ميشيل شحادة: الدولة الديمقراطية العلمانية هي الحل

 

 

ميشيل شحادة

 في العام 1939 رفض الحاج آمين الحسيني الكتاب الأبيض لإنه سعى الى تقسيم فلسطين. وفي العام 1993 وقع عرفات اتفاق أوسلو الأسوأ بكثير مما رفضه الحاج الحسيني. وكانت قيادة الثورة الفلسطينية قد بدأت على اساس تحرير كامل التراب الفلسطيني، وتقنع الآن بسلطة أقل من بلدية. وبعد ان كان التحرير “ينبع من فوهة البندقية،” تحول في زمن اوسلوا الى قمع البندقية، وأصبح العمل الفدائي “إرهابا،” وامست الخيانة “تنسيقا امنيا.”  ويتواصل الخداع وإشاعة الوهم بأن “الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس” لايزال خيارا ممكنا تحقيقه بالمفاوضات وبالتوجه الى الشرعية الدولية.

 رحل عرفات ولم يحقق شيئا من شعاره الدولة المستقلة، لكنه خلف ورائه عبئا على كاهل الشعب الفلسطيني تنوء به الجبال، والأدهى هو من تسلم بعده.

وهم حل الدولتين

يسهم الإصرار والترويج لحل الدولتين في إطالة معاناة الشعب الفلسطيني.  حيث كسبت “إسرائيل” بسبب الدعوة الفلسطينية لحل الدولتين زمنا طويلا وثمينا، بإيهام الفلسطينيين والهاءهم بعملية سلام ومفاوضات عبثية لا تنتهي. فبينما كان الشعب الفلسطيني يعاني وينتظر مترقبا ان تتمخض هذه “المفاوضات” عن حل ما، يأتي ولو بالحد الأدنى من حقوقه الوطنية، كانت “إسرائيل” تراوغ وتعمل جاهدة بمنهجية مدروسة لمضاعفة عناصر قوتها وفرض حقائق مادية جديدة على الأرض. وهدفت اللاءات الخمسة التي تبنتها الأحزاب الصهيونية قاطبة بانه لا انسحاب من القدس، ولا انسحاب من وادي الأردن، لا إزالة للمستوطنات، ولا عودة للاجئين، ولا للدولة الفلسطينية المستقلة، الى دفع حل الدولتين الى افق مسدود.

فالاستراتيجية الصهيونية تقوم على ان كل فلسطين تشكل “الدولة اليهودية” لا يحق لاحد التنازل عنها ابدا. فعندما اتم الكيان الصهيوني احتلال كامل فلسطين، انحصرت معضلته في صمود الانسان الفلسطيني المستمر في التواجد والتوالد، مما ادى الى خلق حالة خوف وجودية عنصرية هستيرية عندهم اسموها ب “الخطر الديمغرافي.”  وهم يعملون ليلا ونهارا لإزاحة هذا “الخطر” بطرق ثلاث: أولا بمحاصرة التجمعات الفلسطينية جغرافيا، ثانيا بشطب حق العودة، وثالثا بالتهجير والتسفير (الترانسفير). فالسلطة الفلسطينية برؤيتهم هي ادارة ذاتية “للكانتونات” الفلسطينية، وليست سلطة سياسية وطنية حقيقية. هذا هو سقف واقصى ما يمكن ان تصل اليه السلطة الفلسطينية، ضمن إطار “دولة يهودية” هي “إسرائيل الكبرى” على مجمل ارض فلسطين التاريخية.

فلم يكن التظاهر الصهيوني بقبول حل القضية الفلسطينية في إطار دولتين، واحدة فلسطينية وأخرى “يهودية،” إلا شرك خبيث لإيقاع الفلسطيني في المصيدة، ولكسب الوقت لفرض وقائع مادية جديدة على الارض. فالكيان الصهيوني لم يقصد ابدا الحوار الجدي مع الفلسطيني للتوصل الى حل، وانما للسيطرة عليه، ولم يرغب يوما في التعايش مع الفلسطيني وانما السعي لاقتلاعه. لهذا سيبقى الصراع مستمرا حتى هزيمة المشروع الامبريالي الصهيوني برمته.

