الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة: الشعر الإماراتي الـحديث في ميزان البحث.. منظور صالح هويدي أنـموذجاً

الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة

    بذلت جهود مخلصة  منذ عدة سنوات  من قبل جملة من الباحثين ،والدارسين العرب، من أجل رصد سمات الأدب الإماراتي،وتقديم رؤى نقدية عن توجهاته، ومضامينه، وجمالياته،إضافة إلى السعي إلى البحث في جذوره  وخصائصه،ومختلف مبدعيه ،ورواده.

      وقد تَوَفَّق عدد من الدارسين، والباحثين في وضع دراسات متميزة عن الشعر الإماراتي،أسهمت تلك الدراسات والأبحاث في التعريف بعوالم وهواجس الإبداع الإماراتي،وفي تغيير بعض  الرؤى،ووجهات النظر ،ولاسيما لدى القراء في بعض البلدان العربية الذين لم تكن لهم معرفة واسعة بإبداعات أدباء الإمارات العربية المتحدة.

         ومن بين الدراسات والرؤى النقدية التطبيقية المتميزة التي قدمت عن الشعر الإماراتي الحديث رؤية الناقد الدكتور صالح هويدي التي هي عبارة عن دراسة تحليلية تطبيقية جاءت في كتابه الموسوم ب «الخطاب الشعري الحديث في الإمارات-قراءات تطبيقية-».

       يرى الأستاذ الأديب سيف المري في تقديمه لهذه الدراسة أنها  واحدة من«الدراسات القليلة التي توغل في البحث حول موضوع مهم من مواضيع الشعر،ألا وهو قصيدة النثر التي ما زالت أدخنة معاركها تتصاعد في سماء الفضاء الشعري الممتد بين الأزرقين. ويحاول د.هويدي في هذه الدراسة تقديم نماذج جديدة وأسماء اختطت لنفسها منهجاً خاصاً،واتخذت قصيدة النثر أسلوباً لتوصل صوتها الشعري وتخلق لها مسرحاً تعرض من خلاله رؤيتها وتجربتها،وبغض النظر عن أي شيء آخر نختلف أو نتفق عليه،إلا أن هذه الدراسة قد سلطت الكثير من الضوء على التجارب الشعرية الإماراتية الحديثة»)1(.

       ويذكر الأستاذ نواف يونس أن الدكتور هويدي من خلال هذا الكتاب  يرصد« الخطاب الشعري في الإمارات،من خلال تناول ملامح المكان وجدليته مع سمات الإنسان ومتغيرات الزمان في المنجز الشعري،وخصوصاً في ما يتعلق بالنتاج الحداثوي وقصيدة النثر فيه.

         والدكتور هويدي يعتمد الإنصات الفني لنبض هذا التيار الشعري الحداثوي،برؤية نقدية تمتلك مصداقيتها العلمية المتخصصة بعيداً عن تطبيق قوالب نقدية جاهزة تلبس على قياس النصوص بمقاربات كثيراً ما أساءت للمشهد الشعري أكثر مما أفادته،وهذه الكوكبة من الأسماء وتجاربها الشعرية الإماراتية آن لها ومن حقها أن تُرصد نقدياً بصدقية تتوازى مع شفافية المبدع الإماراتي الذي يجتهد في البحث عن أسئلة تحمل هموم الذات والصراع الكامن داخل النفس البشرية»)2(.

         منذ البداية يؤكد الدكتور صالح هويدي على أن الخطاب الشعري الإماراتي يعكس صورة مشرقة لما وصل إليه الوعي الشعري لدى ممثليه،وما كشفت عنه تجاربهم المختلفة من رؤى وتقنيات ومغامرات تجريبية،إلى جانب ما أظهرته من حجم المشاركة غير المتوقع للشاعرات الإماراتيات،حيث حقق بعضهن إنجازات نوعية متميزة،خلافاً لما يمكن أن تنبئ عنه البداية المتأخرة لاتجاهاته الحديثة،إذا ما قورنت بمسيرة الحداثة الشعرية في الوطن العربي.

