“الديمقراطية”: هل هي مجرد “تفاصيل”؟

عبد الحسين شعبان

يقولون إن “الشيطان يكمن في التفاصيل”، وهذه الأخيرة معقدة ومتشابكة، فحين أطيح بالدكتاتوريات بفعل العامل الخارجي: أفغانستان والعراق وتداخلات دولية وإقليمية بعد هبّة شعبية: ليبيا واليمن أو الحراك الشعبي المدني اللّاعنفي : تونس ومصر أو الملف المأساوي المفتوح : سوريا، قيل إن الطريق سيكون مفتوحاً للانتقال الديمقراطي، حتى أن هناك من بالغ حين اعتبر مجرد الإطاحة بالأنظمة السابقة يعني التوجه فوراً نحو الديمقراطية، وهناك من بشّرنا بتفاؤل مفرط أن الرخاء والكرامة الإنسانية واحترام الحقوق ستكون أولوية أساسية للأنظمة الجديدة.

لكن التغيير الذي طال انتظاره  جلب معه فوضى وعنف وإرهاب، وزاد من منسوب التعصّب والتطرّف والغلو، ولاسيّما حين ارتفعت الموجة الإسلاموية إلى أقصى المستويات حتى بلغت منصّات الحكم، لدرجة أن مصطلح “الربيع العربي” أخذ يثير ردود فعل حادة، تجعله في دائرة الشك و” الشبهة”،  بالإشارة إلى دور القوى الدولية المتنفّذة، وفي غمرة مثل هذا التشاؤم المحبط لا يتذكر البعض تضحيات شعوب هذه البلدان وتطلّعاتها للتغيير.

 لقد حمل التغيير معه صراعات دينية وطائفية ومذهبية وجهوية وسياسية وحزبية وقبلية وأيقظ نعرات كانت نائمة، وزاد الأمر خطورة انتشار السلاح واستخدامه لدرجة تفشّى العنف واستفحل الإرهاب واستشرى الفساد المالي والإداري، ولاسيّما في ظلّ تعويم مرجعية الدولة أو تفتّت بعض مقوّماتها.

كانت شعوب العديد من البلدان العربية والإسلامية تأمل تحسين أوضاعها الاقتصادية والمعاشية بعد الإطاحة بالأنظمة التي بدت مثل كابوس مطبق على صدورها، ولكن حين رحلت تلك الأنظمة لم يرحل معها الاستلاب والقهر، وزاد أحياناً بفعل ضعف الدولة وانتعاش قوى الإرهاب، وحين هوت الدكتاتوريات هوت معها  أحياناً “الوحدة الوطنية” حتى وإن كانت هذه “مفروضة” أو شكلانية في ظلّ غياب المواطنة الفاعلة، لكنها كانت صمام أمان للناس في تعايشهم بوطنهم، ومع ما سمّي بـ ” الديمقراطية” حلّ التشتت والانقسام والعودة إلى مرحلة ما قبل الدولة، الأمر الذي أصاب الشعوب بخيبة أمل مريرة، لأن الربيع الذي كانت تنتظره بفارغ الصبر، صار بالنسبة لها ولحياتها “خريفاً قاسياً”، مصحوباً بالعواصف والزوابع التي سبّبت انكسارات وانثلامات واندهامات مريعة.

ولعلّ الأكثر مفارقة كانت مواقف النخب السياسية التي صدّعت رؤوس الناس على مدى عقود من الزمان بالمبادئ والقيم ، فإذا بالثورات لا تطيح بالدكتاتوريات فحسب، بل تُعرّي معارضاتها أيضاً (حكام اليوم) وتكشف عوراتهم وأطماعهم وتنافسهم المحموم على النفوذ والمال واستعدادهم لتوظيف كل شيء في سبيل المصالح الخاصة والأنانية الضيقة، وهكذا تم مقايضة تضحيات الناس وأحلامهم بالتغيير والرخاء، بالصراع على السلطة  والاستماتة للظفر بها، وهكذا تصالحت مع أسوأ ما في الأنظمة السابقة، دون أن ترتقي إلى بعض حسناتها ومزاياها.