وجاءت “صفاقة القرن” لإنهاء القضية الفلسطينية لتدق المسمار الأخير في نعش حل الدولتين. ولأنه من المستحيل استمرار الوضع الفلسطيني كما هو عليه من التشرذم والتبعية، والفساد الاقتصادي والسياسي، أصبح لزاما حل السلطة الفلسطينية التي تحولت الى أداة قمع في خدمة المحتل. فليس باستطاعة الشرائح التي تتحكم بها، والتي ارتبطت مصالحها مع الاحتلال الا التكيف مع المشاريع الصهيونية. فهي سلطة مذعنة، وفاسدة، ومعادية للمقاومة، مما يستوجب المبادرة بحلها لأن انهيارها أصبح عامل وقت. والفرق بين انهيار السلطة او المبادرة في حلها استراتيجيا. فالمبادرة الواعية والمبرمجة تتيح السيطرة الوطنية عليها. اما الانهيار المفاجئ فيخلق حالة من البلبلة والتشرذم والاقتتال الداخلي، بين المجموعات الفلسطينية المسلحة المتنازعة. هذا يمكن “إسرائيل” من استغلال ذلك لارتكاب نكبة فلسطينية ثانية.

 دولة فلسطين الديمقراطية هي البديل

 لأن “إسرائيل” محصول للمصالح الرأسمالية الغربية في الوطن العربي فلها وظيفية إقليمية.  لهذا يأتي شعار الدولة الديمقراطية العلمانية في سياق مناسب فعال وناظم للصراع التاريخي ضد هذا الكيان الغاصب، ويفتح في نفس الوقت افاق للتوحد القومي والتطور الاجتماعي والتحديث وبناء الدولة الديمقراطية المدنية. فهو مشروع مرتبط بتفكيك مشروع سايكس بيكو من اساسه. كما ان تبني هذا الشعار ينطلق من فهم طبيعة المشروع الامبريالي، الذي يهدف الى السيطرة على المنطقة العربية واتباعها بنظامه الرأسمالي. ويهدف الى إبقاء الوطن العربي مُجَّزأ ومتخلِّفا ومُتصارِعا لنهب خيراته، ولمنعه من التقدم والسعي لكي يصبح قوة منتجة لها ثقلها وحضورها العالميين. فالغرب الامبريالي يرى في نهضة ووحدة العالم العربي تهديدا لزعامته وهيمنته العالمية. فقد زُرِع الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي لهذه الوظيفة، وليكون مركز ثقل للوجود الامبريالي الصهيوني في المنطقة، ومن هنا يبدأ الحل.

 يستند بناء الدولة الديمقراطية على حق الاقتراع الشعبي على مبدأ صوت واحد لشخص واحد، بغض النظر عن الدين والعرق واللون والجنس والفكر والمذهب والعقيدة. كما انه يعمل على تحقيق المساواة التامة بين المواطنين، ويضمن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين واحفادهم الى ديارهم الاصلية.  ولا يقصد به ان يكون دولة لكل مواطنيها ضمن “إسرائيل،” كما طرح مثقف السلاطين عزمي بشارة، ولا دولة ثنائية القومية متجاهلا طبيعة الرؤية الصهيونية وعلاقة فلسطين بالعرب. فوضع فلسطين القائم الآن يعتبر ثنائية القومية إذا أمكن جدلا افتراض ان اليهودية تشكل قومية. ولكن الرؤية الصهيونية ترفض إعطاء حق المواطنة الاسرائيلية للفلسطينيين في الضفة والقطاع، بل يعملون على تكريس يهودية الدولة وإلغاء الوجود الفلسطيني برمته.

  اما الدولة الفلسطينية الديمقراطية فستبنى على أساس المواطنة التامة ضمن سياق عربي. فلا يمكن لاي حل ان ينجح بمعزل عن بيئته العربية مهما قيل، كما اثبتت التجربة التاريخية. ولا يمكن للحل ان يكون دولة تتعايش بها طوائف اليهود والمسيحيين والمسلمين، فتصبح “ديمقراطية طائفية” مثل لبنان اليوم. ولا دولة تبنى على أساس ديني، لان فصل الدين عن السلطة قضية اساسية لبناء دولة مدنية حديثة. فليس منطقيا ان يتم النضال الشاق لهزيمة دولة أسست على الدين لبناء دولة اخرى على أساس ديني اخر.