         وهذا ما يجعل الخطاب الشعري الإماراتي يستحق«عناية خاصة،تتوفر على قراءة متأنية،للكشف عن بعض إمكاناته ونواحي ثرائه.وليس أفضل-كما يرى الدكتور صالح هويدي- من الانطلاق من واقع النصوص الشعرية والعكوف عليها،قراءة وتأملاً وتحليلاً،والبعد ما أمكن عن محاولات التنظير والتهويم حول النصوص وإطلاق  أحكام  عامة تصلح لكل حركة وتنطبق على أي نصوص شعرية،من دون أن تقوى على ملامسة الخصائص الموضوعية والذاتية التي تمنح حركة ما ملامح هويتها الخاصة.فليس أفضل من النص ممثلاً للشاعر وكاشفاً عن إمكاناته وخباياه،فقد يريد الشاعر شيئاً ويرى القارئ شيئاً آخر،في حين يكشف النص عن شيء مختلف عما أضمراه،وليس الأمر غريباً،فما ينتجه النص ليس المعنى الذي في قلب الشاعر،بل الدلالة المترشحة عن تفاعل أفقين هما: النص والقارئ،وما يحدث بينهما من حوار خصب واندماج لمنظوريهما،بعد أن يتوارى المؤلف أو يسكت عن الكلام المباح»)3(.

        و ينبه الدكتور هويدي إلى أن قراءاته التطبيقية التي جاءت من خلال هذا المؤلف لا تمثل إلا الجزء الأول من المشروع النقدي المخصص للمنجز الشعري الحديث في الإمارات،وذلك لكثرة عدد الشعراء والشاعرات من جانب،ونظراً لتباين تجاربهم الفنية من جهة أخرى،كما يلفت الانتباه إلى أن اختيار شعراء هذا الجزء لم يكن منطلقاً من اعتبارات قيمية أو أحكام معيارية قصدية،بقدر ما أنه مرتهن بقدرة المؤلف على الحصول على المنجز الشعري للشعراء،وفشله في الوصول إلى كامل المنجز الشعري لشعراء آخرين.

        وعن منهجه في الدراسة يقول الدكتور صالح هويدي«لقد كان المدخل النقدي الذي اعتمدناه لقراءة نصوص المتن الشعري الإماراتي هو الإنصات إلى نبض النصوص،لمقاربتها على وفق حاجة كل نص شعري وحمولته الشعرية وطرائق تشكله وآليات بنائه.ولم نر حاجة إلى اللجوء إلى مقاربة الخطاب الشعري وفق تقسيمات جاهزة إلى أجيال مفتعلة وتيارات مختلفة لا تحتملها مسيرة الشعر المحدودة في الزمان،وإن أفرزت تجارب مختلفة،مثلما لم نر من الصواب الصدور عن منهج أحادي جاهز في مقاربة التجارب المختلفة لهذه النصوص»)4(.

  الوحشة والخلاص في التجربة الشعرية الإماراتية

          في البحث الأول من الكتاب قدم الدكتور صالح هويدي مقاربة تناولت مجموعة«الراقص»للشاعر الإماراتي سعد جمعة،وركز في مقاربته لهذه المجموعة على مستويين: المستوى البنائي بأنساقه الأسلوبية والتعبيرية والمستوى الدلالي .

