الدور العُماني في الاتفاق النووي الإيراني

mouhand-alshehri55

محمد الشحري

تناقلت وسائل الإعلام العربية والدولية الاتفاق المبرم بين ايران والمجموعة الدولية (5 +1)، وما تمخض عنه من نتائج وتحركات دبلوماسية على المستوى الدولي والاقليمي، كان أبرزها زيارة وزير الخارجية الاماراتي الشيخ عبدالله بن زايد إلى إيران، ودعوة البحرين للجمهورية الاسلامية للمشاركة في حوار المنامة المرتقب بين الحكومة البحرينية والمعارضة، وتصريح وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف في الكويت بأن مسألة الجزر المتنازع عليها في الخليج بين الامارات وايران يمكن أن تناقش، ومن يراقب الوضع الايراني بعد الانتخابات التي دفعت بالإصلاحيين إلى الادارة السياسية التي يهندس خططها المرشد الأعلى للثورة الاسلامية في إيران، يرى حصاد ثمرات المرونة السياسية التي اتسم بها السياسيين  الايرانيين الاصلاحيين، وانفتاح الغرب الذي انتظر طويلا هذه الادارة لتخرجه من حرب وشكية تأججها إسرائيل والسعودية، لضرب المفاعل النووية الايرانية، التي حافظت طهران عليها من توجيه ضربات جوية خاطفة لها.

لقد كثر الحديث عن الدور العُماني في التوصل إلى الاتفاق المبرم، الذي جنّب المنطق حربا كانت على وشك الانفجار، حسب تصريحات العديد من المراقبين، وبين شاكر للدور العُماني مثلما أعلن وزير الخارجية الامريكي جون كيري، وبين الرافض له مثل الموقف السعودي والاسرائيلي اللذان وجدا أنفسهما عاجزين عن جر الغرب والولايات المتحدة إلى الحرب على إيران، نجد إن العلاقات العمانية الايرانية ليست وليدة اللحظة، بل  استمرت منذ أيام الشاه ولم تتأثر بمجيء الثورة الاسلامية إلى الحكم سنة 1979، ونستطيع أن نقول أن هذه العلاقات قد تعرضت للاختبار الأول حين دعمت دول الخليج العراق في حربها ضد ايران، بينما احتفظت مسقط بعلاقاتها مع طهران، التي تأسست في عهد الشاه وأثمرت عن كسب المعركة لصالح جيش السلطان ضد ثوار الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج في حرب ظفار(1965- 1975)، وكان السلطان قابوس قد زار إيران في أكتوبر 1971 للمشاركة في مناسبة مرور 2500 سنة على عرش الطاؤوس في بلاد فارس، وهناك طلب من الشاه محمد رضا بهلوي مساندته، وأبدأ الأخير استعداده للتدخل، وتحقيق عدة غايات منها مساعدة الغرب في حربه الباردة ضد المعسكر الشرقي، وتأمين مضيق هرمز الممر الاستراتيجي لصادرات النفط في العالم من استيلاء الحركة الثورية الراديكالية التي رفعت شعار تحرير الخليج العربي، والتي يدعهما اليمن الجنوبي والاتحاد السوفيتي والصين، إذ كانت الجبهة قد حققت انتصارات ومكاسب عسكرية في أرض المعركة، أما غاية الشاه الثالثة فهي ملء الفراغ في المنطقة بعد الانسحاب البريطاني من الخليج، ولتوقيع على الاتفاقية فقد بعث السلطان قابوس ممثله ثويني بن شهاب على رأس وفد رسمي لزيارة ايران في يوليو 1972، للتوقيع على اتفاقية التدخل العسكري الايراني عند الطلب، وفي نوفمبر 1973، وصلت أول طلائع القوات الإيرانية إلى ظفار والتي بلغ تعدادها 3000مقاتل، الذين وإن كسبوا المعركة لصالح القوات الحكومية، إلا أنه قتل منهم الالف خاصة في المنطقة الغربية من ظفار والمتاخمة للحدود اليمنية، التي كانت  تشكل القواعد الخلفية للثوار.