 فشعار الدولة الديمقراطية هذا يقدم حلا لمعظم زوايا القضية الفلسطينية، فهو يأتي بالسلام والاستقلال والمساواة والعدالة والحرية، الاجتماعية والفردية، وضمان حق عودة للاجئين الفلسطينيين الى ديارهم. ويحل ايضا المسألة اليهودية، بإعطاء اتباع الديانة اليهودية كامل الحقوق والواجبات كبقية المواطنين، ويحقق الانسجام والترابط العضوي مع المحيط العربي.

 هذا الشعار لا يطرح للتحقق ضمن إطار موازين القوى القائمة الآن، بل في إطار النضال من اجل تغييرها وتأمين التحولات الضرورية في الواقع العربي. فيكون التوجه نحو الشرعية الدولية ضمن هذه الموازين مضيعة للوقت واطالة لمعاناة الشعب الفلسطيني. فالعمل النضالي الاستراتيجي يقوم على الايمان بالجماهير والاعتماد على قوتها الكامنة، وعلى إعادة بناء الحركة السياسية وقوى المواجهة والتحرر. فقد وصل الاحتقان الشعبي العربي الذي ولدته الوحشية الامريكية الصهيونية في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا واليمن حد الغليان. فعلينا استثمار هذا الغليان الشعبي في تأسيس فعل مقاوم يتحول مع المراكمة الى عمل منظم.

وربط النضال الفلسطيني في سياق عربي يجعله منسجما مع نفسه ومع بيئته العربية بشكل استراتيجي. ففلسطين جغرافيا في قلب العالم العربي، وعاطفيا تسكن في قلب كل عربي، وهي أكثر من يرتبط بالجماهير العربية سياسيا نتيجة للمشروع الامبريالي الصهيوني. فنجد ان فلسطين هي الأكثر تأثيرا في العرب وانعكاسا عليهم، وهذا يظهر من قوة وحميمية تضامن وارتباط الجماهير العربية بفلسطين.

يثبت الرد الفلسطيني الرسمي على “صفاقة القرن” وجهة الأمور. فليس في قدرة وخيار السلطة قلب المفاوضات او وقف التنسيق الامني “المقدس،” لان ذلك مبرر وجودها وخيار زعمائها الأول والأخير. وسوف تواصل هذه القيادة سياسة المناورة من اجل الحفاظ على السلطة واطالة امدها، ليتمكنوا من حصد المزيد من المزايا والنعم لهم ولعائلاتهم من خلالها. ولن يقوم هؤلاء بتشجيع او رعاية انتفاضة فلسطينية أخرى فهذه تهدد مصالحهم، وليس عندهم رغبة في توحيد الشعب الفلسطيني لعدم قدرتهم على التعايش مع أي معارضة جدية، فلم يبقى امام الشعب الفلسطيني سوى تفكيك السلطة واختيار شعار الدولة الديمقراطية بديلا كجنوب افريقيا.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. الكاتب ميشيل أعطى اجابة كاملة وواضحة ما بين الخيارات الاستراتيجية التي طرحت في نضال الشعب الفلسطيني تاريخيًا من التحرير الكامل وبناء الدولة الديمقراطية العلمانية، او حل القضية الفلسطينية الى دولتين مستقلتين يعطي الكيان الصهيوني اليد العليا في الارض والسيطرة، او الدولة الواحدة ثنائية القومية ، ولماذا يصبح شعار الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية الاكثر مقبولًا والوحيدة القادرة الإنجاز من اجل سلام عادل وشامل في مشرقنا العربي يحمي حقوق كل الديانات والأطياف وحقوق الشعوب العربية بعيدة عن التدخلات والتبعية الاستعمارية والعنصرية ، ايضا هذا المشروع لا يتم ولا يقوم الا على هزيمة المشروع الصهيونية العالمية فكرا وممارسة وخروجه الى غير رجعة من منطقتنا العربية ، موضوع واضح وصريح وكتابة استراتيجية متكاملة لبعد النضال الفلسطيني

  2. لم استطع ان استوعب كيف ان حل الدولة الواحدة هذا سيؤدي الى عوده اللاجئين. كذلك فأنه ليس من مهمتنا كفلسطينيين حل (المساله اليهودية . هم خلقوا المشكلة وليس من واجبنا اجراء انتخابات لحل مشكلتهم.
    اؤيد تحليل مشيل بكون العمق الجماهيري العربي ركن أساس في مسيره النضال العربي لتحرير فلسطين واوافقه الرأي بان الكفاح المسلح هو الأمثل وبأن على السلطة ان تحل نفسها وان حل الدولتين يعني القضاء على القضيه الفلسطينيه وان الحل هو دوله فلسطينيه ليس فيها وجود للصهاينه، لانه كما ذكرت ، حل المسأله اليهودية ليس من مسؤليتنا