         أشار الدكتور صالح هويدي في تمهيده إلى أن هذه المجموعة تنتمي إلى قصيدة النثر،وتمثل هذا اللون الشعري بغير قليل من الإخلاص لشروطه والجدية في التعبير عنه،وفي مقاربته للمستوى البنائي ركز على مجموعة من العناصر التي رأى أنها جديرة بالدراسة والاهتمام في مقدمتها حضور الفضاء الشعري الذي رأى أنه حضر في شكل ثنائية تأخذ من صورة التضاد،زمناً وملامح،حيث إن ثمة نوع من التوزع بين فضاء الحاضر وفضاء الماضي(اليوم والأمس)، (الهنا والهناك)،على النحو الذي يكشف عن حالة من التوزع لشخصيات المجموعة بين هذين الفضاءين المعمقين لأزماتهم الروحية،كما أن ثمة إحساساً لدى شخصيات المتن الشعري بتقوض مباهج الفضاء من حولها،وبمغادرة مكونات الفضاء ملامحها الإيجابية،كاشفة عن حالة من التشويه الذي يبعث على الإحباط والنفور،وهي بذلك تطوي أحاسيس البهجة وتستبدلها بوضعية الاغتراب والوحشة،وقد تمحورت ملامح الفضاء الراهن حول الصحارى والخرائب والمقابر من جهة،والمدن العتيقة المقفرة والمليئة بالخفافيش من جهة أخرى.

        ويرى الدكتور صالح هويدي في دراسته للأساليب والتراكيب في مجموعة«الراقص» أن مسخ الفضاء الشعري وهيمنة الملامح السلبية عليه داخل المتن الشعري أديا إلى اختلال المعادلة الزمنية وانطفاء الزمن(المعيش)للشخصيات،وهذا ما يفضي إلى تغليب زمن(المضي) الذي ظل طاغياً في حضوره داخل النسيج الفني للمجموعة،أما انسحاب الزمان والمكان الراهنين في أعين الشخصيات،فقد قاد إلى طغيان النسق الخبري من بين الأنساق الأسلوبية التي شهدها البناء الفني للمجموعة الشعرية.

          كما لاحظ أن ثمة أربعة أنساق رئيسة تقاسمت النسيج الفني لمجموعة«الراقص»،هي:النسق الخبري والنسق الإنشائي والنسق الحالي والنسق الوصفي(النعتي).

        فغلبة النسق الخبري الذي يقترب بشكل كبير من الصيغة السردية(الحكائية) ترجع إلى الانسحاب الذي تضطر معه الشخصيات إلى الارتكاس في زمن(المضي) واتخاذه بديلاً لفضاء الحاضر المنهار،وقد توزع النسق الإنشائي الذي أخذ صيغة طلب دال على الرغبة في فعل شيء أو تحققه بين الرجل والمرأة التي بدت-كما يرى الناقد صالح هويدي- شريكاً أكيداً في تحقيق الحلم الإنساني والتفكير فيه والعمل عليه.

      و تميز النسق الحالي بهيمنة الكشف عن صورة الخذلان التي تعيشها الشخصيات في واقعها،وبما يؤجج الرغبة في تجاوز ذلك الواقع والانعتاق من ربقته،وقد استأثرت الصورة السلبية بنسق البنية الوصفية،وهذا الأمر يعتبر مؤشراً على أن الملامح التراجيدية للواقع هي التي تستحوذ على ذهن الشخصيات ولا وعيها معاً.

      وفي دراسته للتشكيل الفني للصورة الشعرية في مجموعة«الراقص»رأى الدكتور صالح هويدي أنها تتميز ببنية«حيوية دينامية، تتجاوز البعد النمطي إلى ضروب من الإزاحة والعدول عن الشائع المألوف في التشكيل الصوري،دونما إغراق في الغرائبية المجانية،وامتزاج المعنوي بالمحسوس واتخاذ بعض عناصر تشكيلها أشكالاً غرائبية ومعطيات سريالية،وإن بشكل محدود لا يتعدى المشهد أو المشهدين،مع ميل بعض عناصر بنائها الرمزي نحو البنية التركيبية المتأتية من حركة نمو تلك الرموز،فضلاً عن نزوع بعض الصور نحو خلق بنى تعبيرية موحية،ولعل من أبرز العناصر الرمزية الموظفة في مجموعة(الراقص) رمز(المفتاح)الذي أريد له التعبير عن خيط الأمل الذي ظل متلألئاً في أعين الشخصيات الرافضة لواقعها المحبط والمشوه»)5(.

