الدكتور محمد بنيعيش: “تدافع الحقوق بين حرية التعبير المطلقة وحدود الملكية”

 

الدكتور محمد بنيعيش

أولا: الإنسان بين ثبات المبادئ ومنزلقات الذاتية المريضة:

إن الجريمة وعدمها هي من فعل الإنسان طبعا،أي إنسان وعلى أي انتماء واعتقاد كان،ومن هنا فقد جاءت الشريعة الإسلامية بالحدود والعقوبات لردع الجناة سواء أكانوا مسلمين أم غيرهم.كما أنه ينبغي أن لا يخلط بين رجل الأمن المتزيِّي بزيِّه الرسمي وبين المجرم الذي ينتحل شخصيته بالزيِّ الأمني المزوَّر ويدعي بأنه شرطي ومن رجال حفظ النظام.كما لا ينبغي أيضا أن يساوى بين الطبيب الحاذق والمتخصص في مجاله بلباسه الأبيض الناصع وبين المشعوذ والمنتحل صفة المعالج بينما هو في الحقيقة دجال وكذاب ومحتال ! إذ كلا الرجلين قد يدعي حفظ الأمن ويزعم الطب والعلاج بينما المجالان منهما براء كلا البراءة،براءة الذئب من دم يوسف،أفلا تعقلون؟.

من هذا المنطق فلا ينبغي أن يقاس بين المسلم المؤسس وصفه على السلم والمحبة والرحمة التي بشره وعلمه إياها نبينا ورسولنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبين المنافق والعدو الماكر والمندس، والجاهل والمجرم، المتزيي بزي الإسلام  والمتمظهر  بظواهره وأشكاله حركة وهيئة وتصنعا ! .فكم كان من منافق وعدو دخيل في هذه الأمة وما يزالون ينافسون المسلمين المتدينين والمخلصين،بل يزاحمونهم في المساجد والمجالس العامة ويتصدرون الواجهات،ومع ذلك فهم من أعدى أعداء الإسلام والبشرية جمعاء قد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على مخاطرهم والحذر منهم ،بل مقاومتهم كما في الحديث عن أبي سعيد الخدري”يخرج في هذه الأمة ،ولم يقل منها، قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم  يقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم ،يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فينظر الرامي إلى سهم نصله،إلى رصافه،فتمارى في الفُوقة هل علق بها من الدم شيء…”[1]،  حتى إنه صلى الله عليه وسلم، وبالرغم من خطرهم هذا فقد كان صلى الله عليه وسلم يتحرج في قتلهم أو التنكيل بهم ،وذلك حماية لوحدة الصف وسدا لأبواب الفتنة التي يمكن أن يدخل منها مثل هؤلاء المخربين إلى روح الأمة وإضعاف شوكتها .حتى  إنه لما كان بعض الصحابة يطالبه بتنفيذ حكم الشرع ظاهريا في المنافقين بسبب أخطارهم فقد كان يجيبهم بقوله الكريم ذي الأبعاد التاريخية والاجتماعية:”لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه”، [2]وفيهم يقول القرآن الكريم:(وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يوفكون)[3].

  و قد يمكننا مناقشة هذا الموضوع اختصارا بالتزامن مع هذه الوقاحة الفرنسية والغربية المفتعلة،برئاساتها المنحلة وذبابها وفيروساتها المجندة،والممعنة في الإساءة أخلاقيا واستفزازا جرثوميا للتابعين والمؤمنين بسيد الرسل وخير البرية صلى الله عليه وسلم، وذلك من الجوانب التالية وهي:

أ- حينما يقول الشخص: لدي الحق في أن أفعل كذا وكذا. فهو إما أن يفعل في ملكه الخاص أو في ملك غيره أو في ملك مشترك بينه وبين غيره ، فإذا كان في ملكه الخاص فقد يستساغ له نسبيا أن يقول لدي الحق أن أفعل فيه ما أريد، طالما لم يتجاوز حدوده إلى حدود الآخر ، كما تعرف الحرية بأنها تنتهي حيث تبتدئ حرية الآخر، وهذا يعني أنه لا توجد حرية مطلقة عند أي إنسان ما دام بجانبه كائن آخر ينافسه في الحيز والمكان و الزمان ، سواء أكان هذا الكائن إنسانا أو حيوانا أو حتى حشرة أو نباتا ما دام فيه نوع حياة .

