الدكتور محمد الموسى: ملاحظات حول بعض الجوانب القانونية المتعلقة بقرار الحكومة الأمريكية بشأن مدينة القدس

الدكتور محمد الموسى

بتاريخ 06/12/2017، أعلن الرئيس الأمريكي قراره بشأن الاعتراف بمدينة القدس كعاصمة للكيان الصهيوني. وقد كان لافتاً للانتباه حجم الانتقاد العالمي والإقليمي والوطني لهذا القرار، والتأكيد على أنه قرار يخالف القانون الدولي، والمواثيق والمقررات العالمية. وقد ذهبت الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها الصادر بتاريخ 21/212/2017، والذي تبنته بأغلبية 128 دولة وهي أغلبية واسعة، إلى بطلان وانعدام أي قرار يغير من طابع المدينة. وقد واضحاً التركيز الشديد من جانب المجتمع الدولي على عدم قانونية القرار، ما يعني أن الرأي العام والرسمي على الصعيدين العالمي والإقليمي في تعامله مع هذا القرار نظر إلى أبعاده القانونية كجزء أساسي في التعامل معه واتخاذ موقف رافض له. وبالفعل فإن القرار يخالف القانون الدولي المعاصر في أكثر من جانب وليس من زاوية قرارات مجلس الأمن وتوصيات الجمعية العامة فحسب؛ وهي الزاوية التي شكلت المرجعية القانونية الأساسية للمواقف الرافضة للقرار والتي أدانته بشدة وبصورة مطلقة.

إن قرار الولايات المتحدة بالاعتراف بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني يخالف القانون الدولي حتى لو كان مجرد تصرف انفرادي من جانب الولايات المتحدة. علاوة على أن هذا التصرف الانفرادي يتعارض مع مجموعة من القواعد الدولية الآمرة، وفي هذا السياق تثار جملة من الإشكالات القانونية حول الآثار التي تترتب على التنازع بين القرار الأمريكي وعدد من القواعد الدولية الآمرة. كما أنه يتعارض مع مبادئ راسخة تشكل قيماً أساسية للنظام القانون الدولي. وهو يخالف كذلك عدداً من الالتزامات الناشئة عن قانون المسؤولية الدولية. وإذا كان البطلان، لا بل الانعدام، هو الأثر القانوني الذي يترتب على هذا القرار في ظل قواعد القانون الدولي الوضعي النافذة فثمة تساؤل حول إمكانية تصحيح ذلك القرار وإنفاذه من جانب الدول أو الجماعة الدولية. وهو تساؤل يستحق البحث والإجابة عليه لأهميته الكبيرة في هذا السياق.

فهذه المقاربة القانونية للقرار الأمريكي ستتناول الجوانب المذكورة أعلاه ولن تعالج الوضع القانوني للقدس لأنها تنطلق من ثابت أساس وهو أن القدس كلها أراض محتلة وليس هنا مقام الرد على الأطروحات القانونية المخالفة لذلك. وختاماً فإنني سأسعى إلى تقديم حلول إجرائية قد تساهم في إبطال مفاعيل ذلك القرار، والرد عليه وتثبت حقنا كفلسطينيين في قدسنا كمدينة وليس كأماكن دينية ذات أبعاد روحية ودينية فحسب.