     و في رصده للمستوى الدلالي لاحظ الدكتور صالح هويدي أن الحركة وتجلياتها المختلفة من رفض وركض واهتزاز واندفاع وقفز ورج وتموج كانت أشبه ببندول حركة الساعة في نصوص المتن الشعري،بل إن الحركة تخللت نسيج البناء الشعري،حيث لا يكاد نص ينجو من تموجاتها، حتى غدت علامة سيميائية لها بعدها الدلالي الواضح،فضلاً عن دورها الوظيفي داخل النص.

       وقد تبدى له أن العلامة السيميائية الأكثر وضوحاً ومركزية تمحورت في عنوان المجموعة الذي يعتبر بوابة الدخول إلى عالم الشاعر وبنائه التشكيلي،و هو العنوان الذي اتخذ من فعل الرقص صيغة دالة على اسم الفاعل(الراقص).

          وقد علق الدكتور هويدي على اقتباس الشاعر بقوله «تعد العتبة النصية الثانية،تماماً مثلما تعد عناوين القصائد عتبات مهمة لفهم النصوص الشعرية وسبر شبكة العلاقات فيها،فإن تصدير الشاعر نصوصه الشعرية باقتباس من  بارمنيدوس   أمر لا يخلو من دلالة ،ولا يفلت من أسر شبكة العلاقات الدلالية والتشكيلية للبنية الفنية: (الأفراس التي تقلني ذهبت بي إلى حيث كان اندفاع روحي يدفعني)-بارمنيدوس-.

      في هذا الاقتباس الذي يعلقه الشاعر مستبقاً به نصوصه الشعرية حركة تموجية، تنتظم فضاء النص جميعاً.فثمة أفراس في حال حركة(تقلني)بمن تقله،وذهاب(ذهبت)،و(اندفاع) روحي لدى(المقل)على ظهر تلك الأفراس،واندفاع روحي يدفع الشخصية(يدفعني)،بعد تحقق زخم الاندفاع الروحي.

        وإذا كانت الحركة في مختلف مظاهرها وتجلياتها،هي أبرز ما يلحظه قارئ مجموعة سعد جمعة،فإن تصديره نصوصه بهذا الاقتباس لا يأتي اعتباطاً أو ضرباً من ضروب عفو الخاطر.

     ففي قصيدة(لعنة الشمس)ثمة أكثر من فعل دال على حيوية الحركة من مثل:الحلم والرجاء باقتراب(القفزة)و(الركض)لانتشال الشمس وإشعال الشمعة،و(الاندفاع)من دون الآخر،وتذكر(قفز)شقاوة الصبا،و(الرقص)الثمل و(الرقص)الموصوف بالرقة،و(مد)اليد لقلب دوران المجرة.كل تلك الحركات إنما كانت لأن ثمة اعتقاداً لدى الشخصية بأنه لابد من وجود ما(ينقذ هذا القلب)بعد أن ترسب في أعماقها(الشخصية) شعور عبرت عنه بقولها(هكذا يفلت كل شيء منا).

      وفي(حديقة الروح)يتجلى(رقص)الأسود و(رقص)القرد و(رقص)النمل و(رقص)الشخصية في الحريق،وحركة(فرار)الحيوانات كلها إليه،و(رقص)النمل،واهتزاز(المرأة)والأشجار و(ارتجاج)قدميها(المرأة)و(تموج)يديها و(رقص)الغيوم و(رقص)الرجل والمرأة و(انفلات)الرجل»)6(.

       وبالنسبة إلى لغة المجموعة فقد بدت للدكتور صالح هويدي لغة مأنوسة تميل إلى البساطة لا التبسيط،وتتنكب لمظاهر التنطع و المعاضلة ،كما تتوسل بأساليب الانتهاك والترميز ومخالفة أفق توقع القارئ،وذلك بغرض إحداث مفارقة،أو تحقيق حالة من الإدهاش،ويرى الدكتور هويدي أن الشاعر بحاجة إلى امتلاك أسرار لغته لتحقيق فتنة أكبر لنصه الواعد،ليس من منطلق معياري فحسب،وإنما لأن من شأن اختلال العمود أن يفضي إلى انحراف النسق الأسلوبي وتشوش البنية الدلالية،وهذا ما يؤدي إلى اختلال عملية التلقي برمتها.

