الدكتور محمود حرشاني: حقائق وخفايا من كواليس الحياة السياسية في تونسبداية نهاية محمد مزالي وغضب الرئيس بورقيبة عليه

الدكتور محمود حرشاني

صائفة 1986 كانت صائفة مشحونة وكانت الدسائس والصراعات السياسية فيها بين من سيقفز الاول لخلافة الزعيم بورقيبة على اشدها. وكانت اطراف هذا الصراع تتمثل خاصة في منصور السخيري الوزير مدير الديوان الرئاسي ومستشار بورقيبة الخاص ووزير التجهيز والاسكان وزين العابدين بن علي وزير الداخليةوالذي رقاه بورقيبة الى رتبة وزير دولة ليخلصه من اشراف الوزير الاول على ملفاته ومحمد الصياح وزير الدولة ايضا ووزير التربية والمقرب من الزعيم بورقيبة ومؤرخه الخاص اما الوزير الاول رشيد صفر الذي عينه الزعيم بورقيبة في هذا المنصب في عشوية شهيرة من عشويات شهر جويلية في تلك الصاائفة القائظة الحرارة فلم تكن له اطماع في خلافة بورقيبة ولم يكن معنيا بهذا الصراع المحموم الذي بدا كل طرف من اطرافه يحرك اللعبة لصالحه ليسبق الاثنين الاخرين.

اما المرحوم محمد مزالي فقد كان في هذه الفترة قد عزل من منصبه وتمت اقالته من مهامه كوزير اول ووزير الداخلية.بعد ان عاش التونسيون مسلسل الاثنين الشهير باقالة الوزراء المقربين منه بدءا بالمازري شقير وزير الوظيفة العمومية فالبشير بن سلامة وزير الثقافة فوزير الصحة وانتهاءا بزوحته المرحومة فتحية مزالي التى كانت وزيرة المراة والاسرة والسكان في مسلسل تراجيدي بدات خيوطه مكشوفة للتونسيين جميعا وانتهى باقالة محمد مزالي نفسه وتعيين رشيد صفر خلفا له.. ولم تشهد تونس في تاريخها المعاصر احداثا بتلك الاهمية التي شهدتها صائفة 1986 ومنها خاصة احداث الاعتداءات على النزل وماء الفرق والتي اشير فيها الى تورط الاتجاه الاسلامي وبعض قيادييه البارزين ومن اشهرهم حمادي الجبالي وعلى العريض وهي احداث تولى البحث فيها وزير الدولة وزير الداخلية زين العايدين بن علي بنفسه وسمعناه في الاذاعة من خلال بعض المسامع يستجوب المتهمين.

وبدا واضحا ان صفحة المرحوم محمد مزالي قد طويت وذلك من خلال تحريك بعض الملفات القضائية لاصهاره وابنائه. وادغار صدر بورقيبة عليه لقطع الطريق على كل محاولة لاعادة اجواء الضفاء بين بورقيبة ومحمد مزالي الذي بات يشعر ان مصيره بات مهددا وان ابواب السجن في انتظاره.. كنا في شهر اوت من تلك السنة اي صائفة 1986 ودعيت لاكون ضمن وفد ولاية سيدي بوزيد لمقابلة الرئيس وتقديم برنامج ثقافي يجمع بين الشعر والاغاني كما جرت به العادة بالنسبة لكل الولايات احتفالا بعيد ميلاد الرئيس. كان ذلك يوم 12 اوت ان لم تخني الذاكرة.

قدم الزعيم بورقيبة متوترا بعد محاولة لانزاله لان يومها كان مخصصا لولايتي سيدي بوزيد وبن عروس. وحتى لا يغضب ابناء الولايتين المحتفلين بعيد ميلاده وقدم الرئيس في خالة غضب لم يكن منتبها كعادته للبرنامج الثقافي ولم يهتم بقصائد الشعراء وربما كان يستعجل نهاية البرنامج.

علمنا ان الرئيس استقبل صباح ذلك اليوم زين العابدين بن علي وزيرالدولة للداخلية بحضور رشيد صفر الوزير الاول ومنصور السخيري الوزير مدير الديوان الرئاسي. وما انتهى البرنامج الثقافي حتى وقف الزعيم بورقيبة ليعود الى مكتبه في الطابق العلوي ولكنه قبل ان يغادر قال مخاطبا الحاضرين//سمعت ان ابن محمد مزالي مورط في قضايا فساد وسرقة .. اعطيت تعليماتي بوضعه في السجن//ثم غادر.

وفهم الجميع وقتها ان محمد مزالي انتهى وان الجماعة انتصروا علية لنسمع بعد ايام قليلة بفرار محمد مزالي متنكرافي مغامرة رواها هو بنفسه في كتابه الشهير “ونصيبي من الحقيقة”.

* كاتب ومحلل سياسي تونسي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here