الدور السوري بين مفهوميّ المنطقة الآمنة في الشمال السوري

د. علي الباشا

يتركز المفهوم التقليدي لإدارة الصراع ، لطالما لم تدخل الولايات المتحدة في حرب مباشرة داخل الأراضي السورية ، على إطالة أمد الأزمة دون أن يكون لها استراتيجية واضحة ، واعتقد هي من الآن فصاعداً ستدخل في المتغيرات الأكثر تعقيداً محاولة نقل الشمال السوري إلى مرحلة جديدة من الصراع.

هذا التحوّل في منهجية  التعاطي مع الأزمة السورية يهدف بطريقة كلاسيكية إلى بلورة واقع جذري ، حسب زعم الإدارة الأمريكية ، يصل إلى حد تكريس مبادئ مستقرة في المستقبل ، وهو مشروع انتقال ، نعتبره ثانويّ مهما عظم ،  مع أنّ من يقود هذا التحول هم لاعبين منحازين كما هو الحال في الجزيرة السورية التي هي الآن في قبضة مجموعة من الأتباع الصغار ، أو في الشكل اللاحق لإقامة منطقة آمنة على حد سواء. وتكمن المعادلة بين الشكلين الأمريكي و التركي، من حيث العمق و الإدراك ، في الاستراتيجية التي يتَّبعها هؤلاء الخصوم في إحداث تغييرات و تحولات في منطقة الجزيرة السورية بغية سد الطريق على الحلول و جعلها معقدة وطويلة.

دون شك ، التباين في احتواء المنطقة و جعلها متوترة على المدى الطويل والتصرف وفق قاعدة الأمر الواقع ، واستخدام وسيلة الخديعة والحيلة يعقد المشهد أكثر . ولا بد من القول أن المنظرّين الأمريكين الذين استخدموا الميليشيات الكردية في الوجه القبيح ، استطاعوا كسب بعض الوقت بين الحرب و السياسة ، وهو مخطط جزئي ليس ببعيد المدى ، حاول ترامب التخلي عنه بإعلانه سحب جنوده من الأراضي السورية في مطلع العام الحالي.

على الجانب الآخر ، ضمن معنى الاستمرار في إدارة الشمال السوري المحتل ، نجد أنّ نقل المصطلح ، فيما يعني تبادل الأدوار ، هو فقط للوصول إلى أفضل المقاربات من أجل تكريس الأمر الواقع لهذا الجزء العزيز من سوريّة ، وهو لن يكون ويبدو أنه لم يتم الأخذ بالحسبان التجربة التاريخية وشمولية الحرب الحقيقية ، فالتفكير الاستراتيجي شيء و التحليل الاستراتيجي لخصوصية الشمال السوري شيء آخر.

كما وإن طرح العمل ضمن الوسائل العسكرية من أجل تحقيق الأهداف كما في الحشود العسكرية التركية على الحدود السورية ، والقيام بذلك دون الرجوع للمحتل الأمريكي ، إن اقتضى الأمر، هي أداة حقيقية لمتابعة تحقيق هدف سياسي بصيغة أخرى ، ذلك لأن الجانب التركي الذي حصل على معادلة الـ إس 400 من روسيا ، وعلى الضمانات الأوروبية في إطار إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم بعد إقامة منطقة آمنة أو إرسالهم إلى أوروبا ، وجد أن هاجس الأمن القومي يدعوه إلى التفكير بوضوح في الشمال السوري ، لا إلى المساهمة في تسهيل عودته ، بوجه الدقة، إلى السيادة السورية.

***

في الشمال و الجزيرة السورية ، عمدت الميليشيات الكردية إلى التصرف في هذه المنطقة دون الرجوع إلى الحكومة السورية و لعبت دور الوكيل الحصري لترجمة الفكر الأمبريالي الأمريكي على الأرض ، وتوسعت ، ظناً منها  أن ذلك سيجنبها تطبيق المرحلة القادمة مع تركيا، فبادرت إلى التعامل العلني مع الكيان الصهوني من خلال بيع النفط السوري المسروق عن طريق سماسرة الكيان ، و قبل ذلك استقبلت وزير النظام السعودي في الرَّقة السورية.