     الـمكان وجدلية الألفة والوحشة في التجربة الشعرية الإماراتية

        في معالجته لموضوع«المكان وجدلية الألفة والوحشة في التجربة الشعرية الإماراتية» اهتم الدكتور صالح هويدي بتجربة الأديب خالد البدور في مجموعة«شتاء»،فوفق رؤيته  فالمجموعة الشعرية المذكورة تكتسب حضوراً خاصاً في المشهد الشعري الإماراتي،فقد حرص الشاعر على تكريس«قصيدة الحالة»،ويتجلى في تجربته سعي واضح نحو توظيف مفردات المكان في القصيدة توظيفاً جمالياً استفاد فيه من معطيات التجربة التشكيلية،مع قدرته على إحداث توازن بين الضوء والظل.

       ولاحظ على تجربة الشاعر خالد البدور اهتمامه بمفردات المكان المديني على نحو خاص،حيث نجح الشاعر في توظيف التفاصيل المادية للتعبير عن الإحساس بالوحدة لدى شخصيات القصيدة،وقد وصف الدكتور هويدي تلك الأحاسيس بأنها«أحاسيس تصل إلى حدود الاغتراب والريبة المتبادلة فيما بينها وبين المكان.ولعل أكثر صور المكان المديني تردداً ودلالة في قصائد الشاعر؛الغرف والنوافذ والشرفات،فضلاً عن الشوارع والمقاهي والعمارات.

      وإذا كانت المدن والشوارع والمقاهي والعمارات،تبدو في قصائد الشاعر موحية بالإحساس بالوحشة،بسبب من كونها بؤراً مكانية خارج بيئة الشاعر وغريبة عنه،فإن للشرفات والنوافذ في تجربة الشاعر دوراً وظيفياً ناجحاً،يتمثل في حضورها الرمزي بوصفها ملاذات روحية ووسائل ناجعة للخلاص مما يتراكم على روح الشاعر من هموم ووحشة،ويرين عليها من عتمة وغبار وأتربة.إنها الكوة التي كثيراً ما هرع الشاعر إلى فتحها للريح،لتنظف المكان مما عشش فيه وجرفه،مدخلة إليه نسمة الحياة والتجدد»)7(.

       وقد تردد البحر في مظاهره المختلفة بوصفه بعداً مكانياً من ماء وساحل في ألوان متنوعة من التوظيف الفني،وهي ألوان تنطوي على خصوصية في تجربة الشاعر تتميز عما هي عليه لدى أقرانه من الشعراء الإماراتيين،إذ تنطوي على بعد فكري يغلب عليه توق الروح نحو الانعتاق صوب أعماق العالم الغامض.

      ومن أبرز ما لاحظه الدكتور صالح هويدي أن الثيمة التكوينية لعالم المكان لدى الشاعر تكتسب بعدها الإيحائي من واقع النسيج الفني للنص وسياقه العام،فضلاً عن المنظور الفكري للشاعر وزاوية نظره للعالم والشخصيات والأشياء من حوله،وهو ما يفسر حضور صورة المكان الطاغية بإزاء الحضور المؤقت للإنسان،وغربة الأخير وسط مظاهره،مع إحساس واضح بتفلت تلك المظاهر وانسحابها،باستثناء مظاهر المكان الطبيعي التي تلمس من التداخل فيها بينها وبين الشخوص التي نجح الشاعر في استعارة ملامح كل منهما من الآخر في لون من ألوان التوق إلى التوحد.