لقد عمل “الحكام الجدد” على تشريع امتيازاتهم عبر البرلمانات أحياناً مضفين صفة “الشرعية” عليها، وحصلوا على تعويضات مجزية ” لنضالهم” وامتدت أيديهم إلى المال العام فعاثت بالبلاد فساداً، حتى إن دولاً مثل العراق وليبيا هي اليوم الأكثر فساداً في العالم في حين أن ميزانياتها يمكن أن تكفي شعوب المشرق والمغرب.

أتكون ” الديمقراطية” لا تليق بشعوبنا ولو أننا لم نقاربها بعد، فتلك فقط بعض آلياتها ليس إلّا ؟ وكم كانت فرحة القوى المخلوعة كبيرة لمثل تلك النتائج، فقد ظلّت  تسوّق فرضية عدم صلاح الديمقراطية لشعوبنا لتبرير سياسية الاستبداد والقمع السابقة،     لكن ثمة جانب موضوعي لا بدّ من الإقرار به، ، فالثورات والتغييرات لم تأتِ بما هو أفضل، ويبرّر المعارضون السابقون وحاكمو اليوم أنهم اصطدموا بإرث ثقيل أعاقهم عن تحقيق المنجزات، وخصوصاً ما واجهوه من إرهاب القاعدة وداعش، لكن ذلك مجرد تبريرات للفشل الذريع  الذي لا يريدون الاعتراف به ، مدّعين أنه لولا وجودهم لكان الوضع أسوأ بكثير، وهل ثمة أسوأ من  أنظمة المحاصصة والفساد المالي والإداري وتفشي العنف والإرهاب وسوء الأوضاع المعيشية والاقتصادية وتدهور الخدمات التعليمية والصحية واستفحال الأمية والبطالة.

لكن هل الدكتاتوريات أفضل من ” الديمقراطيات” أم ثمة فارق كبير، فالأولى كانت مفروضة على الشعوب، أما حكام اليوم فهم من اختيارها أو هكذا يتبجحون، على الرغم من العزوف وتراجع المشاركة وانعدام الثقة، بغض النظر عن نتائج انتخابات تجري في ظلّ بعض الدساتير الملغومة وقوانين الانتخابات ” المبرمجة” والنتائج التي تكاد تكون معروفة سلفاً بفعل عمليات التزوير المفضوحة،  وهي مداورة بين بضعة مئات من السياسيين، وكأن الحياة أصبحت حكراً عليهم وإن شعوبهم أصيبت بالعقم.

العيش الكريم هو ما تحتاج إليه الشعوب العربية وعدم تحقق ذلك دفع أوساطاً شعبية تعبر عن جزعها وتبرّمها لدرجة اليأس من القدرة على التغيير بامتداحها نظام بن علي وصدام حسين وحسني مبارك ومعمر القذافي وعلي عبد الله  صالح والملا عمر، الذين كان التخلص منهم أقرب إلى الحلم.

باحث ومفكر عربي

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

4 تعليقات

  1. مقال جميل ومفيد ووضع اليد على الجرح وشخّص الداء واقترح الدواء , ولكن ألا ترى يا دكتور أن الديمقراطية هي محصلة تربية و ثقافة وليست قوانين وأنظمة مسبقة الصنع قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان !؟.

  2. يصح وضع الرؤساء الانفه ذكرهم في خانة واحدة فنظام صدام حسين اطيح به من قبل قوات احتلال وليس عامل داخلي. كان يا ما كان:اتفقت الكلاب على الأسد وفي غفله من الزمن لمرض أو غيره نالت من الأسد. وقامت بتربيطه بالحبال. وتم رميه على قارعة الطريق. أصبحت الكلاب الأمر الناهي في الغابه.. الفئران اخذتها الحميه وقررت تخليص الأسد من اغلاله فقطعت الحبال.. و حلت عقده. قام الأسد بتجميع الحيوانات في الغابه.. على يمينه الفئران الفخورة وعلى يساره الكلاب المذعورة.. صاح الأسد : لعن الله غابة كلابها تربط و فئرانها تحل… لا أعلم نهاية القصة… ولكن لو لم يتم إعدام صدام حسين.. أتصور حاله حال الأسد لقرر الانتحار.. خاصة من مواقف الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي.