القرار الأمريكي: تصرف انفرادي خاضع للقانون الدولي

إن القرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني يعد بمقتضى القانون الدولي من قبيل التصرفات الانفرادية وفقاً للتعريف الوارد في أعمال لجنة القانون الدولي بشأن أعمال الدول الانفرادية، فقد أوضح المقرر الخاص للجنة بأن التصرف الانفرادي للدول هو إفصاح الدولة عن إرادتها الملزمة بترتيب أثر قانوني. فأي عمل يصدر عن الدولة سواء أكان تشريعياً أم تنفيذياً أم قضائياً يعد من قبيل الأعمال الانفرادية للدول ما دام يرتب أثراً قانونياً على الصعيدين الدولي أو الوطني، خاصة إذا كانت التصرفات والأعمال الانفرادية الوطنية تستهدف التأثير على علاقات قانونية دولية. وبالرجوع إلى القرار الأمريكي المتعلق بالقدس، فإنه لا شك قرار اتخذه الرئيس الأمريكي على المستوى الداخلي ويخص الولايات المتحدة ونظرتها إلى وضع مدينة القدس، ولكنه بالمقابل يهدف إلى التأثير في الوضع القانوني الدولي للمدينة وإلى إكساب الكيان الصهيوني إقليمياً (هو مدينة القدس بالطبع) لا سيادة لها عليه وهو محتل بصورة غير مشروعة من جانبها. ومن شأنه كذلك أن يمس بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وفي إقامة دولته.

 فالقرار الأمريكي هو قرار يخضع لجهة صحته، ومشروعية وآثار للقانون الدولي ولا يقبل القول بأنه قرار  داخلي ويخص الولايات المتحدة ويندرج ضمن قانونها الوطني. وينبغي التأكيد في هذا السياق على أن القانون الدولي من حيث المبدأ ينظر للأعمال التشريعية، والتنفيذية والقضائية الوطنية على أنها مجرد وقائع مادية على المستوى الدولي ولا ترتب آثاراً قانونية في النظام القانوني الدولي ما لم تكن متفقة معه ولا تخالفه. ولكن القرار الأمريكي المتعلق بالقدس ليس مجرد قرار وطني محض وآثاره في الأساس تهدف إلى إنشاء وضع قانوني دولي وليس داخلياً، فيكون استثناء من تلك القاعدة ويعد تصرفاً انفرادياً دولياً خاضع من

حيث مشروعيته وآثاره للقانون الدولي.

قرار مخالف لقواعد دولية آمرة

يستطاع القول بوضوح أن القرار الأمريكي الخاص بالقدس يتعارض مع عدد من القواعد الدولية الآمرة، وبالذات الحق في تقرير المصير، وتحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة والمساواة في السيادة بين الدول. وإذا كانت فكرة القواعد الآمرة ظهرت في القانون الدولي التعاهدي مع اعتماد نص المادة (53) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات المعقودة بين الدول لعام 1969، فإنها لا تقتصر على ما تبرمه الدول من معاهدات دولية فحسب ولكنها تشمل كذلك سائر التصرفات الدولية بما فيها التصرفات الانفرادية للدول. وليس هنا المقام ولا المكان المناسب لمناقشة التفاصيل القانونية لهذه المسألة الشائكة والمعقدة، وما يهمنا في هذا السياق هو أن هناك أدلة وأسانيد قانونية تدعم خضوع تصرفات الدول الانفرادية للقواعد الآمرة، وأن البطلان هو حكم تعارض تلك التصرفات مع تلك القواعد. وقد أكدت لجنة القانون الدولي في تقريرها الصادر في العام 2018 بشأن القواعد الآمرة هذه الفكرة القانونية وذهبت إلى أن التصرفات الإنفرادية التي تخالف قواعد آمرة تكون غير مشروعة وفقا للقانون الدولي.

فالقرار الأمريكي المتضمن سلب مدينة القدس من أصحابها الشرعيين يتعارض مع قواعد آمرة أهمها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وتحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة. فهذا القرار سيفضي إلى إكساب الكيان الصهيوني إقليماً معنياً، وهو مدينة القدس، على حساب الشعب الفلسطيني وسيكرس كذلك وضعاً نشأ من جراء الاحتلال الصهيوني للمدينة. وإذا كانت صلاحية اكتساب الإقليم في القانون الدولي تعد من ضمن السلطات السيادية للدول إلا أن تلك السلطات يجري وقف العمل عندما تتعارض ممارستها مع قواعد دولية آمرة. فالقرار الأمريكي، وإن كان يعد ضمن ممارسة السلطات التقديرية والسيادية للولايات المتحدة، هو قرار منعدم ولا أثر قانوني له لتعارضه مع قواعد دولية آمرة تشكل جوهر النظام القانوني الدولي المعاصر. وهنا أستذكر ما قاله أستاذ القانون الدولي السويسري المميز(شارل ده فيشر) من أنه عندما يحرم القانون الدولي استخدام القوة تحريماً مطلقاً فلا يمكن مطلقاً الإفادة من المنافع التي تتأتى منجراء الاستخدام غير المشروع للقوة لأنها ليست منافع مشروعة ولم تنبع من أساس قانوني سليم.