 ب – فالحرية المطلقة لا تكون إلا لمن ليس له ند في الوجود و هذه الصفة ليست إلا لله الواحد القهار ، يفعل في ملكه ما يشاء (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون )[4] .ومن هنا فدعوى الغربي كما في الصحف والثقافة الفرنسية  وغيرها : أن لي الحق في أن أفعل ما أريد ! هي عبارة عن دعوى الألوهية المقنَّعة، أو ما يعبر عنه بالسوبرمان . و هو مفهوم !أسطوري (ميثولوجي)مقتبس من بعض الفلسفات الغربية التي تكرس مفهوم جنون العظمة الفاسد وعقدة النرجسية ، و المضفية على الإنسان الأوروبي طبائع الغلبة و القهر و ازدراء الآخر و معاداته أصلا  كمقولة هوبز ” الإنسان ذئب الإنسان ” واعتبارات الإنسان الآري…  وما إلى ذلك من مفاهيم الوجودية و الليبرالية المتوحشة والإباحية وغيرها.

ج – و إذا كان الشخص في ملك غيره وادعى الحق في أن يتصرف فيه كيف يشاء فهذا سيكون اعتداءا على حق الغير ، و النتيجة بعد ذلك هي التقاتل لا محالة . فإذا كان الغالب هو صاحب الملك فهو ذاك الحق المطلوب ، و إذا كان الآخر المترامي على ملك غيره فهو الظالم و الباطل المرفوض . ولا ينبغي اللعب على الألفاظ وتبرير مثل هذه الجراءة على الرسل والأنبياء عليهم السلام، بزعم أن الإساءة في الحقيقة تسعى إلى النيل من الرموز،والرموز  لا تدخل في حكم الإساءة إلى الأشخاص كما صرح به بعض الجهلاء !.

ثانيا: الحقوق والتدافع عند خصوصية الملكية وسمو الممتلَك

أ – إذ النبي أو الرسوله وخاصة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليس مجرد رمز ديني أو وهم تاريخي ،وإنما هو شخص حقيقي وواقعي له ذرية وأتباع وورثة عبر التاريخ والتراث المادي والمعنوي ،فالنيل منه بالسوء هو اعتداء على شخص وهو يقتضي أخلاقيا وقانونيا وشرعيا احترامه ولو كان ميتا ،وهذا ما تنص عليه الشريعة الإسلامية ويأمر به النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله:” اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ”.كما أن لورثته حقهم أيضا في الاحترام والتقدير بحسب نسبته إليهم،وإلا فإن القذف والسب والتشهير به هو تشهير بورثته المعاصرين ،والذين لهم الحق في مقاومة هذه الإذاية جهادا بالقول والفعل ،ومرافعة في المحاكم المحلية والدولية  على سبيل مقاضاة كل من يسيء إلى الأنبياء والرسل  وعلى رأس قائمتهم  سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين.

أما إذا كان المِلْك مشتركا فإن الحكم يكون باحترام المبادئ الجامعة للطرفين من أجل الاستفادة منه. و لا ينبغي لأحد التصرف إلا بإذن الآخر، و إذا تصرف بغير الإذن و فوت جزأه أو حقه أبطل الشرع أو القانون إجراءه و أعاد الملك كله إلى صاحب الحق الأصلي الذي لم يبد ل ولم يغير،وهذا نموذج الشفعة في  العقود التجارية والأملاك العقارية .

 ب – و مسألة الاعتقاد في الله و في الرسالات قد تخضع لهذه التقسيمات الثلاث و هي: أن تكون عقيدة شخصية أي محض اعتقاد فيما بين الشخص و معتقده ، و هذا له الحرية مبدئيا في أن يعتقد ما يشاء . مادام لم يخرجه أو يبديه تطاولا أو تشويشا على الآخر،لأنه لم يكن الإسلام أبدا يصادر النوايا ، وهو ما نص عليه القول الذي ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مرفوع: ” أمرت أن أحكم بالظاهر و الله يتولى السرائر ” وقوله:”إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس”وحديث” هلاَّ شققت عن قلبه؟ “في إنذار لصحابي تمادى في مقاتلة عدوه بعد أن أعلن الشهادة ظاهرا فرفضها منه بتأويل.وأيضا أن تكون عقيدة معلنة داخل وطن ما و محارِبة أو مناقِضة بالتحدي للاعتقاد الأصلي الذي عليه المجتمع بالعمل على تهديمه أو إفساد معتقديه،و هذا فيه تطاول و تهديد للاستقرار النفسي و الأمن العام ، فيكون من الواجب ردعه وإيقافه بالإقناع و السلطة معا !

