الدكتور نسيم الخوري: “هؤلاء المرضى الذين يحكمون”… العالم

الدكتور نسيم الخوري

العنوان ترجمة للكتاب المعروف:” Ces Malades qui nous gouvernent” للمؤلّفين Pierre rentchnick  و Pierre Accoce، الذين يربطان أمراض السلطة بالحكّام الذين تداهممهم أمراض السلطة قبل الحكم وخلاله وبعده. إنّه من أوسع قواميس أقسى الأمراض النفسية والجسدية التي لا تورث سوى المصائب الكبرى على الشعوب ويبدو التاريخ حفرة يدفن فيها الأحياء المتفرّجون. لربّما يأتي إختياري لهذا المؤلّف في الزمن المناسب حيث تهالكت مفاهيم الرئاسة وإنحدرت السلطات في العالم في الدول الكبرى والدول البسيطة الصغرى إلى درجة الصراخ: لقد بلغنا القعر والعيب كلّ العيب أن تقبل منصباً أو سلطةً في العالم، فكيف بالنظرة إلى الدول المتخلّفة والشعوب التي تجتاحها الأمية وتعظيم السلاطين الذي لا يتجاوز واحدهم حفنة تراب تسمّم الأرض التي تدفن فيها.

يكفي إنتظار الزمان الذي يمكّن التكنولوجيا من إسترجاع تمتمات البؤساء ودعاوى الفقراء والمهمّشين من الشعوب أمام صور الحكّام وتماثيلهم في الساحات العامّة وجنب قصورهم وعقاراتهم لنفهم بأنّ السلطة موطن الإلحاد والإستبداد في معظم الأنظمة المجرّبة في الدنيا والتي لم تورث سوى غبار العدالة والحيوانات المقشّرة القابضة على أنسال البشر.

نعم تنحدرالعلاقات الدوليّة حالياً في منزلقات وعرة ومتعكّرة ووسخة  وغير طبيعية حافلة بببعث المخاطر القديمة التي ظلمت البشرية بشكلٍ عام. هناك تجاوز فاقع  لإستراتيجيات الفساد والإفساد والترويج للإنحطاط الحيواني في المخاطبة تشوه أشكال الحكم وكذبة الديمقراطيّات، وهناك خروج مهين من الحروب الباردة، وهناك تقاطعات شرسة ومعقّدة في علاقات زعماء الدول الكبرى ومؤآمراتهم فوق الأرض وتحتها والمختصرة بنقطة تقاسم ثرواتها الممسوحة وتفريق قاطنيها في قاع القهر.  أصبح “المرض” هو الوجه الآخر والتاج المرصّع للحكام وكبس الشعوب في مربعات لإعادة قولبتها كما العربات العتيقة القابلة للتدوير. أمّا البشر فلا تدوّر. إنظروا من حولكم.

تحت هذه العلاقات تندرج  نجومية شخصيّات وزعامات دولية تتقزّم أمامي قياساً على تاريخ سياسة الناس، وهي  بسلوكها  النزق مسؤولة عن معظم أزمات العالم وإشاعة الخواف من حروب وحروب نووية مستحيلة التحقيق، ولو أنّها تكرج فوق الألسن وفي التقارير والأحاديث والتصريحات المرتجلة. قد يقودني الأمر إلى قياس الذكاء الضامر لدى العديد من زعماء هذا العالم التافهين الذين يحكموننا بشراً لمعاينة الأمراض القديمة الحديثة والمتأصّلة  في الحكم ، وكذلك السادية والمغالاة في المواقف والتهديدات والإنفعالات الدولية.

يكشف لي هذا الزمن  كمّاً من المآزم النفسيّة الجديدة العائدة ربّما إلى اللاإتصالية ببعدها الإنساني التي تورثها ثقافات التواصل الصامتة أو المختصرة أو الفارغة من ضجّة العقل، وإنّني لأتجرّأ بالقول أنّهم يتزاحمون فوق عتبة ما أسمّيه الإنفصام السياسي العالمي أو Schizophrénie Mondiale في العلاقات الدولية.

يمكن  التذكير بالحقبات الأولى من تكوين إجتماعية الإنسان وهي ثمرة  للكلام والتقارب والحواروقد أورثت الحضارات من التعاضد لتحقيق إستطالات الحواس الخمس  لتضمر كلّها  أمام “طوفان” الحضارة البصرية  والنجومية والفردية الطاغية . كان الغرب المدمّى والمنكوب يحلم بمجتمع دولي يعيد بناء العائلة الانسانية الواحدة عبر المنظمات الدولية التي سرعان ما أفرغت من جمالها، وغرقت الدنيا أكثر فأكثر في حاجات الحكم العصرية ولو  بسحق الآخرين عن وجه الأرض إن لم يتكلّموا لغة السوق بالسليقة.

