الدولة اليهودية التي يريدها نتنياهو

ibrahim-abu-ataleh.jpg66

 

 

ابراهيم ابو عتيله

 

لم يعد مصطلح  يهودية الدولة شعاراً  يطرحه الجانب الصهيوني في مسابقته التفاوضية الماراثونية العبثية مع سلطة أوسلو فحسب ، فهاهم الصهاينة قد بدأوا بالخطوات التنفيذية لتحقيق هذا الشعار من خلال موافقة مجلس وزراء الصهاينة على إصدار قانون خاص لتحقيق ذلك  ..  حيث سار نيتنياهو على خطوات من سبقه من الزعماء الصهاينة الذين تسابقوا لتحقيق هذا الشعار الذي طالب به أرئيل شارون سنة 2003 وأيده بذلك وبقوة الرئيس الأمريكي جورج بوش كما أكده ايهود أولمرت سنة 2007 بمساندة واضحة من باراك اوباما في خطابه أمام الكونغرس عام 2008 وخطابه امام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2010 …

فما هي الأهداف والأخطار التي يكتنفها هذا التشريع ؟ ألم ترد عبارة الدولة اليهودية في قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1947؟ ولعله من المفيد قبل الإجابة على تلك التساؤلات أن نستعرض كيفية ظهور فكرة الدولة اليهودية ومن كان وراءها ، فمع بروز حركات القومية الاوروبية وما رافقها من حركة مناهضة لأتباع الديانة اليهودية في اوروبا عقب الثورة الصناعية أو ما اصطلح على تسميته باللاسامية ، على اعتبار أن اليهود عنصراً لايمكن ادماجه في المجتمعات الاوروبية وظهور  أصوات من اليهود تنادي بكونهم أمة وقومية بحد ذاتها ، مما يستدعي أن يكون لهم الحق في وجود كيان خاص بهم ، ومن بين من نادى بذلك ودعا إليه ثيودور هرتسل زعيم الحركة الصهيونية ، ولقد كان للمفكرين اللاساميين في اوروبا الفضل في بلورة هذه الفكرة وإنضاجها حيث  استبق أحدهم هرتسل نفسه، وقدّم اقتراحاً لحل المسألة اليهودية لا يختلف في شيء عن طرح مشاهير قادة الفكرة الصهيونية ، ففي العام 1878 عرض المجري جوزيه إيشتوسي، وهو من أكبر المعادين لليهود، مشروع قرار على برلمان بلاده يدعو فيه إلى تأييد ودعم إقامة دولة يهودية في فلسطين ، كما عرض مقترحه هذا على مؤتمر برلين المنعقد في تلك الفترة، بهدف دفعه إلى حيّز التنفيذ، وكسب إلى جانبه الكثيرين مؤكداً في اقتراحه على قدرة الأمة اليهودية على إقامة دولة نموذجية ، وذات الأمر فعله ثيودور هرتسل (1860 – 1904) الذي اعتبر اللاسامية أمراً لا يمكن تغييره أو الخلاص منه ففي عام 1896 نشر كتيّبه بعنوان: ‘دولة اليهود، محاولة لإيجاد حل عصري للمسألة اليهودية’، متوافقاً فيه مع الدعوة التي كان قد سبقه اليها قبل عقدين من الزمن جوزيه إيشتوسي وذلك بتجميع اليهود في فلسطين وجوارها (أرض إسرائيل) شأنه في ذلك شأن اللاساميين الذي يسعون إلى تجميع اليهود في أي بقعة من العالم عدا اوروبا ، ولقد أضفت الحركة الصهيونية على عملية جمع يهود العالم في المنطقة التي أسمتها بأرض اسرائيل طابعاً قومياً، واعتبرتها بمثابة تحرّر قومي ، وفي عام 1897 نجح هرتسل في عقد أول مؤتمر للحركة الصهيونية في مدينة بازل في سويسرا الذي دعا فيه لإقامة دولة يهودية على “أرض اسرائيل” وقد رأى هرتسل في نجاحه بعقد المؤتمر بداية لتحقيق مضمون الجملة الأخيرة التي اختتم بها كتابه قبل عام : ‘اليهود الذين يريدون ستكون لهم دولتهم” ، في نفس الوقت وقف فيه معظم غير اليهود واللاساميين مع هذه الفكرة وساعدهم في ذلك سقوط فلسطين تحت هيمنة الاستعمار البريطاني مما شكل رافعة قوية لتجسيد الفكرة على أرض الواقع ، ومن هنا برز دور الشخصية الثالثة، التي تبنت هذه الفكرة حين أصدر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا في الثاني من نوفمبر 1917، تصريحه المشهور ب ‘وعد بلفور’ برسالته إلى اللورد روتشيلد والتي جاء فيها أن حكومة بلاده تنظر بعين العطف لتأسيس ‘وطن قومي’ لليهود في فلسطين ، مما تسبب بازدياد عدد اليهود في فلسطين برعاية بريطانية خلال الفترة 1917 -1948 من خلال موجات الهجرة المتعاقبة حيث قفز عدد اليهود في فلسطين في الفترة المذكورة من (55 ) ألفاً إلى 550 ألفاً فيما تضاعف في الوقت نفسه عدد المستوطنات ورافق ذلك نمو وتطور القوة العسكرية اليهودية، وتبلورها في تنظيمات ارهابية (هاغاناه، إتسل، ليحي) فضلاً عن ‘الفيلق اليهودي’ العامل ضمن القوات البريطانية، وبلغ مجموع أفرادها مجتمعة نحو 60 ألفاً مدعيةً في أقوالها على أن دور الإدارة البريطانية استناداً لوعد بلفور وصك الانتداب يقتصر على تحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود ، إذ صرح زعيم الصهاينة حينذاك “حاييم وايزمان” بأن ‘فلسطين يهودية كما هي بريطانيا بريطانية’ مطالباً بإقامة دولة يهودية في فلسطين.