     العدمية والإحساس بالزمن والعبث في الشعر الإماراتي

         درس الدكتور صالح هويدي العدمية بوصفها شكلاً من أشكال الرفض الاجتماعي في الشعر الإماراتي، فوقف وقفة متأملة مع مجموعة«أبعد من عدم»للشاعر الإماراتي أحمد منصور الذي ينتمي إلى جيل الشعراء الشباب الذين واكبوا الشعر الإماراتي الحداثي،وقد وصف مجموعته الشعرية بأنها تضم«تسعة وعشرين نصاً شعرياً تفاوتت في مستوياتها وأزمانها ودرجة تكثيفها أو سرديتها،لكنها التأمت جميعاً للتعبير عن عالم الشاعر ورؤيته له وعلاقاته ومظاهره؛مكاناً وزماناً وإنساناً وكائنات حية،ولعل أبرز ما يميز نصوص المجموعة أنها جاءت مسكونة بالسؤال المعرفي اللائب المستفهم عن رحلة الحياة والمعنى الرابض وراء تعب الروح،في تحليقها نحو سؤال المعرفة وقوانين الحياة الاجتماعية المفتقرة إلى موازين العدالة،وما يمكن أن يفضي إليه ذلك من تشظ وسأم وعزلة وانسداد للطريق وارتطام بجدار العدم وتقلب في آفاق عبثية لا نهاية لها.

    من هنا فليس عبثاً أن يخص الشاعر كازانتزاكي بإهداء مجموعته إليه،لتكون العتبة التي تمكن القارئ من الإطلالة على عالمه الشعري وتوجيهه نحو قراءة ما تخفيه البنية العميقة للمتن الشعري،لكن الإحساس بالعبث الذي يلوح مغلِّفاً نصوص المجموعة لم يكن ضرباً من الترف أو نزوعاً تجريدياً مظهرياً،بقدر ما كان يخفي وراءه بواعث اجتماعية وظروفاً قادت إلى تلك النتائج»)8(.

          وقد لفت انتباه الدكتور هويدي أن الشاعر أشاع ألوان العدم وطعمه في نسيج نصوصه الشعرية،مؤسساً له من خلال عدد من العلامات السيميولوجية والصور والألوان،فضلاً عن توظيفه معطيات السخرية والأسئلة المستبهمة ومظاهر الموت والمفارقة والأحداث المتناقضة بهدف تعميق الإحساس بهذا المعنى الذي غدا مستحكماً بقوانين العالم أجمع.

      وفي رصده لتقنيات البناء الفني بين الدكتور صالح هويدي أن الجملة الاسمية هي الغالبة من حيث الحضور،إضافة إلى ما يتصل بها من أشباه جمل على الجملة الفعلية،وهذا الأمر لا ينفصل عن مضمون التجربة الشعرية ودلالاتها التي انتهت إلى تعميق الإحساس بالعبث، وبانكسار الفعل الإنساني وانتهاء الشخصية إلى جدار العدم.

       في بحثه عن«تجليات الإحساس بالزمن في شعر إبراهيم الملا» ذكر الدكتور هويدي أن الشاعر إبراهيم الملا صاحب المجموعة الشعرية«تركت نظرتي في البئر» ينتمي إلى الفئة التي تضرب بسهم من الاجتهاد في كتابة قصيدة النثر إلى جانب شعراء آخرين ينتمون إلى المشهد الشعري الإماراتي،ويتميز النص الشعري لدى إبراهيم الملا بأنه يكتسي غلالة من الغموض تتراوح في مستوياتها بين الغموض الشفاف والغموض المعتم.

       ويقر الدكتور هويدي منذ البداية أنه ليس من السهل الكشف عن عالم التجربة الشعرية للشاعر من خلال مباشرة أولى لعالم النص لديه،وقد فسر هذه الصعوبة في قوله:«إن مرد الصعوبة في النفاذ إلى عالم الشاعر من القراءة الأولية إنما يعود إلى جملة من الخصائص الأسلوبية والتقنية التي يعتمد عليها الشاعر في بناء نصه،ومن بينها أن هذه التجربة تعلو على بعدها(اليومي)الواقعي،لتنطلق من خلال أفق رؤيوي يؤرق الشاعر دافعاً به إلى تأمل معضلات الحياة وسيرورتها بقلق واحتراس،نجد ذلك واضحاً على نحو خاص في قصائد مثل(غيوم طوطمية،من المنحدر،ما لا يرى،على الرخام،خفيفاً يلعب، ها أنت تمر،…ها هي الغيمة جسدك).