إن الممارسة الدولية متواترة على بطلان وانعدام سائر الآثار التي تنشأ عن الاستخدام غير المشروع للقوة. وهذه الممارسة لا يغيرها القرار الأمريكي، بل بالعكس هو يتعارض معها، ويغدو بالنتيجة باطلاً. والأمر ذاته يقال بالنسبة لتعارض القرار مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. فعوضاً عن أن تفي الولايات المتحدة بالتزاماتها المستمدة من القانون الدولي العمومي باحترام حقوق الشعوب فإنها تخل بحقوق الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره. فالاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية بما فيها الضفة الغربية ومدينة القدس باطل بموجب القانون الدولي. وهذا ما أكده مجلس الأمن في قراره رقم 672(1990)،  وهو القرار الذي اعترض عليه الكيان الصهيوني على أساس أن شرق القدس تحت سيادته وليس أرضاً محتلة كما وصفها المجلس. وعلى الرغم من مرور مدة زمنية طويلة على احتلال أراضينا الفلسطينية، فما زالت تلك الأراضي تعد محتلة، وما زال الكيان الصهيوني يعتبر قوة احتلال وفقاً لقرار مجلس الأمن المذكور ولرأي محكمة العدل الدولية الاستشاري الخاص بالجدار الفاصل.

وهذا الموقف تعززه كذلك المادة(47) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تؤكد على عدم قانونية التدابير والإجراءات التي تستهدف ضم إقليم محتل أو المستندة إلى ذلك الضم. وكما لاحظ الأستاذ (جون كويغلي) فإنه على الرغم من الآراء المعارضة لهذا الموقف من كل من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة فإن الخطوات المتخذة من جانب الكيان لضم القدس بما فيها الجزء الشرقي منها ليست صحيحة، وتظل المدينة محتلة. وهو قول ينطبق على القرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني، ويفضي إلى النظر لذلك القرار على أنه منعدم وليس له أي أثر قانوني.

ومن جهة أخرى، أشارت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري المتعلق بالجدار الفاصل أن الآثار التي تترتب على التصرفات الانفرادية المخالفة لتحريم الاستيلاء على الأراضي بالقوة وللحق في تقرير المصير، هي الأخرى تكون منعدمة. فقد أشارت إلى أن الإجراءات التشريعية والإدارية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة يجب أن يتم النظر بها في سياق الانعدام والبطلان المطلق. وقد لاحظت المحكمة انعدام القوة القانونية للإجراءات الصهيونية التشريعية والإدارية الهادفة إلى تغيير الوضع القانوني لمدينة القدس بعد احتلالها بما في ذلك الاستيلاء على الممتلكات، والأراضي ونقل السكان. وكذلك القانون الأساسي الذي استهدف ضم المدينة. وأشارت المحكمة كذلك إلى قرار مجلس الأمن رقم 478 (1980)، وخلصت إلى انعدام القانون الأساسي الإسرائيلي الذي جعل من القدس عاصمة كاملة وموحدة للكيان الصهيوني. وكذلك انعدام التدابير الإدارية والتشريعية التي مست أو ستمس بالوضع القانوني للمدينة المقدسة في القدس.

