الدكتور نزار محمود: هل أفشل أم أنقذ مقتل سليماني المشروع والدور  الإيراني؟

 

الدكتور نزار محمود

 

إن بحث الإجابة على هذا التساؤل يستوجب إلقاء الضوء على جوانب كثيرة، قد تستوجب هي الأخرى الإجابة عن تساؤلات ذات علاقة عديدة:

 

ماذا تعني إيران والمنطقة بالنسبة للقوى الكبرى؟

 

من مهد لقيام الدولة الإسلامية في إيران، وما هي أهدافها، وماذا ينبغي لها من دور؟

 

ما هي سياسات القوى الكبرى تجاه إيران؟ أين تلتقي الأهداف، وأين تتقاطع وتتصادم؟ وماذا كان الدور الذي لعبه الجنرال سليماني في هذه السياسات؟

 

إيران بلد يقع في آسياً مجاوراً لروسيا وباكستان وأفغانستان في شرقه وشماله، وتركيا والعراق في شرقه، ودول الخليج العربية في جنوبه. له ساحل في الشمال على البحر الأسود، وعلى الخليج العربي في الجنوب، ويشرف من خلاله على مضيق هرمز بالغ الخطورة في موضوع إمدادات النفط.

يبلغ عدد سكان إيران قرابة الثمانين مليون نسمة موزعين بين قوميات وإثنيات متنوعة، تغلب عليهم الفارسية في ثقافتها وعمقها، ويطغى المذهب الشيعي الإثني عشري في الدولة الإسلامية الحالية التي تحكمها عقيدة ولاية الفقيه ذات الرسالة التوسعية وتصدير الثورة والتي أسستها عودة/ أو إعادة خميني إلى إيران، حين إنتهى دور الشاه كشرطي في الخليج والخادم للمصالح الغربية. كما كان ذلك قد تزامن مع تطور  عراق صدام حسين، ذو العقيدة القومية وطموح الوحدة العربية، اقتصادياً وعسكرياً.

وتمتلك إيران، كما العراق، مخزوناً نفطياً كبيراً، وطموحاً مناطقياً وإقليمياً يغذيه تاريخ عميق في القدم، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز.

هذان البلدان، وفي هذه المنطقة، وبهذه الخصوصيات العقائدية والطموحات السياسية، وبهذه الثروات من مصادر الطاقة، وبسبب محيطه كان يجب أن يكون هدفاً جيوسياسياً لقوى كبرى تربطها علاقات ومصالح استراتيجية مع دول المحيط، ناهيك عن “إسرائيل” وكيانها ومصيرها.

ومع استلام صدام للسلطة عام ١٩٧٨ ومجيىء خميني عام ١٩٧٩، لاحت بوادر التصادم، عندما بدأ خميني يحرض شيعة العراق ضد نظامه في إطار مهمة تصدير الثورة.

وهنا يبدو طرح التساؤل التالي مشروعاً، دون محاولة التعكز على عصا المؤامرة:

ألم يكن للغرب وغيره من دور في إسقاط الشاه، أو على الأقل في عدم دعمه خصوصاً بعد توقيعه اتفاقية الجزائر عام ١٩٧٥ مع صدام بخصوص مشكلة أكراد شمال العراق وما إقتضته من وقف دعم كل بلد لمعارضة البلد الآخر، الأمر الذي دفع بخميني إلى مغادرة العراق لتحتضنه فرنسا ويتهيأ للعودة إلى إيران بعد السقوط السريع للشاه؟!

لقد كان لأكثر من طرف مصلحة في تصادم إيران والعراق! فبدأ الترقب والتخطيط لانتهاز الفرص وحبك المؤامرات بما يتلاءم ومعطيات كل من العراق وإيران أهدافًا وسياسة ومنهجاً وخصائص نفسية لقادتهما.

فالنظام العراقي البعثي العربي الاشتراكي العلماني الذي يقوم على رأسه قائد  طموح ونظام مركزي مرصوص وحزب شمولي في بلد متعدد الأجناس والأعراق والديانات والمذاهب، هو في إختلاف شديد مع النظام الإيراني الديني الطامح إلى تصدير ثورته المذهبية إلى العراق أولاً والتي تقبع مراقد أئمته ومقدساته في نجف وكربلاء العراق أرض النفط والسواد.

من هنا فقد تهيأت عوامل الخلاف بين العراق وإيران تباركها وتغذيها مصالح أطراف بعيدة وجيران! واشتعلت حرب طويلة ما كان أريد لها أن تنتهي في سنوات ثمان! تذابح الطرفان وزهقت أرواح مئات الآلاف وهدرت ثروات وضاع زمن!.

توقفت الحرب لكنها لم تنته، وبقيت نيران كرهها وغلها في النفوس والقلوب وحسابات الأطراف المنتفعة، وما كانت عن ذلك إسرائيل بالبلد البعيد!.