لم تتأثر العلاقات العمانية الايرانية بعد وصول الثورة الاسلامية إلى الحكم في إيران، على عكس العديد من العلاقات الايرانية مع الدول العربية والخليجية منها على وجه التحديد، حيث استمرت حتى في أوج الحرب الايرانية العراقية، والتي كانت الأنظمة الخليجية طرفا فيها عبر التسليح المباشر للجيش العراقي، وكانت السلطنة قد أعلنت في أكثر من مناسبة حرصها على خلق علاقات حسن جوار مع الدول الشقيقة والصديقة في المنطقة، وعدم التدخل في شؤون الآخرين وكذلك عدم قبول تدخل الآخرين في شؤون السلطنة.

وفي الآونة الأخيرة وحين ضيق الخناق على طهران بسبب برنامجها النووي ودعمها لمحور المقاومة في لبنان وفلسطين، كانت مسقط تقوم بدور الوسيط بين إيران والغرب، وقد تكللت هذه العلاقات بالإفراج عن الدبلوماسي الايراني نصرت الله طاجيك في ديسمبر 2012، المحتفظ عليه في لندن منذ 2006، كما ساهمت مسقط في الإفراج عن الصحفية الأمريكية سارة شورد في سبتمبر 2010، والتي اعتقلت مع زميلين لها أفرج عنهما بوساطة عمانية أيضا في سبتمبر 2011، هما شين بوير وجوش فاتال، كانوا في رحلة في إقليم كردستان العراق واجتازوا الحدود الايرانية في العام 2009، حسبما تقول المصادر الصحفية، أضف إلى ذلك فقد رعت سلطنة عُمان المصالح الإيرانية في كل من بريطانيا وكندا، وحين أعلنت السلطنة في يناير 2011 عن ضبط شبكة تجسس تخدم لصالح الامارات العربية، وتتجسس على الحكومة العمانية وجيشها، وهو الأمر الذي نفته الامارات جملة وتفصيلا، قيل حينها أن الإمارات كانت تريد معرفة المزيد عن العلاقات الايرانية العمانية، حيث تحتفظ مسقط وطهران بعلاقات طويلة وتعاون في المجالات العسكرية والأمنية، وقد أشارت العديد من مواقع التواصل الاجتماعي على وقوف إيران وراء الكشف عن وجود هذه الخلية.

بقي نقول إن العلاقات الايرانية الخليجية تخدم الاستقرار والأمان لشعوب المنطقة، وبمعنى آخر فإن إيران ليست عدو بل جار اسلامي ولديها طموح للعب دور اقليمي، ومن حق أي دولة أن تبحث لنفسها عن دور اقليمي أو دولي، ولذلك فمن الخطأ اختلاق حروب وافتعال أزمات بين الشعوب الواقعة على ضفتي الخليج، الشعوب التي عاشت ردحا من الزمن في السلام وفي تبادل المصالح والتجارة بين موانئ الخليج، خاصة أن التجييش الطائفي المفتعل من قبل بعض الأطراف التي تعيش على الخلافات وتقتات من الكراهية، قد بلغ أوجه وليس في صالحنا ولا صالح الأجيال القادمة وراثة الأحقاد والضغائن، ولذلك نعتقد أن النموذج العُماني يحتذى به في التعامل مع بلاد فارس التي أوجدها الجغرافيا والتاريخ بجوارنا.

كاتب عُماني

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. سبب قرب عمان من ايران هو المذهب حيث المذهب الاباضي الخارجي في عمان والمذهب الشيعي في ايران

  2. احسنت استاذ محمد الشحري على تحليلك المنطقي هكذا هي عمان تحب السلام بل هي رعاية للسلام

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here