الدكتور نصيف الجبوري: الانتفاضة العراقية فضحت ألاعيب الحكومة وضحالة فكر الاحزاب

 

 

الدكتور نصيف الجبوري

 

مع مرور الأيام والأسابيع على الانتفاضة المباركة  ظهر للقاصي والداني مدى تمسك سلطات بغداد بالحكم لخدمة الاخرين خصوصا ايران بعد أن انقلبت على أسيادها الأمريكان. كلما يمر الوقت يكتشف العراقيون مدى حقد وكراهية واستكبار السلطة الحاكمة على شعب كان من المفترض أن تخدمه وتبني له وطنا جديدا متقدما. ان تسويف سلطات بغداد في تلبية مطالب المنتفضين العراقيين حتى هذه اللحظة سوف تجبرهم لرفع سقف مطالبهم المشروعة. كما ان جرائم الحكومة المتكررة والمتعمدة ضد شعبها ستؤدي حتما الى المطالبة بالغاء العملية السياسية ودستورها بالكامل. أن عموم العراقيين يعلمون بان هناك استحقاقات كبيرة وكثيرة ينبغي الاسراع في وتيرة تنفيذها. لعل اهمها اعادة تنظيم أولويات احتياجات المواطنين والبدء في فرض خيارات رسم هوية الوطن. ذلك باعتماد سياسة وطنية منفتحة متسامحة تعتمد على الإخلاص للعراق والكفاءة في اختيار كوادره السياسية والاقتصادية والتجارية بغض النظر عن المذهب والقومية والدين. كذلك الشروع في العمل لبناء وطن تهدمت أركانه واسسه منذ عام 1980.

لقد سلم ووكل الشعب العراقي أموره السياسية المصيرية منذ ثورة العشرين 1920 إلى نخب لم تكن اهلا للثقة وكانت أولوياتها تصب في خدمة المستعمر الذي سلمها زمام السلطة. كانت اغلب تلك النخب المختارة تعمل لخدمة احزابها وشخوصها منذ بداية تأسيس العراق الحديث. ثم جاءت الانقلابات العسكرية ومن ورائها الأحزاب العلمانية تحت مسميات نيل الاستقلال ومحاربة الاستعمار.

كانت النتيجة أن سفكت دماء الأبرياء ولم يجني العراق الا مزيدا من التخلف والتدهور. حتى وصل الأمر قبل الاحتلال إلى عزل العراق عن العالم بسبب مغامرات قادته قبل عام 2003. ثم جاءت الاحزاب الطائفية التي تدعي الاسلام بعد أن مكنها الاحتلال الامريكي من السيطرة على السلطة السياسية.

الحصاد المر طيلة تلك الفترات المفصلية هي أن تلك النخب كان تسير في واد وعموم الشعب العراقي يسير في واد اخر. فقد ترسخ الاعتقاد لدى نخب الأحزاب العلمانية والإسلامية بأنها الطبقات المثقفة العارفة بشؤون بلدها وستكون بالتالي بديلا عن فكر وعادات الجماهير العريضة سيما الفقراء والضعفاء والمستقلين. كانت تلك الأحزاب تعتقد بأنها ستختار طريقا مناسبا لرفعة شعبها وسعادتهم فتحالفوا مع الأجانب عن حسن ظن أو عن تخطيط مسبق.

لقد غيرت الانتفاضة كل هذه المعادلات وشاهد العالم كيف تمكنت منذ الايام الاولى من قبر الطائفية المقيتة التي بناها أنصار ووكلاء المحتل منذ عام 2003. لقد أعطت درساً مهما وقويا الى جميع النخب الحزبية السياسية بجميع معتقداتها واتجاهاتها السياسية اليسارية واليمينية والليبرالية والقومية والإسلامية بأن إرادة الشعب من إرادة الله.. لقد عرت الانتفاضة تلك التنظيمات التي فشلت فشلا ذريعا في تحرير العراق من النفوذ الأجنبي ووضعه على سكة التنمية والتقدم. واخيرا عجزها من إيقاف انزلاق العراق نحو الحرب الطائفية والاهلية ومن ثم الصراعات المناطقية والعشائرية. أن من المؤكد بان العراق كان متجها نحو تلك الكوارث قبيل الانتفاضة. اما البوم فقد تبين لتلك النخب رغم تجاربها السياسية والاقتصادية وثقافتها الواسعة بأن الشعب البسيط ورجل الشارع الذي يعاني شظف العيش أكثر وعيا ومسؤولية منها. اليوم يعترف جميع المخلصين الوطنيين العراقيين الاحرار المسيسين من جميع الأحزاب والتنظيمات السياسية بوجود فجوة واسعة مع العراقيين غير المتحزبين. لا بد اذن من اعادة الحسابات وترتيب الأولويات وصياغة البرامج العملية لمواكبة تطلعات وآمال وأولويات الشعب العراقي.

لقد كانت الأنظمة العربية سابقا تتاجر بالقضية الفلسطينية لتخدير شعوبها. أما اليوم فتفعل بعض التنظيمات الإسلامية في العراق نفس الشئ بحجة حماية بيضة الاسلام أو الحفاظ على المذهب أو   ديمومة جبهة المقاومة مع إيران وحزب الله اللبناني لمقاومة أمريكا وتحرير فلسطين. في حين لم يرى العراقيين من هذه الجبهة المفترضة في مخيلة الأحزاب الطائفية سوى ممارسة القتل والتهجير والاختطاف مما مزق النسيج الاجتماعي العراقي. منذ وصول الطبقة السياسية العراقية المتطفلة بفضل جيش الاحتلال كان همهم حماية المحتل الأمريكي لتثبيت اركان حكمهم. فقاتلوا المقاومة الوطنية العراقية ووصفوها بالإرهاب. ثم انقلبوا على ساداتهم في واشنطن ليكونوا في خدمة طهران.  

لقد نسي أو تناسى أصحاب الإسلام السياسي أن من أهم مبادئ الإسلام أنه يأمر الناس بإلامر المعروف واشاعة الخير  وعون ومساعدة الاقربين فكما يقول القران الكريم الاقربون اولى بالمعروف. اي الاهتمام اولا وقبل كل شئ بالأقرب فالاقرب كالأهل والجيران وأهل المحلة والقرية والمدينة والمحافظة والوطن مهما كان دينهم ومذهبهم وقوميتهم. مما يؤدي الى تفعيل المواطنة والعدالة التي هي المقياس الاول لنهضة اي شعب في الماضي وفي عصرنا الحديث.

.لقد بأن معدن حكام العراق المتشدقين بالوطنية والديمقراطية. كما ان الحلف غير المقدس الذي يجمع المؤسسة الدينية والأحزاب الإسلاموية والمليشيات التكفيرية وسيدتهم إيران من جهة وعلاقاتهم الوثيقة مع المحتل الامريكي والمجتمع الدولي من جهة اخرى. بدأت تتفكك شيئا فشيئا بفضل صمود المنتفضين في بغداد والنجف والبصرة وذي قار والانبار وديالى وصلاح الدين وغيرها من المدن والمحافظات العراقية الاخرى.

كاتب عراقي

 

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here