لكن كل ذلك ، لن يطعن في صحة القرار الأمريكي في بيع هذه الميليشيا مادياً مقابل الكلفة (بالمليارات) التي دفعها أمير قطر إبّان زيارته الأخيرة إلى أمريكا من أجل إقامة منطقة آمنة تقودها تركيا، ثم يظهرترامب بعدها مدافعاً عن حق تركيا في امتلاك صواريخ اس 400 الروسية.

كل هذا التكتيك بمعناه المصطلحي يعني حل مشكلة الإحراج الأمريكي الذي ظهر في تقديم نظريات مختلفة عن شكل المنطقة الآمنة وهو ما يشير، ضمناً ، إلى أنّ الإدارات الأمريكية متفقة في موضوع تحركها و عملها والعلاقة فيما بينها ، لا كما فهمه البعض بغباء منقطع النظير.

***

كما علينا أن نفهم جيداً ، أنّ تدخل الجيش السوري في الوقت المناسب وفي الشروط الملائمة ، يمكن أن يحطم الحسابات الأمريكية و التركية معاً بالإضافة إلى حسابات الميليشا الكردية المحدودة في الفهم و المدى . هذا التدخل قد يكون من بوابة دير الزور إلى الحدود العراقية بعملية ” المخلب” الجنوبي الذي هيأت له أشكال من التحركات العسكرية و الدبلوماسية ، منها زيارة قائد فيلق القدس إلى البوكمال لتعميق التدابير الفعالة ، وزيارة وفد أمني إماراتي إلى إيران ، مع تزايد الاهتمام الإماراتي الساعي إلى تقليص التوسع الإخواني ، ومما لا شك فيه سترفد أيّة عملية عسكرية في الجنوب الشرقي بالتزامن مع العملية العسكرية التركية الممولة من قطر في الشمال، والسعودية رغم ابتعادها عن المشهد تشكل جزء من الخطوة الإماراتية ، وقبل كل شيء كانت زيارة الرئيس بشار الأسد في هذا العام إلى إيران هي زيارة مفصلية. وإن صحّ القول ، فإن زيارة محمد بن زايد إلى الصين ووقوفه مع هدف الصين في القضاء على الحركات الراديكالية الإسلامية ” الإيغور الصينيين” الذي يحاربون مع القاعدة و جبهة النصرة الإرهابيتين في سوريا هو دليل آخر على مسار ما يجري في إدلب ، بالإضافة إلى ما توصل إليه الضامنيين ، مؤخراً، في استانة ” نورسلطان”.

في نهاية المطاف ، لم يخرج تصريح جيمس فورد السفير الأمريكي السابق في سورية عن الاستراتيجية الأمريكية ، ولو أنه لا يمثل سياسة بلاده الحالية حسب قوله ، إنما تم استخدامه كأداة من أجل نقل فكرة التحوّل التدريجي لمنطقة الشمال السوري إلى مقاطعة متنازع عليها ، بشكل أو بآخر لا يمكن اعتبار ذلك ولو أرادت الدول الغازية هذا الاختيار.

في الواقع ، لكي لا تكون المواجهة مفتوحة ينبغي البحث عن الأداة و الفائدة التي يغلب عليها الجانب العملياتي والتي يمكنها أن تنتج مفهوم يُدخل التكتيكات الجديدة التي ترسمها أمريكا للجزيرة السورية تحت التأثير المباشر لطاقة السياسة السورية كما حدث في الغوطة ودرعا ومناطق أخرى، وهو ما نأمله بشكل أوسع أو أضيق ، ضمن منطق إدراة الصراع  على الطريقة السوريّة في منهج ترجمة الظروف الحالية إلى انتصار تاريخي.

* كاتب وأكاديمي سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here