وبعد الحرب العالمية الثانية وإثارة وتضخيم موضوع المجازر النازية التي لحقت باليهود أثناء الحرب واستغلال الصهاينة لذلك ، برزت الظروف التي سهلت من مطلب إقامة الدولة اليهودية حيث تم جلب اعداد كبيرة من اليهود إلى فلسطين بطريقة ‘غير شرعية’ وبما يتعارض وسياسة الكتاب الأبيض الصادر عن بريطانيا عام 1939، الذي تضمن التزام بريطانيا بدعم قيام دولة فلسطينية بعد مضي عشر سنوات ، وبدلا من ذلك اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1947 قراراً تم بموجبه تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع بقاء القدس تحت الوصاية الدولية وبلغت مساحة الدولة اليهودية فيه أكثر من نصف مساحة فلسطين وهم عبارة عن أقلية تقارب ثلث السكان في حين حصل العرب الذين يشكلون أكثرية السكان على نسبة تقل عن النصف.

وكان من الطبيعي أن يرفض العرب الفلسطينيين قرار التقسيم، ليس لكونه قراراً ظالماً وغير منصف فحسب بل لكونهم يرفضون ويقاومون من حيث المبدأ تقسيم وطنهم ، فيما وافق الصهاينة على القرار مما تسبب في اندلاع الاشتباكات التي كانت نتيجتها لمصلحة الصهاينة المدعومين من بريطانيا والمسلحين بأفضل الأسلحة نتج عنها إعلان قيام “اسرائيل” في الخامس عشر من أيار العام 1948 ، ولقد صاحب ذلك تفريغ فلسطين من معظم سكانها العرب ، وعندما تم إعلان الهدنة كان الصهاينة يسيطرون على 78% من مساحة فلسطين، ولم يبق للشعب الفلسطيني من وطنه سوى 22% لتسقط هي الأخرى تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 والتي لا زالت رهن المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي التي دخل في قاموسها الجديد مصطلح يهودية الدولة.

وبعد مضي نحو عامين على قيامها، أقدمت إسرائيل، بصفتها دولة اليهود حيثما وجدوا على إصدار قانون العودة (5/7/1950) الذي ينص على أن من حق اليهودي ‘العودة’ إلى إسرائيل، واكتساب جنسيتها بمجرد وصوله إليها ، ومما لا شك فيه بأن هذا القانون، وكذلك قانون الجنسية للعام 1952 والتعديلات التي أحدثت عليه لاحقاً يرتبط المواطنة في الدولة بالانتماء اليهودي. وإذا لم يتحقق هذا الأمر كما هي الحال بالنسبة لأكثر من خمس سكانها العرب فإن النتيجة أن يخرجوا من إطارها رغم حملهم جنسيتها مما عرّضهم لمختلف أنواع التمييز فضلاً عن أعمال السطو على أراضيهم، التي أخذت شكل مصادرة ‘لأغراض أمنية’ لتقام عليها مستوطنات لصالح ‘اليهود العائدين’.