انتهت الحرب الباردة وبدأ رسم خرائط جديدة وتبدلت أدوار وظهرت موازين قوى جديدة، وأرتكب العراق خطأه الفادح في الكويت، ودفع ثمنه بعناده طويلاً حتى طال العقاب النظام وصدام، ووجدت إيران طبق ذهبها في سلطة العراق ومستجدات الظروف فاستغلتها في تحقيق مشروع أحلامها التوسعية والذي كان عرابه وقائده الجنرال سليماني، أو كما سمي بوزير المستعمرات الإيراني، حيث بدأ يتبجح مسؤولون إيرانيون بأنهم يسيطرون على عواصم أربع دول عربية هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

وكان لهذا المشروع وجهه الآخر وانعكاساته في خلق اضطرابات ونعرات وحروب طائفية محلية واقليمية في عدد من الدول العربية كلفتها الكثير ولا تزال وأنهكتها سياسياً واقتصادياً مما زاد من ابتزازها وحاجتها للدول الأخرى، الأمر الذي وجدت فيه تلك الدول فرصة ذهبية، وعملت على إدامته من خلال إبقاء أطرافه المتصارعة في دوامة حرب أزلية!

 

هذه الظروف وتلك الأطراف المنتفعة سعت لإدامتها، فهي من ناحية أسواق تصريف للسلاح، وبيع لخدمات الإستشارة والحماية والمواقف السياسية، وهي من ناحية أخرى استمرار للنزيف الاقتصادي وتعميق خنادق العداء لدول وشعوب متجاورة ومتشاركة في كثير من الخصائص والأقدار!.

وعندما بدأت الشعوب تتململ وتغضب وتثور وترفض استمرار الحال في بغداد وطهران، وعجزت سلطات العراق وإيران على القضاء على حركاتها وثوراتها أو إحتوائها،  ورأوا فيها خطراً على مصالحهم، كان لا بد لساستها من بحث عن مخرج. فضياع العراق، وهو الرئة التي تتنفس منها إيران اقتصادياً وسياسياً، وتكرر التمردات في إيران يعني إقتراباً من حالة السقوط وضياع كل شيء. فلا بد إذن من حدث كبير، داخلياً أو خارجياً من أجل الخروج من عنق الزجاجة!.

وفي محاولة للنظام الإيراني وسلطة العراق التابعة له، ومن أجل تفسير مقتل سليماني وابو مندي المهندس، يحري الحديث عن السيناريو التالي وهو:

أن الجنرال سليماني جاء إلى العراق قادماً من سوريا ولبنان في مهمة انقلاب عسكري يقوم به الحشد الشعبي في العراق تعلن بموجبه حالة الطوارىء والأحكام العرفية بدعوى الإمساك بإدارة الدولة بعد تعذر اختيار حكومة جديدة، وعندها تنتهي الاحتجاجات وتعود السيطرة لإيران من خلال حكومة الحشد الشعبي، وتحييد الدور الأمريكي، أو ربما تطور العلاقة معه وتوسع دور  إيران في المنطقة!

لكن الأمريكان كانت لهم رؤية ثانية وأسرعوا في إجهاض هذا المخطط الذي إستغلته إيران كذلك في معركة خارجية عززت به من موقفها وشعبيتها في تمثيلية محبوكة.

إن هذا العرض قد يعطي جواباً عن تساؤلنا: هل أفشل أم أنقذ مقتل سليماني الدور والمشروع الإيراني في المنطقة!

إن ما حدث من أمر تمثيلية الرد الصاروخي الإيراني على قواعد عسكرية في الأنبار  وأربيل تتواجد فيها قوات أمريكية يدعم الرأي بأن مقتل سليماني قد أنقذ الدور والمشروع الإيراني! وإن غداً لناظره لقريب.

 

كاتب عراقي مقيم في برلين

Print Friendly, PDF & Email

8 تعليقات

  1. السيد الدكتور الدكتور نزار محمود أو أفادتكم بأنه ورغم كونكم من العراق، فإن إقامتكم في المانيا يبدو أنها اثرت على معلوماتكم الجغرافية، فإيران لا تطل على البحر الأسود (كما تفضلتم في مقالم هذا)، وإنما على بحر قزوين. إضافة إلى أن تركيا والعراق تحدان العراق من الغرب وليس من الشرق.
    وهذا يدعوني إلى استغراب تعليق السادة الذين أكدوا أن مقالكم هذا جيد وقد وضع الأمور في مسارها الصحيح.

  2. شكرا لقد وضع المقال الامور في نصابه الصحيح بعيدا عن ضجيج الاعلام الديماغوغي

  3. يبقى المشكلة والأسباب بأوضاع المنطقة الملتهبة والمنهارة نفسيا و إقتصاديا وسياسيا و الإستسلام لها لواقع الأحوال افضل حال ليس له علاقة يإخواننا العرب صح يأخونا الكاتب والموضوع مرتبط حتى بالأتراك حكمونا لمدة ليست قصيرة اخر خلافة المسلمين توافقنا عليها او إختلفنا بخصوص مواضيع وأمور نظام حكمهم وإيران لها طموح ومطامع بالعراق والمحيط بحجة انها راس الداعم لمحوار المقاومة ضد الإحتلال الصهيوني و غطرسة و عناد وتجبر الامريكان وحلفاؤهم من الدول الكبرى تحت مظلة النظام الشمولي والدولي في العالم و إيران ربما تعيد بناء الدولة الإسلامية هي أمهم وأبوهم سني وشيعي عربي أو كردي وأقليات أخرى ربما منهم من يريد الإنفصال من أجسادهم بالمنطقة سواء الشمال الإفريقي المتهاد ن حاليا و مؤمن جزئيا وصامت وله شكوك ووسواوس أو مترقب لمحيطه و المنطقة الأبعد منهم نسبيا ولهم قواسم مشتركة وعلاقات قومية ودينية ومصالحة متداخلة و متقاربة و متميزة بينهم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here