الدكتور نزار محمود: الأحزاب واستلاب المشاعر والمواقف السياسية في عالمنا العربي حالات ليست قليلة

 

الدكتور نزار محمود

 

إنها واحدة من أخطر  الآفات السياسية التي تعصف بمجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص. تنتشر أحزاب كثيرة، خلقتها ظروف موضوعية وشخصية، وتحركها عوامل داخلية وخارجية. يقوم بعضها استجابة لحاجات وضرورات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ويقوم غيرها على أساس محاكاة سياسية وتبعية، لكنها جميعاً تصر على أنها تمتلك الحقيقة.

وفي خضم هذه التشكيلات والتنظيمات والألوان من الأحزاب والتيارات، يندفع الناس للانتماء إلى هذه أو تلك من الاتجاهات والتنظيمات السياسية لأسباب ودوافع وظروف متعددة، اجتماعية وثقافية واقتصادية، لا بل وبدرجات كبيرة شخصية وعاطفية وانفعالية ومصلحية، لا سيما عندما تكون أحزاب سلطة. فهناك من دفعه واقعه الطبقي ورغباته وميوله وثقافته وحتى الدينية والقومية إلى الانتماء إلى الأحزاب الشيوعية واليسارية والاشتراكية، ومنهم من دفعه موقفه من الدين أو حتى المذهب وما تربى عليه وما انحدر منه من واقع اجتماعي إلى الميل، وربما الانخراط في الأحزاب الدينية وطوائفها المذهبية. كما كان للرؤية القومية سحرها في نفوس وقلوب الكثيرين الذين وجدوا فيها المخلص والضامن للكرامة والتقدم تأسيا بدروب نهضة الأمم والشعوب الأوروبية.

وحيث أن انتماءاتنا السياسية، والتي غالباً ما تحصل في فورات شبابنا، تشكل مساحة كبيرة من هويتنا السياسية والاجتماعية، وتتعاشق مع مواقف وأحداث وأفعال، لا بل وصداقات وعداوات، وعندها يصعب التراجع عنها أو نكرانها، ناهيك عن إستبدالها أو تغييرها في مجتمعات لا تتفهم التغير أو التبدل سوى نفاقاً أو انتهازية أو حتى غباءً وجهلاً وانهزاماً وسقوطاً. حينها تصبح تلك الانتماءات قدراً محتوماً وعصبية قبلية سياسية لا يمكن التنصل منها.

إن هذه الخارطة السياسية الحزبية قد أقامت سجوناً فكرية وعقائدية وتنظيمية، وقيدت حريات أعضائها وفرضت عليهم هوية عرفوا بها لا يستطيعوا الانسلاخ عنها.

 

هذا الأمر تمرد عليه البعض كلياً ودفعوا ثمنه غالياً سياسياً واجتماعياً، والبعض الآخر تمرد عليه جزئياً وراح يداري تغير أفكاره ومواقفه، وبعض ثالث انزلق إلى انفصامية سياسية لا يجرؤ على البوح بما يتصارع في دواخله.

إنهم جميعاً ضحايا اغتصاب الأحزاب السياسية لمشاعر  وظروف هؤلاء وأفكارهم ومواقفهم وحتى لمصالحهم الشخصية المشروعة جراء الفهم اللا إنساني لتلك الأحزاب في فكرها وتطورها وممارساتها السياسية.

هذه الظاهرة السياسية حفرت خنادق بين القوى السياسية، من جهة، وساهمت في رفضها الأعمى للآخر من جهة أخرى. وها نحن اليوم ندفع أثمانها بتنافرنا وتناحرنا وتسقيط وتخوين بعضنا البعض وتشتتنا وضعفنا.

 

إنه لمن المفيد والضروري ان نستحضر هذا الواقع في حواراتنا الإيجابية إذا ما أردنا لها تواصلاً مستمراً وغايات مثمرة .

 

كاتب عراقي مقيم في برلين

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here