الدكتور نسيم الخوري: لبنان: “فلّوا تنرجع”

الدكتور نسيم الخوري

من هو بروكرستوس؟

تقول الأسطورة اليونانيّة الأرتوذكسيّة أن بروكرستوس حاكم صنع لنفسه سريراً أراده أن يتّسع لكل أبناء بلده، فمن كان أطول منه أمر رجاله بقطع الزائد من جسمه ومن كان أقصر منه أمرهم بشدّه ومطّه كي يصل إلى طوله. بهذا قتل شعبه وأفناهم،لكنّ رجاله قاموا بطحنه.

سقطت بيروت من شرفتها مخضّبةَ بدمائها ودموعها الملفوفة بجحيم وروائح نوويةٍ تصلّي بانتظار الصباح. لا مصباح يضيء في جمهورية العتمة ولا في مرفأ العاصمة المنكوبة.الناس يتعثرون بحطام بيوتهم وأدراجهم المهدّمة التي أدمنت السهر والفرح والرقص في قلب بيروت الذي لن يتوقّف ولو قامت القيامة، وتحت دمعة مار مخايل وعصاه راحوا مع الفجر يلملمون فتات عائلاتهم وبيوتهم وزهورهم وأشيائهم وصور أولادهم وأحفادهم الساهرين في العواصم البعيدة أمام الشاشات يبحثون عن عاصمتهم المنكوبة. كان لا بدّ أيضاً من حماية الركام الضخم من أفواج السارقين.

وكأنّنا وقعنا في خرسنا وبكائنا الأوّل قبل أن تتفجّر التأتأة فوق ألسنتنا نبحث عن أشباه المسؤولين وأصنامهم الذين لاذوا بالصمت وفي شقوق الأكاذيب والتلفيقات. تسبق الدمعة نقطة الحبر ونتعثر بألعاب الأطفال والأشلاء والمختفين تحت الأنقاض تشيّعهم السواعد المهترئة. لا دولة في لبنان. نحن في العتمةٍ الوطنية يا تماثيل الحكم الصمّاء. تصوّروا برج الخليفة أشرق ليله ملفوفاً بعلم لبنان وقد نسفتم وسادته، ومثله قوس النصر في باريس أضاء وهماً دروبنا المحطّمة المسكونة بالوحوش . جاء الشاب الفرنسي الرئيس إيمانويل ماكرون الذي قلب الأحزاب العتيقة في فرنسا. كان أوّل الواصلين يمسح بقميصه دموعنا ويواسي فقرنا ويتمنا ويعاين شعباً طيّباً رموه حكامه في حضن سبعة زعماء من قصيلة بروستكروس.

تخلّعت أبواب قبرص واليونان والعالم بوحشيّكم وقفزنا نصرخ في جراحنا وزوايا حطامنا كما القطط المذعورة الجائعة في البلاهة والمتاهة. يا للصدفة! كان رفيق الحريري وحيداً ينتظرالنطق بتفجيره في مثواه المؤقّت الطويل في قلب بيروت.

أكتب هذا الدمع من قعر الدم العتيق الحبيس المتفجّر من حولنا والجهّات تسعى إلينا مثل ألسنة النار تتجمّع في جفنتينا. وعلى رؤوس الأصابع المجرّحة تطوي بيروت لحافها الممزّق فوق مئتي قتيل وخمسة آلاف جريح فوق الأرصفة وفوق أدراج المستشفيات المدمّرة والأبنية والتواريخ المبعثرة أسرارها وأدراجها بين ضبية وراس بيروت يتوسطها مار مخايل والمدور والشوارع الوحيدة الشاهدة على ما تبقّى من وحدة أبنائنا وأحفادنا وقد أكلوا حروبكم ومذهبيتكم وهم يتزاوجون ويرقصون ويضجّون بالحياة معاً وبكلّ السحنات واللغات وانتماءات الأهل الطائفية والسياسية. كانت الأشرفية علم لبنان الجديد تتصدره”كوزموبوليتية” رائعة تجذب شباب لبنان والعرب نحو الحداثة والمعاصرة والتوحّد، فأمرتم بالظلام وكان ظلام وكان موت فوق الظلم السياسيّ فوق جدران الجمهورية المفكّكة فوق الكمّامات الخانقة وفوق كوارث الإهمال والكيد السياسي والطائفي والتقاتل على المناصب والحصص وإذلال الناس.

أصابت”الرأي” الكويتية في توصيفها لزلزالنا فأسمته “بيروتشيما” وقد قفزت الإبرة إلى هزّة 5 درجات على مقياس ريختر!

أيعرف أصنام الحكّام  أن بنيامين هو الإسم الأوّل  لريختر؟

عن أيّ مفرقعاتٍ تتكلمون يا أبناء الموت قتلاً؟ حتّى الكذب تعب منكم وتحت ألسنتكم وفي نفوسكم. أنسيتم سجلاّت التفجيؤ منذ فندق داوود إلى اليوم؟

كانت هزّة هائلة في لبنان والمحيط وفي الخليج والعالم، حطّمت الدنيا وأبقت أصنامكم وقد أدهشتم أبناء ريختر في القساوة والدرجات والأضرار والأسباب والنتائج والتوقعات. قطعت الهزّة يابسة بحر العرب، فالأشياء والأمور والخرائط والدماء تختلط في الأذهان الكثيرة لتنشر الغموض والتردّد والتمعّن بمستقبل اللبانيين المنكوبين الساقطين في فجوات تفسيرات الدين والمغضوب عليهم في المتوسّط.

أيبقى الرعب مقيماً كأساً مترعاً بالمرارات  فوق شفاهنا وقد خرجنا من رحمٍ واحدٍ هو سدّ مأرب  وصلب عظمنا هناك؟

لن نبكي، لأنّ “الثورة نعم الثورة تولد رحم الأحزان”. شابات لبنان وشبابه أقوى من أحفاد ريختر.

نعم لن أبكي ولو أبكت كوارثكم حبات الرمل كلّها وروت أجسادها بالثأر منكم فإنّ بقايانا وأشلاؤنا تصلّي وتتواصل وستحبّ وتعشق وتسهر وتنهض وتعمّر وتعلن مجدّداً أننا مزهرية المتوسّط من مختلف الأنواع والأفكار.

 يا لتراكم الأحزان والأوطان تمسّح الحزن والموت من فوق وجه بيروت الحرّة، والأصنام نعم أصنام الحكام صفراء ضائعة وتدسّ أيديها في جيوبها وجيوبنا.

وبعد…

رقصت الدموع فوق صورة إبنتي ريّا المهاجرة ، وحفيدي الرضيع في حضنها يدلّ بإصبعه الصغيرة إلى صورة جدّته حاملاً ورقةً كتب عليها: “فلّوا تنرجع”.

 كاتب واكاديمي لبناني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here