بالإضافة إلى ما سبق، قامت محكمة العدل الدولية في قضية الجدار الفاصل بفحص طريقة تعامل مجلس الأمن مع سياسات الكيان الصهيوني وممارساته الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وانتهت إلى أنها هي والمجلس يعتبران تلك السياسات والممارسات بأنها تشكل انتهاكاً خطيراً وجسيماً لنصوص اتفاقية جنيف الرابعة، وخاصة المادة (49) منها. فضلاً على أن مجلس الأمن-كما أشارت المحكمة-أكد في قرارته 446 (1979)، و452 (1979) و465 (1980) على أن تلك المستوطنات غير مشروعة. واستنتجت المحكمة في النهاية أن هذه الأعمال كلها منعدمة، وليس لها أي أثر قانوني بتاتاً على الوضع القانوني للأراض المحتلة بما فيها شرق القدس وأن الكيان الصهيوني يبقى فيها قوة احتلال وليس له أي صفة شرعية ولا مشروعة في تلك الأراضي.

الولايات المتحدة تخل بما بدر عنها بسوء نية واضح

من المبادئ الأساسية و العامة في القانون الدولي المعاصر مبدآن هما: حسن النية ومن سعى إلى نقض ما بدر عنه فسعيه مردود عليه(estoppel) . وهما يتقاطعان من الناحية العملية والنظرية. وعلى أي حال، فإن الولايات المتحدة التي ملأت الدنيا صراخاً منذ (24) عاماً بأنها وسيط في المفاوضات بين العرب والصهاينة، وأنها راعية عملية السلام وتسعى إلى احترام حقوق الشعب الفلسطيني لم تحترم ألبته ذلك كله، وليس الآن فحسب ولكن طيلة ما سمي بعملية السلام ولكنها توجت سوء نيتها في القرار المتعلق بالقدس.

وبالعودة إلى انتهاك الولايات المتحدة لمبدأ حسن النية، فإن الدول المشاركة في المفاوضات، حتى بما فيها الدولة الوسيطة، لا يكفي منها أن تلتقي وتتشاور وينبغي عليها أن تتفاوض بحسن نية. ويقتضي مبدأ حسن النية من الوسطاء والمتفاوضين أن تراعي بشكل معقول حقوق ومصالح بعضها البعض. كما ينبغي عليهم جميعهم أن يستهدفوا إيجاد حل ودب للنزاع وإنهاءه بما لا يخالف الحقوق الأساسية والراسخة في القانون الدولي. وبمعنى آخر، يستدعي حسن النية أن لا تكون الوساطة و المفاوضات عملية ذات معنى لا شكلية أو عبثية.

من الواضح أن القرار الأمريكي المتعلق بالقدس يحول دون تحقيق مقتضيات مبدأ حسن النية وأهمها العمل على تغيير الوضع القانوني للأراضي المحتلة بما فيها مدينة القدس بصورة منفردة خلافاً للقواعد المعمول بها في القانون الدولي، ومن شأنه يحول دون التوصل إلى حلول تتفق مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

أما فيما يخص مخالفة القرار المتعلق بالقدس مبدأ “من سعى إلى نقض ما بدر منه فسعيه مردود عليه”، فإن القرار – كما كرنا – يعد تصرفاً أو عملاً انفرادياً من جانب الولايات المتحدة التي سبق لها أن قدمت تعهدات بأنها لن تعبث بالوضع القانوني للأراض الفلسطينية المحتلة، وأنها ستحترم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على أراضيه. وبهذا يكون ما بدر منها في قرارها الخاص بالقدس مخالفاً لتعهداتها السابقة ويكون سعيها الذي تستهدف تحقيقه من وراء هذا القرار مردوداً عليها ولا قيمة له. وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في قضية التجارب النووية (أستراليا/فرنسا) في العام 1974.

