الدكتور نسيم الخوري: أبحث عن فلسطين نجمة الميلادات الضائعة فوق أشجار الدنيا

الدكتور نسيم الخوري

عندما يقول أو يكتب أو يتذكّر البشر وهم يصفّون  المذاود والتماثيل الصغيرة والأضواء التي تجعل بيوتهم تشعّ بالنجوم حول مليارات الأشجار الميلادية في الدنيا، أذهب إلى السؤآل حزيناً:

كيف يرتسم هذا المكان في أذهان البشر بعد 2019 سنة من بعثرة الرماد وتدميرالمذود الأوّل ؟ كيف يلامسون فلسطين والمذود؟

من لبنان، جاءتني الأجوبة الميلادية قيصرية وبسرعة: ميلاد المخلّص بارد ومخيف، ميلاد العام الجديد مبهم وحافل بالخوف، ميلاد “الثورة” مسجون بين قوسين لكنه ينمو بقوّة وسيتحرّر، ميلاد الحكومة القيصرية مفتّت تقليدي أصفر اللون خجول بين حناجر الساحات وصمت المقهورين في البيوت الباردة.

بهت تقديس الأمكنة عندنا ورحت أستقصي طقوس شعوب الأرض وقد باتت ملكاً لعينيّ: أيّ شعبٍ يرث حيّزاً له مقاماته وطقوسه؟ وهو ما أعادني إلى المكان والمذود الأوّل في فلسطين حيث الصخرة المقدّسة التي جعلها يعقوب وسادة له، ورأى اليهود سليمان يشيّد فوقها الهيكل الأوّل في المكان الذي حدّده له أبوه عند جبل الموريّا إذ حاول إبراهيم التضحية بإبنه إسحاق. حينها، خرج المكان العالمي في كلام الله لموسى قائلاً:

“لا تقترب من هنا. إخلع نعليك فالمكان مقدّس”.

تستقرّ القداسة نواحًا إذن أمام الجدار الذي يرتدي فيه اليهود وزعماء العالم القلنسوة بعينٍ واحدة،  ويتأوهون للذود عن المكان السياسي العالمي المقدّس أي “إسرائيل”. من هذا المكان طفحت السياسة على مضامين القداسة وتخربط كلّ منطق.

كيف يرتسم المكان بعد؟

سؤال مقيم في أفواه العجائز المؤمنين بمسابحهم الطويلة ، أو في زوايا البيوت حيث ينتظر الأطفال “بابا نويل” من فوهات المواقد حاملاً الهدايا الحمراء ( أنظر الحمراء) لكنّ المواقد في الدنيا تنطفيء ولا يصل المزركش. ينام الأطفال نصف نوم بين الحلم بالهدية والحزن على النوم الذي غالبهم،  فينقلهم الأجداد الى أسرّة الأبناء والبنات، ويروحون بصفّ أكياس العلب واللعب والهدايا تحت الشجرة بإنتظار صباح جديد !!! هنا يتآكل المكان ويقضم بالمعنى البشري والوطني والسياسي والكوني لحم المولود. تتحوّل فلسطين الموقد العالمي للنشيد الأخرس بصدقية التاريخ، وتتحوّل المخيمات الى رسم الأعياد ونصب أغصان الزيتون والصنوبر في الدمعة والجرح ويتقاسمون الفطير مع بقايا المسيحيين واللبنانيين الذين ذاقوا طعم فلسطين الحقيقي. ويتحوّل العجز السياسي بعدها نحو الخطابة الفارغة والقصائد والإنقسام في إستضافتهم أو إعادتهم. ويبقى الحزن في الزوايا التي تسحب منها أشجار الميلاد وتعلّق فوقها الكرات الملوّنة، ويولد تحتها إبن مريم في حفنةٍ من القش اليابس، لأنّها زوايا إحتفالية عابرة معتمة خالية من أي معبر مضيء.

صحيح أن الطفل الناصري ولد في مذود ، لكنّ الكنائس عظّمته فعمّت الأرض بالمعانى الإجتماعية والسياسية وتزارك الشعوب والدول. صرنا نجد الكاثوليك يحجّون نحو مغارة “سانت لورد”، والبروتستانت يخرجون من الأمكنة كلّها نحو المكان السياسي المحصور ب”مقبرة غيتسبرغ”، تماماً كما المحاربين القدامى يتطلّعون الى أقواس النصر وقبور الجنود المجهولين والشعلات التي لا تنطفيء منذ الحربين العالميتين اللتين أورثتا 23 مليون قتيل في عبثية لم تعرف أسبابها ونتائجها حتّى الآن، في الوقت الذي يحنّ فيه بقايا الروس الى قبر لينين ويزورمعظمهم الكاتدرائيات والقبب الأرتوذكسية متتبّعين مزاوجة السياسة بالدين بحثاَ عن يقظة سدّ القسطنطينية في التاريخ تحت غبطة أوروبا وإنقسام المسلمين.

ولو حججنا حبراً نحو الحجر الأسود المكعّب الملفوف بقماشٍ أسود مطرّز الذي نزل على مكّة من السماء بإرتفاع 15 متراً، نرى الحجّاج المسلمين يسعون جاهدين في الأرض بالمعنى الديني والقيمي والسياسي ونجمتهم تسليم أمورهم لله ليزهو المكان في الأرض كلّها عند فلش السجادة والتوجّه نحو القبلة والركوع فالصلاة. وتجاوزاً لتوظيفات الدين وخلطه بالسياسة أيضاً، فإنّ أنامل النساء القبطيات المصريات اللواتي كنّ يطرزن الثوب الأسود الجميل الذي يلفّ به الحجر الأسود، تذكّر دوماً بعظمة اللقاء والإرتقاء بين المسيحيّين والمسلمين.

يتحاشر المؤمنون الوارثون لكلمات التوحيد الثلاثة في الأرض كلّها بالمعنى الديني لكنه الملطّخ  أكثر فأكثر بالسياسي وهم يلمسون صخرةّ أو يمارسون طقساً وأناشيد معينة أو يقبّلون صوراً ، لكنه تحاشر لم يتّخذ مداه في التلاحم الإنساني طرداً للظلم والقهر والغلبة والجوع بين كلمةٍ وأخرى. يبقى الصمت العميق صلاة  للفقراء والمحتاجين والبؤساء والمعذّبين والمكسورين والمشرّدين في الأرض.

قد تتعاظم الأمكنة المعاصرة لتمجّد السلاطين في البطش  بما يذكّرني بالأسطورة الفارسية حيث تبدو الشجرة الأولى تظلّل التنين ، بينما يضع عصفور السعادة بيضة الحياة فوق غصنها الأعلى. تشابه هذه البيضة المقدّسة المطلّة على الدنيا، في رأيي، اليمامة التي تسبقنا لتقف فوق قبب أوروبا وأميركا قبل أن نصل إليها بالمصاعد الهائلة السرعة، وهي بهذا تذكّرني بالنجمة التي يضعها المسيحيون فوق الغصن الأعلى لشجرة الميلاد في زوايا بيوتهم ووسط ساحات مدنهم.

للأسف، لقد أضاع العالم نجمته التي تدخله الى السماء من أعلى شجرة الدنيا.

كاتب واكاديمي لبناني

DRNASSIM@HOTMAIL.COM

NASSIM.KHOURY@GMAIL.COM

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here