  3. أستاذ ميشيل سلام الله ..
    منذ تفكيك دولة الفكهاني وتوقيع إتفاق المبادىء الذي يقضي بموجبه خروج وجلاء القوات الفلسطينية عن بيروت وباقي الأراضي اللبنانية .حتى وقبل ميلاد حركتي حماس والجهاد الأسلامي ؟ وسيطرت قيادات حركة فتح أو دعنا نقول حركة فتح على مقدرات الشعب العربي الفلسطيني وعلى مسوغات الخطاب الرسمي الفلسطيني وما تلى ذالك من مخرجات وحتى قمة فاس الثانية في 6/8/1982 وقيام ياسرعرفات على اثرها بتوقيع إتفاق مبادىء مع النظام الأردني حينها فيما عرف لاحقاً بإتفاق عمان .؟ كل ذالك وقيادة منظمة التحرير المتمثلة في قيادة حركة فتح وسيطرتها وسطوتها على القرار السياسي الفلسطيني .في الوقت الذي بدأت فيه قيادات الصف الأول في حركة فتح ودعنا نقول صقور حركة فتح تتهاوى تباعاً ومنذ إغتيال الجنرال الشهيد سعد صايل في أعقاب معركة بيروت والشهيد خليل الوزير وحتى حادثة تصفية أبو إياد صلاح خلف ورفاقة هايل عبدالحميد وفخري العمري وصولاً لأنفجار الشعب الفلسطيني وإنتفاضة أطفال الحجارة ووأدها بقرار سياسي مجحف.؟من هنا بدأ التشظي الكبير؟ وهنا عرفات أيقن بدهائه وصدق بعض مستشارية بالعبة الأمم وبعض مقربيه ..؟ لتتولي قيادة هلامية عبثية لم تكن يوماً صاحبة قرار في وجود صقور فتح التي تميل للكفاح المسلح والحرب الشعبية طويلة الأمد لخلق حالة من الأستنزاف لدى الكيان الصهيوني ومن خلفها الرجعية العربية ..؟عندما إستلمت هذة القيادة زمام الأمور ؟ ومن هنا بدأ إستيلاد الوهم …؟ وبدأت الأجندات الشخصية تطفوا على السطح المال السلطة المكاسب في ميزان الربح والخسارة من بين هؤلاء من هو مستعد ان يضحي ويحمل بندقيته ويصعد إلى الجبال لا أحد؟
    إذن ما تفضلتم به (وسوف تواصل هذه القيادة سياسة المناورة من أجل الحفاظ على السلطة وإطالة أمدها، ليتمكنوا من حصد المزيد من المزايا والنعم لهم ولعائلاتهم من خلالها.
    ولن يقوم هؤلاء بتشجيع أو رعاية إنتفاضة فلسطينية أخرى فهذه تهدد مصالحهم، وليس عندهم رغبة في توحيد الشعب الفلسطيني لعدم قدرتهم على التعايش مع أي معارضة جدية)
    إذن سيّدي من هنا مربط الفرس مشكلتنا ليست في ترامب أو الكيان الصهيوني أو مع الرجعية العربية …؟ مشكلتنا مع هذه الزمرة التي صنّفت نفسها وفرضت نفسها على مقدرات هذا الشعب وسيطرة وسطت على المشهد الفلسطيني ..؟ هذا الأختراق للحالة الفلسطينية وهذا التشظي وإيصال الشعب الفلسطيني إلى هذه المرحلة من نكران الذات لدفعه صاغر وخاضع وخانع لرغباتها وإملاءات محاضر التنسيق الأمني في مستعمرة جيلو وأرئيل وروابي أو لربما في أحد منتجعات شاطىء يافا .. ؟ هنا صار لزاماً كنس هذه القيادة وكنس أوسلوا معها وإسقاطة عندها العالم سوف يركع لجزم الثوار والمنتفضين ودّع كيان العدو يتحمل كلفة إحتلالة وكلفة حماية مستوطنيه .؟غير هذا ستبقى الضفة الغربية ليس بأكثر من جمهورية موز تحكمها عصابات وأجندت شخصية وبزنس أسود بإسم فلسطين وتحت علم فلسطين ..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here