ويضاف إلى أن ذلك أن الاعتراف الدولي محكوم كذلك بمبدأ “من سعى إلى نقض ما بدر منه فسعيه مردود عليه”، فالولايات المتحدة في قرارها المتعلق بالاعتراف بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني، إلى جانب أن اعترافها يخالف قواعد آمرة دولية ويشوبه الانعدام، قامت بنقض تعهدات سابقة لها بأنها ستحترم الوضع القانوني للأراضي المحتلة وبأنها تسعى إلى إيجاد تسوية عادلة للنزاع العربي-الصهيوني وفقاً للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

القرار يخالف التزامات ناشئة عن قانون المسؤولية الدولية

وفقاً لقانون المسؤولية الدولية، وبالأخص لمواد “مسؤولية الدول عن أفعال غير مشروعة دولياً” الذي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2001، تكون الدول مسؤولة عن أي عون أو مساعدة تقدمه لدولة أخرى لارتكاب فعل غير مشروع دولياً. وتلزم الدول كذلك بالتعاون في سبيل وضع حد، بالوسائل المشروعة، ولأي إخلال خطير بالتزام ناشئ عن قاعدة دولية آمرة وبعدم الاعتراف بشرعية وضع ناجم عن ذلك الإخلال الخطير. وهذا ما أكدته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري المتعلق بالجدار الفاصل، حيث أشارت إلى المادة(41) من “مواد مسؤولية الدول عن أفعال غير مشروعة دولياً وإلى التزام الدول بعدم الاعتراف بقانونية أوضاع نشأت عن انتهاكات خطيرة لقاعدة آمرة وبعدم تقديم أي عون أو مساعدة للإبقاء على هذا الوضع. فالولايات المتحدة ملزمة بموجب قانون المسؤولية الدولية بالتعاون لإزالة آثار ضم الكيان الصهيوني للقدس وإنهاء الوضع غير القانوني الناشئ عن احتلاله للمدينة، وبعدم الاعتراف بذلك الوضع والامتناع عن تقديم أي عون أو مساعدة للكيان الصهيوني ترمي إلى إدامة احتلال المدينة.

وإذا أنعمنا النظر في القرار الأمريكي في ضوء الالتزامات السابقة، وبالذات الالتزام بعدم الاعتراف بالوضع الناشئ عن احتلال الكيان الصهيوني للأراضي الفلسطينية بما فيها مدينة القدس، فإنه يمكن القول من الناحية العملية أن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني يعد اعترافاً باطلاً لمخالفته قواعد دولة آمرة، وبالنتيجة فإن هذا الاعتراف لن يعد مختلفاً. وأكثر من ذلك فإنه لم يقع ابتداءً من الناحية القانونية. ولذلك يمكن القول بأن الالتزام بعدم الاعتراف أشمل من مجرد عدم الاعتراف بالوضع القائم في مدينة القدس كمدينة محتلة، وهو يشمل عدم إبرام معاهدات مع الكيان الصهيوني بشأن القدس، وعدم إرسال أو استقبال مبعوثين دبلوماسيين وقناصل وعدم إقامة علاقات اقتصادية وتجارية مع الكيان الصهيوني لها علاقة بالأراضي المحتلة بما فيها القدس. وبالطبع عدم إسباغ أي أثر قانوني على الأعمال التشريعية، والإدارية والدستورية الصادرة عن السلطة غير القانونية.

فالولايات المتحدة انتهكت باعترافها بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني سائر تلك الالتزامات، وهي تساهم في إدامة الوضع غير القانوني في المدينة وتقدم عوناً للكيان الصهيوني للإبقاء على انتهاكاته الجسيمة للقانون الدولي فيما بما في ذلك الاستيطان وتهويد المدينة. وتجدر الإشارة إلى أن المحاكم الوطنية في بعض الدول (إيطاليا واليونان) لم تمنح الدولة التي انتهكت قواعد دولية آمرة حصانة قضائية تجاه دعاوى مدنية أقيمت لديها ضد الدولة المنتهكة لأنها رأت أن في منحها مثل تلك الحضانة عوناً لها. ورغم أن محكمة العدل الدولية في قضية الحصانات القضائية للدولة (2012) رفضت ذلك الموقف من المحاكم الإيطالية إلا أنها لم تشر إلى حجة تلك المحاكم برفض الحصانة القضائية لألمانيا ولكنها اعتبرت أن الحصانة القضائية للدولة هي قاعدة إجرائية تمنع النظر في النزاع ابتداءً. وقد كان حكم المحكمة الدولية محلاً لانتقادات كثيرة.