ج – و الاعتقاد أو النسبة إلى رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي في  ملك المسلمين ، و لهذا فالتطاول و التجرؤ عليه بالسخرية و الاعتداء هو إذاية واعتداء على ملك الغير، و الذي يتطلب عقلا و شرعا الدفاع أو القتال من أجل الحفاظ عليه وحمايته من التهديم.ومن هنا فليس للآخر الحق في أن يقول لي الحق في أن أسخر من نبيكم أو أسبّه،لأنه بالمقابل والواجب فسنقول له: ونحن لنا الحق في أن نصفعك ونقاتلك و نقاتل أطفالك وقرابتك ، فسيقول ومن أعطاكم الحق في هذا إنه إرهاب؟ . فسنقول له: أليس السب إذاية و إساءة؟ فسيقول بالضرورة ، نعم ! . ثم نقول : أليس السب و السخرية تدعو إلى الغضب . فسيقول : نعم . إذن، فالغضب محرك للانتقام، والانتقام يكون بحسب مستوى الانفعال !!! ،و حيث إنك أججت الانفعال بإثارة الكراهية و الإذاية فيمن نحــــب و نعظم فبالضرورة سيكون ردنا بحسب انفعالنا بمحبوبنا منصبًّا غضبا و انتقاما ممن آذاه أو سخر منه . فقد يقول الساخر : لا يمكن المعادلة بين السبّ و القتال أو القتل . فنقول : كذلك لا يمكن المعادلة بين الإنسان والكلب . فحينما يعض الكلب الكلِب الإنسان فإن مصيره الضرب أو القتل. رغم أنها مجرد عضَّة.و ذلك لأنها قد تنتج مفاسد أكثر من حجمها. فكذلك سبُّ الأنبياء و الرسل من طرف من دونهم من البشر كرامة وأخلاقا و حرمة!

د –  إضافة إلى هذا فالمسألة أو الحكم و تبعاته قد يخضع إلى منطق البادئ: فالخير بالخير و البادئ أكرم و الشر بالشر و البادئ أظلم.و أنتم قد بدأتم بالشر فلا تنتظرون غيره مضاعَفا. وهذه المحاورات طرحناها على سبيل الاختصار  وكدعوة علمية إلى الحوار والتعقل،واتخاذ القرارت الحاسمة من طرف العلماء ومسؤولي الدول الممثلة للشعوب الإسلامية لردع هذا الصائل الفرنسي والغربي الشاذ،وذلك للحيلولة دون اتساع رقعة  التهييج والانتقام والانتقام المضاد والانزلاق نحو متاهات ،قد يستغلها بعض الذئاب السياسيين، لا علاقة لها بمنطق المتحضرين و العقلاء ولا بحكمة الإسلام وأخلاق النبي وسيرته صلى الله عليه سولم.

  كما تبين بأن الإنسانية عموما في هذا الزمان قدتكون أكثر  احتياجا إلى الدعوة للالتزام بالرسالة الإلهية التي لم تتغير ولم تتبدل لتفصل بين البشر. و هذه الرسالة المرشحة ليست إلا الإسلام  النقي غير المحرَّف ،والمعجز بقرآنه و سنة وأخلاق نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. يقول الله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر و تؤمنون بالله . ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم ، منهم المؤمنون و أكثرهم الفاسقون. لن يضروكم إلا أذى،و إن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون) [5].(لتبلون في أموالكم و أنفسكم و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا .و إن تصبروا و تتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)[6].

[1]  رواه البخاري في كتاب استتابة المرتدين

[2]  رواه البخاري ومسلم

[3]  سورة المنافقون آية4

[4]  سورة الأنبياء آية 23

[5]  سورة آل عمران آية 111

[6]  سورة آل عمران آية 186

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here