مطلبين أساسيين التزمت بهما منذ أول مؤتمر صهيوني عالمي ضم أهم الساسة والمفكرين الصهيونيين، وهما: 1. الحصول على ما يسمى بـ”أرض الميعاد”، والتي تقوم على أساس: (من النيل إلى الفرات). 2. إعادة الشعب اليهودي إلى أرضه التاريخية المذكورة في التوراة، لأن الحياة في المنفى مخالفة للدين اليهودي وللحياة الطبيعية للشعب اليهودي.

وقد جاء في خطاب ألقاه “مناحم بيجين” بتاريخ 7 أبريل عام 1955: “لن يكون سلام لشعب إسرائيل ولا لأرض إسرائيل، حتى ولا للعرب ما دمنا لم نحرر وطننا بأجمعه بعد، حتى ولو وقعنا معاهدة الصلح”.

ويؤكد بن جوريون في أحد تصريحاته: “لا معنى لإسرائيل من غير القدس، ولا معنى للقدس من غير الهيكل” والهيكل هو هيكل سيدنا سليمان المزعوم الذي يريدون بناءه على أنقاض المسجد الأقصى.

ويؤكد ذلك المعنى العقائدي العامل العسكري لطبيعة دولة إسرائيل، فسكان إسرائيل بأكملهم هم جيش الدولة، والنظام التجنيدي الإجباري يطبق في إسرائيل على كافة المواطنين، حيث يعد التدريب العسكري عاملا حيويًّا لبقاء دولة إسرائيل.

إسرائيل معسكر كبير يضم كل الطاقات المادية و المعنوية، يبدأ فيه التدريب العسكري المنظم لكل إسرائيلي حين يصبح عمره اثنتي عشرة سنة، ثم يستمر تدريبه حتى يبلغ الثامنة عشرة حيث يلتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية، فإذا قضى مدة خدمته العسكرية في الجيش وجرى تسريحه يصبح احتياطيًا يدعى إلى الخدمة العسكرية أيام النفير العام أو النفير الخاص حتى يبلغ التاسعة والثلاثين من عمره، حيث يصبح احتياطيًا للخدمة في المستعمرات أو القوات المحلية، ويبقى حاملًا سلاحه ما استطاع حمل السلاح، حتى يموت، ونستطيع أن نقول إن الخدمة العسكرية في إسرائيل من المهد إلى اللحد.

من الواضح أن إسرائيل ركزت وما زالت تركز كل جهودها لتقوية جيشها عسكريًا من أجل ضمان حماية أمنها واستقرارها. ونجد أن إسرائيل منذ عام 1948م تكرر المذابح الدموية وجرائم الحرب في إجلاء السكان العرب من قراهم وبيوتهم، وإخلاء الأراضي المحتلة من سكانها العرب بالطرد والتهجير ونسف المنازل، إلى جانب تهويد الأرض العربية بإطلاق مسميات يهودية عليها وطمس جميع معالمها العربية.

لا تترك إسرائيل أي مناسبة دولية إلا وتصور نفسها أنها محبة للسلام ولدعاته، وأنها كائن ضعيف وسط جحافل جيوش الدول العربية الكارهة لها، والذين يسافرون إلى الخارج يُواجهون دومًا بالسؤال: لماذا لا تتركون اليهود في إسرائيل يعيشون بسلام؟ وتلعب إسرائيل على هذا الوتر في مفاوضاتها مع العرب فهي تدعو لسلام يقوم على سياسة الرضا بالأمر الواقع، فوجودها كـ (دولة) ليس أمر نقاش، ومسألة عودة اللاجئين أمر صعب التطبيق، وترفض التخلي عن القدس وتعتبرها عاصمة أبدية لليهود، يقول بن جوريون تعليقًا على عودة اللاجئين لقراهم: “إن عقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء، إن إسرائيل لا يمكن أن تقبل أيًّا من اللاجئين، والحل الوحيد العملي الممكن هو إسكانهم المناطق الخالية من السكان الغنية بثرواتها الطبيعية في سوريا والعراق”.

يجب أن نعي كل الوعي أن عروض السلام التي يطلقها المسؤولون الإسرائيليون وأجهزة الإعلام الصهيونية ليست إلا ستارًا من الدخان، تهدف إلى تغطية المخططات الثابتة لإسرائيل والتي تشكل الاعتداءات المسلحة وسيلتها الرئيسة وإنّ إسرائيل وإن كانت (تتظاهر) السلام، لكنها لا تريده بتاتًا.

إِنَّ الذين يعتقدون أن إسرائيل كارثة حلت بشعب فلسطين وحده، وأن ما تبيته إسرائيل من عدوان وتوسع لا يتعدى فلسطين، يجهلون الحركة الصهيونية وأهدافها ومخططاتها الاستعمارية، والحقيقة أن خطر إسرائيل يهدد كيان الأمة العربية التاريخي والحضاري، وأنها خطر مادي يهدد جميع الدول المجاورة لها بالغزو والعدوان والاحتلال.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. يسلموا اخ مروان…في كاتب شهير من عنكم في النقب كتب مقالات كثيره حول التغريب وفلسطينيي الداخل والنقب.اسمو الدكتور شكري .كاتب فلسطيني فذ ونشيط ويملك مخزون ثقافي وطني هائل.جيد ان النقب يدخل الى الواجهه والمواجهه.سلمتم.

  2. يسلم عقلك يا مروان على سردك القصه الصهيونيه كامله .
    أخطر شي على وجودنا في الداخل هو وزاره التربيه والتعليم
    لن ننمي وطنيه ولا انتماء اذا لم نكن نقف على الحقيقة بان تهميشنا عنوه ،وتجريدنا من ثقافتنا
    عنوه ،واحتلالنا ثقافيا خطه مدروسة جيدا .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here