ومع ما لحق بالصهيونية من وصمة العنصرية فمن المستغرب والمستهجن في الوقت نفسه أن يطالب رئيس “الحكومة الإسرائيلية” بالاعتراف بيهودية الدولة ممن كانوا ضحايا لها ، ومبرره في ذلك التقدّم بعملية السلام، فيما يظهر بوضوح ما يرمي إليه نيتنياهو من خلال الاطلاع على تصريحاته وخطبه ومقابلاته وتركيزه على يهودية الدولة وإضفاء الطابع القومي عليها وفق الفهم الصهيوني لتصبح ‘دولة قومية للشعب اليهودي’ حيثما وجد ، سواء كان في داخل إسرائيل أو خارجها مع الاعتراف بما يترتب عن ذلك من حق وكما جاء على لسانه  ‘زخوت عام يسرائيل عال إيرتس يسرائيل’ أي، حق شعب إسرائيل على أرض إسرائيل ، إن مفهوم ‘أرض إسرائيل’، الذي تبنته الحركة الصهيونية، وهو مفهوم توراتي، كان ولا يزال مدار جدل بين مختلف التيارات الصهيونية من حيث حدود تلك الأرض، مما حال دون اتفاقها على تعيين حدود نهائية ثابتة للمشروع الذي تعمل على تحقيقه، وأبقى الحدود النهائية رهن صراع ثلاثة مفاهيم:

1.     الأول يكتفي بحدود الخريطة الفلسطينية، كما تبلورت عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى ويمثل هذا التوجه الصهاينة الأقل تطرفاً من نيتنياهو ومن هم على يمينه.

2.     الثاني يرى إن حدود ‘أرض إسرائيل’ هي حدود الإثني عشر سبطاً (أبناء يعقوب – إسرائيل الإثني عشر ابناً وفق الأسطورة التوراتية) أي أنه يضيف إلى فلسطين، مناطق من سوريا ولبنان وكامل شرق الأردن. ( للنهر ضفّتان، هذه لنا، وتلك لنا شعار رفعه رئيس التيار التصحيحي في الحركة الصهيونية، الأب الروحي لحزب الليكود الذي يقوده نتنياهو).

3.     الثالث ينطلق في منظوره، من الحدود التوراتية، وينقسم إلى فريقين، فريق يرى أن الحدود التوراتية تمتد من نهر مصر (وادي العريش في سيناء) وحتى الفرات. وآخر يرى أنها تمتد من نهر النيل وحتى الفرات.

وهنا، نجد أنفسنا ثانية أمام تفسير بنيامين نتنياهو ليهودية الدولة كما ورد على لسانه: ‘حق إسرائيل على أرض إسرائيل’ ،

وإذا ما استثنينا عامل الرغبة في المماطلة والتسويف في المفاوضات وصولاً إلى عرقلتها أو نسفها فإننا نجد أن نتنياهو يرمي من وراء ذلك تحقيق أهداف متعددة وهي الأخطار المتأتية عن الاعتراف بيهودية الدولة ، ومنها:

1.     نسف حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الذي كفلته الأمم المتحدة وفق القرار 194، والسعي لإفراغ هذا القرار من مضمونه وإلى غير رجعة .

2.     مس مكانة الفلسطينيين الذين بقوا على أراضيهم في فلسطين المحتلة منذ عام 1948 ، سواء عن طريق الطرد، أو باعتبارهم اقليات ليسوا بمستوى اليهود في الحقوق فالدولة اليهودية تخرجهم هي من إطارها بتعريفها لذاتها كـ ‘ دولة اليهود’.

3. الاعتراف بالفكرة و بالرواية الصهيونية لموضوع الصراع العربي الإسرائيلي .

4. القضاء على حل الدولتين عن طريق فرض مشروع ‘إسرائيل الكبرى’ ويهودية الدولة على أرض فلسطين التاريخية مما يعني بالضرورة تنصل الكيان الصهيوني من وثيقة الاعتراف المتبادل لعام 1993.

5. تبرير استباحة الأماكن المقدسة للأديان الأخرى باعتبار أن اليهودية هي الإطار التعريفي لهوية الدولة.

وهنا أتساءل وأقول هل يمكن الجانب الفلسطيني الموافقة على ما يطالب به نيتنياهو والاعتراف بيهودية الدولة ، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الدولة اليهودية المنشودة لن تقف عند حدود الأراضي المحتلة عام 1967 كما ورد سابقاً حول حدود الدولة اليهودية المقترحة والروايات التوراتية بهذا الخصوص ، إذ ان ذلك سيعيدنا بالضرورة إلى ما اتفق على اصطلاحه صهيونياً بإسرائيل الكبرى التي تشمل الأراضي الفلسطينية جميعها، والأردن بكامله، فضلاً عن مناطق تابعة لخمس دول عربية أخرى حتى لو افترضنا أن الطرف الفلسطيني يتمتع بالاستقلال الكامل ، وأراد تلبية هذا الشرط ، فإنه لن يستطيع ، وينطبق هذا الأمر على الدول العربية الأخرى ، فيما إذا طالبها نتنياهو بالاعتراف بيهودية الدولة وفق تفسيره وتطلعاته التوراتية .

وبعد كل ذلك أقول ، هل سيكون الرد العربي والفلسطيني بحجم الخطر القادم من نجاح الصهاينة في تحقيق هدفهم بالدولة اليهودية ……

عمان – الأردن

25/11/2014

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here