     ولعل الذي يعمق من غموض نص الملا احتشاد ذهن الشاعر بصور وأفكار عديدة،بحيث تبدو في صياغتها وكأنها متراكبة فوق بعضها أو أن بها حاجة إلى التخفف من اكتظاظها وتراكمها.

        أما على مستوى التقنية الفنية للنص،فإن للشاعر منهجاً ينحو فيه نحو تغييب المعنى القريب وتعويم دلالته،وصولاً إلى إيماءات توحي أكثر مما تشير وترمز أكثر مما تحدد،وتضبب أكثر مما تدلل.إلى جانب اعتماده أسلوب خلخلة علاقات البنية الداخلية و ما يترتب عليها من تغير في نسق البنية الدلالية،فضلاً عن أن لهذا التوظيف أبعاده السيكولوجية،من واقع رؤية شخوصه المعبرة عن دخيلتهم النفسية في النص.يضاف إلى هذا حرص الشاعر على الابتعاد عن الأنماط الجاهزة والكليشيهات التقليدية،وسعيه إلى إنتاج صور ورموز واستعارات خاصة به،ومعبرة عن تجربته الشخصية »)9(.

     وقد قدم الدكتور هويدي مجموعة من الرؤى النقدية عن مجموعة«تركت نظرتي في البئر» من أبرزها:

-طغيان الإحساس بالزمن لدى الشاعر،وهذا ما يتأكد من خلال جملة من اللوازم والتقنيات والصيغ والثيمات الموضوعية.

-الطابع الغالب على سيرورة الزمن هو الوقوف عند عتبات الذكرى التي بدت مفرداتها الدالة عليها حاضرة في عدد من نصوص المجموعة.

-غلبة حضور زمن المضي جاء ضمن إطار يبدو فيه أقرب ما يكون إلى الاحتراس والترقب منه إلى المشاركة الفاعلة في الحدث.

-ظهرت صورة الموت في نصوص الملا على أنها صورة تشمل الأجساد المادية الفانية والعواطف والأحاسيس معاً،وفي الوقت نفسه الذي تلف فيه المخلوقات كلها.

-يأتي الموت في نصوص الشاعر على الدوام في صورة إيقاع هادئ يختطف الكائنات دونما أجواء دراماتيكية.

-يتصل بصورة الماضي وإشاعة الإحساس حضور صورة الريح.

         أما مجموعة«كله أزرق»لخالد الراشد فقد درسها في إطار معالجته لموضوع«الإحساس بالعبث في التجربة الشعرية الإماراتية»،وقد وصف الشاعر الراشد بأنه من الشعراء الذين تعكس نصوصهم مفردات عالم شديد التعبير والدلالة على صاحبها،ومن أبرز الثيمات التي تحفل بها تجربة الشاعر ذلك الحضور الواضح للمرأة،حتى إنها كادت أن تشكل القاسم المشترك إذ لا يكاد يخلو نص من حضورها،وقد حضرت المرأة ضمن طقس وجداني وأجواء تنتمي إلى عالم الروح أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع الحسي،و هذا ما يفسر ارتباط هذا الحضور بمشهد النور وحركة الريح ورفيق الطير المرافق للمرأة.

        ووفق منظور الدكتور هويدي فنصوص مجموعة الراشد تنهض«على بنية تعبيرية تلقائية،تبدو في كثير من جوانبها كما لو أن منطق التداعي هو الذي يتحكم بها أكثر من تحكم البنية المنطقية وعنصر القصدية، ذلك أن ما تعكسه تجربة الشاعر هو الإعلاء من قيمة الانطباع(الكلي)الذي تتركه الصور والأساليب المستخدمة في ذهن القارئ أكثر من توسلها بآليات البناء المنطقي.فالقصيدة عند خالد الراشد تبدأ بفكرة بسيطة أو هاجس مألوف لتتنامى في شكل انطباعات أو مقاطع حكائية بطريقة تشبه في آلياتها طريقة تكوين كرة الثلج.من هنا فإن هذه تنحاز إلى لغة الواقع اليومي وعلاقاته ومنطق سرده الحكائي،مبتعدة عن الدخول في المسارب المعرفية والأفكار الكبيرة التي عرفتها كثير من التجارب الشعرية الحداثية»)10(.