  3. ارى ان المسألة تدور حول النموذج الذي يصلح لشعوبنا.
    الديمقراطية بصورتها الغربية التي لا تعطب للغيب حيز لا تصلح لنا.
    اما عن الديكتاتوريات ودورها، هلى القيت سيدي نظرة على الحالة السياسية المزرية التي يعيشها وطني الذي لم يعرف “الربيع”. اننا بالجزائر نرى انفسنا نتجه نحو شيء يبدو كالجدار الاسود.
    واظن ان اخواننا بالاردن يعيشون نفس الحالة.

  4. صباح الخير…د. عبد الحسين شعبان المحترم…
    ﻻ يسعني في البداية إﻻ ان اثني على هذا الكاتب والمفكر العربي العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان الذي حضرت له محاضرة في عمان، الاردن في العام ١٩٩٩ او ٢٠٠٠ حول حقوق الانسان والديمقراطية.
    ان هذه المقالة القيمة وصفية بامتياز لاحداث المنطقة العربية بعد تغير حاكمها فضلا عن دقتها في تشخيص الخلل…..وردي على سؤاله هل الديمقراطية مجرد تفاصيل؟ إذا يعطي لي الحق فأقول بأن اميل إلى ما ذهب إليه استاذي البرفسور عالم السياسة الدكتور عبد الرضا الطعان، المقيم حاليا في بلجيكا، في كتابه الموسوم “مفهوم الثورة” والصادر في التسعينات من القرن العشرين…بإن الثورة هي تغير جذري ونحو الاحسن في جميع الظروف الاقتصادية واﻻجتماعية والسياسية وليس مجرد تغير في الحكم والحكام والشعارات واﻻعذار والتبريرات….أنها تغيرات ملموسة تصب في صالح الشعب لتعكس فلسفة ومطلب حكم الشعب…..ونميل ايضا إلى رأي استاذنا المؤسس التاريخي لعلم السياسية والمعلم الاول ارسطو، بان معيار الحكم وفق للقانون ولصالح الشعب هو معيار الحكم الصالح سواء كان فرد او قلة او اكثرية بمعنى ان وجود بنى وهياكل لما يسمى بالعملية الديمقراطية ودعاية سياسية تشير إليها ليست كافية وحدها للإشارة والدلالة على وجود عملية ديموقراطية وحكم الشعب…..ولعل هذا ما دعى استاذنا المتميز كارل ماركس، مؤسس علم الاجتماع السياسي، وصاحب الفضل للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية خصوصا في اوربا الغربية والدول الاسكندنافية لصالح الشعب، بوصف الديمقراطية بانها من أوهام الديمقراطية! فعندما ﻻ يحصل اﻻنسان على دواء ﻻبسط مرض في دول توصف بانها ديمقراطية حتى لو كانت امريكا فلا خير في الديمقراطية وجعجعتها، والعكس هو صحيح فعندما يحصل اﻻنسان على حاجات ضرورية بشكل مدعوم او/و مجاني كالصحة والتعليم والسكن من قبل حاكم يسمى بالمستبد او الظالم او الدكتاتور مقابل عدم تعرضه لسلطة هذا الحاكم ومحاولة انتزاع السلطة منه فإن اﻻستبداد المسؤول عن تقديم الخدمات قد يكون افضل من الديمقراطية الشكلية والتفصيلية بدون نفع ملموس…….فالديمقراطية تكون احيانا كلمة حق يراد بها باطل……ورصاصة لقتل الانسان من اجل سرقة ثرواته……
    د. رعد حافظ سالم الزبيدي
    مقيم في امريكا
    raadalzubaidi@gmail.com

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here