قرار غير قابل للتصحيح بإجازة لاحقة أو بتفسير ملائم

يثار تساؤل مهم حول القرار الأمريكي المتعلق بالاعتراف بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني وهو: هل يمكن أن يتم تصحيحه بإجازة لاحقة من قبل الدول أو الجماعة الدولية بعمومها؟

إذا كان مقبولاً في القانون الدولي جواز تصحيح التصرفات الانفرادية المتعلقة بالتزامات شخصية أو فرديا للدول من خلال إجازة لاحقة، فإن ذلك ليس وارداً بالنسبة للتصرفات الانفرادية التي تنتهك التزامات عمومية أو تتعلق بمصالح الجماعة الدولية من قبيل الالتزامات الناشئة عن قواعد دولية آمرة.

إذاً، ليس مقبولاً قانوناً تصحيح القرار الأمريكي من خلال وسائل للإجازة اللاحقة مثل الرضا، والاعتراف والتنازل والتقادم. فاعتراف الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني هو اعتراف منعدم قانوناً، وإذا قامت دول أخرى بإجازته لاحقاً من خلال سلوك منفرد يصدر عنها فإن ذلك لن يكون له أي أثر قانوني، ولن يشكل ممارسة دولية تقبل بصحة ما جاء فيه. ولكن هل يحق للجماعة الدولية بعمومها أن تقر ما جاء بذلك القرار؟

إن هذا الافتراض ليس له أساس قانوني كذلك، فالقرار الأمريكي ينطوي على انتهاك لقيم أساسية للجماعة الدولية. وإن قامت الجماعة الدولية بقبوله سيكون بمثابة تعديل لقواعد آمرة وليس وارداً لا عقلاً ولا منطقاً أن تلغي الجماعة الدولية قاعدة الحق في تقرير المصير وتحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة.

قصارى القول هي أن القرار الأمريكي ليس له أي أثر قانوني، وأنه لا يصلح أساساً أو سنداً لترتيب وضع فعلي سينقلب إلى وضع مشروع مستقبلاً. وأنه لا يجوز الخوض في تفاصيله، والبحث في تفسيره أو تأويله بصورة تتفق مع القواعد القانونية الدولية. فقد شرع البعض، وبالأخص الفريق المتماهي مع ما يسمى بعملية السلام، بالترويج لفكرة أن القرار لم يشر إلى القدس كلها، وأنه تضمن الإشارة إلى عدم المساس بالوضع القائم للمدينة، وأنه يمكن تفسيره على أنه يشمل غرب القدس دون شرقها.

إن القرار الأمريكي – كما اتضح من تحليلنا القانوني له – هو قرار منعدم، أي أنه ليس له وجود قانوني، ولهذا السبب لا مجال للخوض في تفسير مراميه ونطاقه. كما أن البدء بالاختلاف حول دلالاته والمقصود به، ومحاولة التوصل إلى تفسير مناسب أو معقول له تنطوي على إقرار ضمني به، وعلى السعي لتكريس مضمونه كأمر واقع بالرغم من عدم مشروعيته وانعدامه. وأستذكر هنا ما قيل في أثناء المداولات والنقاشات المتعلقة بصياغة ” تصريح بلفور”، حيث جرت صياغته بطريقة مبهمة على أساس أن الواقع ومواقف الشعوب هي التي ستحدد نطاق ” التصريح”  أو “الوعد” وأبعاده ومضمونه، وإن كان سيفضي إلى دولة يهودية في فلسطين أم لا. ومن اللافت للانتباه كذلك أن التاريخ يكرر ذاته، فالعبارات التي جرى إدراجها في القرار الأمريكي حول الإبقاء على الوضع القائم في القدس ليست أكثر من عبارات تضليلية غايتها تمرير ما جاء في القرار، واسترضاء العالم العربي الشعبي.