       و في قراءته للتجربة الشعرية لخلود المعلا قدم الدكتور صالح هويدي مجموعة من الرؤى المتميزة،وركز على البعد الصوفي لتجربة العشق،ولاحظ أن تجربة الشاعرة في مجموعتها«ربما هنا»تعكس على نحو لافت حالة من التصدع في الأغشية الشفافة المحيطة بشخصياتها،وبدء خروجها من أماكنها الدفينة وعالمها الذي كانت شخصياتها فيه متصالحة مع نفسها والعالم الخارجي في آن معاً،واضطرار تلك الشخوص بسبب معاناتها إلى خوض مواجهة مع العالم الخارجي.

        وحينما تطرق إلى موضوع«التجريب وإشكالية التلقي في التجربة الشعرية الإماراتية» ذكر الدكتور صالح هويدي أن من بين أبرز من تجلت الظواهر التجريبية في شعرهم:أحمد راشد ثاني وحبيب الصائغ وثاني السويدي وعادل خزام وإبراهيم الملا،ولاحظ أن  محاولات التجريب التي ظهرت لدى بعض شعراء الإمارات لم تبلغ حدود المغامرة التي سلكها الشاعر محمد المزروعي،الذي يرى الدكتور هويدي أنه ذهب فيها إلى شأو بعيد أصبح فيها نسيج وحده،تقنية ولغة ومستوى تعبيرياً.

         وقد كرس البحث الأخير من الكتاب لدراسة حدوس الشاعر في التجربة الشعرية الإماراتية،و اختار الدكتور هويدي في هذا البحث أن يسلط الضوء على تجربة الشاعر عادل خزام الذي ينتمي إلى جيل الحداثة في الشعر الإماراتي المعاصر،ومن أبرز ما لاحظه في مقاربته لتجربته أنه بدا في نصوصه لا يني عن البحث عن مخرج مما بدا واقعاً منكفئاً،تارة بالرمز وأخرى بالحلم النكوصي وثالثة بالتمسك بتلابيب زمن الطفولة.

   الهوامش:

(1)  ينظر: تقديم الأستاذ الأديب سيف المري للكتاب،د.صالح هويدي:الخطاب الشعري الحديث في الإمارات-قراءات تطبيقية-،منشورات كتاب دبي الثقافية،الإمارات العربية المتحدة، ديسمبر،2010م،ص:4.

(2) ينظر: تقديم الأستاذ نواف يونس للكتاب المعنون ب«موضوعية علمية وذائقة جمالية»،  د.صالح هويدي:الخطاب الشعري الحديث في الإمارات-قراءات تطبيقية-،منشورات كتاب دبي الثقافية،الإمارات العربية المتحدة ديسمبر،2010م،ص:4.

 (3)د.صالح هويدي:الخطاب الشعري الحديث في الإمارات-قراءات تطبيقية-،منشورات كتاب دبي الثقافية،الإمارات العربية المتحدة ،ديسمبر،2010م،ص:15.

 (4) د.صالح هويدي:الخطاب الشعري الحديث في الإمارات-قراءات تطبيقية-،ص:17-18.

(5) د.صالح هويدي:المرجع نفسه،ص:30-31.

(6)  المرجع نفسه،ص:36.

(7)  المرجع نفسه،ص:51.

(8)  المرجع نفسه،ص:71.

(9)  المرجع نفسه،ص:87-88.

(10)  المرجع نفسه،ص:102-103.

قسم اللغة العربية بجامعة عنابة-الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here