ولد الإنفصام  بكراً في عائلة  الغرب الصناعي وتفشّى ممهّداً للتكنولوجيا التواصلية في العالم. وإذا كنّا، في المجتمعات الشرقيّة ،لا نحفل كثيراً بوطأة هذه المسائل بعد، فإنّني أبشّركم بأنّ رفض الواقع والرحيل عنه ظاهرة أولى يليها أخرى من عيادات الأمراض النفسية المتفشيّة في بلادنا لا بنتائجها الخطيرة بل لكونها موضة تحقّق المعاصرة، مع أنّنا بالإجمال، ما زلنا في الحقبة الذهبية للتواصل الاجتماعي قياساً على المجتمعات الانترنتيّة في العالم .

الغرب متعب ومطروح منذ زمنٍ بعيد على كنبة وثيرة، يُحفَّزه الأطباء النفسيون على الكلام/الشكوى بما يبرئ العقل ويصفّيه من اسقامه الكثيرة وحروبه المقيمة والمصدّرة، إلى حدّ غياب الذكاء في تفسير وفهم العلاقات الدولية الشاملة.  ما معنى قياس الذكاء لحاكم ،بالمعنى الكمّي، في عصرٍ يتقزّم فيه الانسان المعاصر تجاه مبتكراته وتختفي العلاقات البشرية والإنسانية  وتذوب قواميس العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية والقوانين الكثيرة التي تركّز على الخصوصيات.

لست هنا للبحث في ميادين الطب النفسي La Psychiatrie أو علم النفس التحليلي بل في ميادين علم النفس السلوكي للحكّام وهم يمسكون زمام الدول لكنهم يخضعون لقواميس العلاجات السلوكية  التي لا تحد، وتجعلنا نتصور أننا مثلهم في حاجة  دائمة حيال أي علاج نختار وكأننا في مطعم يشرح العلاجات في قوائم متجددة من الطعام. ما يناسب واحداً لا يناسب الآخر، وما يروق للأول قد يزعج الثاني، خصوصاً وأن عناصر لاواعية تتحكم بعملية الاختيار الصعب للقرار الدولي. المهم في الأمر مدى تقبّل الحاكم وتجاوبه مع هذه الطريقة في المعالجة أو رفضها. ويعني التجاوب الاتصال والكلام والعلاقات والإعتراف بالانسانية المختلفة تحدياً لانتصار الهامشية وتحقيقاً للذوات البشرية في البحث عن طاقاتها الانسانية لا بنكوصها نحو الحيوانية الشرسة المدمّرة.

ليس أكثر من علماء السلوك من علقوا أهميّة كبرى على إعادة توليد حاجات الاتصال الاجتماعي في تحقيق القواعد السليمة لنمو المجتمعات، حيث حاجات الحضور والحركة واللغة بمعنى الكلام وإستفراغ الأخطاء على طاولة المعالجين. هكذا بدت مسألة المعالجات من الأمراض اللاإتصالية محكومةً بالفشل، إن لم تقم على مبدأ تنمية الشخصية، بالانفتاح والحوار وجهاً لوجه بهدف تحقيق الذات كضرورة من ضرورات توافر ظروف التفاعلات الداخلية والخارجية لبقاء المنظومات؛ وحيث يطرح الحاكم على نفسه السؤال:

ماذا أريد بالضبط؟ وما هي النتائج التي أتوقعها من الكلام في موقف معيّن؟ وكيف أحدّد رغباتي في هذا المجال؟ وماذا بعد السلطة مهما كانت؟ أليس سوى العدم.

ليس صحيحاً أنّ المسافة بين المريض والسويّ لا شأن لها، ولا شأن للحكم القائم على “الباتولوجيا” وكأنّه نوعٌ من الموضة الخارجة عن السيطرة وإمكانية التخلص من الفردانية والإستبدادية القاتلة لل”أنا” التي غالباً ما تذوب في دماء ال” هم” مهما تجبّرت في أصول حكم الشعوب والناس.

اكاديمي وكاتب لبناني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الى الاستاذ الكاتب المحترم
    بعد التحيه والتقدير
    من الرئيس كلينتون حتى اوباما كل شيء تغير في علم النفس و تشخيص الامراض النفسيه السياسين افسدو الطب النفسي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here