وماذا بعد؟

وماذا بعد؟ هذا هو السؤال المهم والذي يتكرر دائما. ماذا بعد صدور القرار؟ وماذا بعد التأكيد على عدم مشروعيته وانعدامه؟ وهل ثمة أمل من قانون دولي ما زال متأثراً بالإمبريالية وبالمفاهيم والأطر النيوكولونيالية (الاستعمارية الجديدة).

سأبدأ من السؤال الأخير لأؤكد أنه يجب الدفاع عن قانون دولي عادل وأخلاقي، وأن القانون الدولي المعاصر يتضمن على عناصر وركائز حيوية تكفل إقامة نظام قانوني عادل يحترم سيادة الدول وحقوق الشعوب ويحرم العدوان والاستيلاء على أراضي الغير. وأرجو ألا يفهم من الفكرة هذه أن الوقوف بوجه قرار الأمريكي لا يكون إلا من زاوية القانون، بل بالعكس فإنني أعتقد أنه من الخطأ التركيز على الأبعاد القانونية للقرار فحسب أو تحويل الموضوع إلى موضوع قانوني محض لأن في ذلك تسطيح وتبسيط لقرار خطير بأبعاده ومراميه شأنه شأن ” تصريح بلفور” ؛ إذ ينبغي التصدي للقرار سياسياً، وثقافياً، وقانونياً ونضالياً وشعبياً وجماهيراً، فالتاريخ لن يكون رحيماً معنا وسيسائلنا أحفادنا عن موقفاً من هذا القرار المصيري. ولكن بالمقابل يبقى للأبعاد القانونية للقرار دور مهم في تعضيد التصدي الجماهيري، والشعبي، والسياسي والأيديولوجي له. في الواقع، ينطوي القانون الدولي على العديد من الإمكانات والآليات المتاحة أمامنا كفلسطينيين، وبالطبع كعرب، للتصدي لهذا القرار. من بين أبرز الخطوات التي ينبغي القيام بها في هذا السبيل الآتي:

أولاً: من الضروري أن تقوم الدول من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة بالطلب إلى محكمة العدل الدولية باستصدار رأي استشاري يتعلق بمدى مشروعية القرار الأمريكي في القانون الدولي المعاصر.

ثانياً: مناصرة موقف دولة فلسطين العضو في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بالطلب إلى تلك المحكمة أن تحرك دعوى ضد سائر المسؤولين في الكيان الصهيوني عن جرائم الاستيطان والاستيلاء غير المشروع على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس. وهي مسألة محورية في سياق التصدي للقرار الأمريكي لأن المحكمة الجنائية الدولية ستقوم بالبت باختصاصها المكاني بشأن جرائم الاستيطان في مدينة القدس؛ وهي ستعلن بالتأكيد اختصاصها، الأمر الذي يعني أن القدس هي أراض فلسطينية محتلة.

ثالثاً: الاستفادة من الفرصة التي توفرها النظم القانونية الوطنية في بعض الدول مثل إيطاليا واليونان، خاصة وأن محاكمها أوقفت العمل بالحصانة القضائية للدولة في الدعاوى التي أقامها أجانب أمامها ضد دولة أجنبية ارتكبت انتهاكات جسيمة لقواعد دولية آمرة، وإقامة دعوى للمطالبة بالتعويض ضد كل من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة عن انتهاك حق الشعوب في تقرير المصير وعدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وعدم تقديم أي عون في هذا المجال. ونستذكر في هذا السياق أن الولايات المتحدة ذاتها أخذت بهذا الاتجاه في نظامها القانوني، وبالأخص في قانون (جاستا) الذي أجاز للمتضررين من أعمال إرهابية أن يقيموا دعاوى أمام المحاكم الأمريكي ضد دول متورطة بتلك الأفعال أو قدمت عوناً لمرتكبيها. وأعمال الإرهاب هي بالطبع انتهاكات جسيمة لقواعد دولية آخرة، وهو ما قد يبرر استثناءها من نطاق الحصانة القضائية للدول.

رابعاً: العمل على استصدار قرارات من سائر المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة تؤكد على أن القدس هي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة وأنها عاصمة الدولة الفلسطينية وأن السيادة عليها هي للشعب الفلسطيني. وقرارات كهذه لن تكون غير ذات جدوى، بالعكس فإن لها قيمة وأهمية كبيرتين لأنها تعبر عن إرادة الجماعة الدولية بأن القدس هي أرض محتلة وأن أسانيد السيادة التي يتذرع بها الكيان الصهيوني على المدينة وأهمية وتخالف قيم الجماعة الدولية ومرتكزاتها الأساسية.

خامساً: ويتعين كذلك العمل على نشر ما جاء في الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية المتعلق بالجدار الفاصل، وبالذات ما يتعلق منه بمسؤولية كل من مجلس الأمن، والجمعية العامة ودول العالم كلها بتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير وإنشاء دولته على كامل التراب الفلسطيني.

سادساً: محاصرة القرار الأمريكي في المحافل الدولية جميعاً للحيلولة دون أن يصبح كقرارات أخرى أمراً واقعاً، وعدم الدخول مطلقاً في أية محاولة تستهدف تفسير القرار، أو تأويله، أو حتى تعديله فهو قرار منعدم وليس له أي وجود قانوني بمقتضى القانون الدولي.

سابعاً: الاستفادة من النتائج القانونية التي ترتبت على الاعتراف بفلسطين كدولة، وعن قبول عضويتها كدولة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي مقدمتها أن الدولة الفلسطينية تحدد حدودها وفق القانون الدولي وليس وفق الاتفاقيات والمعاهدات وما يرتضيه أطرافها. وبالنتيجة فإن الاستيطان في هذه الأراضي بما فيها القدس هو من قبيل الغصب والتعدي. وإقامة دعاوى أمام المحاكم الفلسطينية على المستوطنين للحصول على قرارات قضائية بإخلائهم وتعويض المتضررين جراء قيامهم بغصب أراضي مملوكة لفلسطينيين.

ثامناً: تحميل الولايات المتحدة وأية دولة أخرى تقبل صراحة أو ضمناً ما جاء بالقرار الأمريكي المتعلق بالقدس آثار المسؤولية الدولية وفقاً للقانون الدولي وبحسب آليات قانونية مدروسة وإمكانات يتيحها هذا القانون فعلاً.

وختاماً، فمن الضروري الإشارة إلى أن ما قيل أعلاه بشأن مدينة القدس ينطبق على أية محاولة لشرعنة ضم أراضي الضفة الغربية والجولان المحتلة منذ عقود. وكما قيل سابقاً فإن القانون لوحده ليس هو الوسيلة الوحيدة، وربما كذلك ليست الأهم في إطار تحرير أرضنا السليبة وقدسنا الشريفة، ولكنها وسيلة أساسية ولا غنى عنها ضمن مشروع التحرر العربي –الفلسطيني؛ وتساهم في نزع الشرعية عن وجود الكيان الصهيوني وتعريته هو وداعميه، والأهم أنها تصوب بوصلة النظام القانوني الدولي نحو احترام مبادئه وقيمه الأساسية وتنقذه من براثن الإمبريالية وتحالف أثرياء المال و الشركات لحساب إنصاف الشعوب، ونمائها، وتحررها و استقلالها. فالمقاربة القانونية الموضوعية والوطنية للقضية الفلسطينية بما فيها مسألة القدس قد تساهم في الكشف عن طبيعة هذا الكيان العنصرية،الإحلالية والاستعمارية، وهذا الأمر يشكل هاجسا يحسب له قادة الكيان ألف حساب وحساب.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here