الدكتور عماد البشتاوي: حركة حماس والانتخابات وتجربة “حزب الله”

 

 

الدكتور عماد البشتاوي

يبدو أن حركة حماس ستدخل الانتخابات الفلسطينية القادمة – في حال إجرائها – مكرهة , أو على أقل تقدير ليس كما خططت وأرادت, لا من حيث التوقيت ولا من حيث الطبيعة , فقد أرادتها منذ البداية انتخابات شاملة و متزامنة: تشريعية و رئاسية و منظمة التحرير الفلسطينية . فما الذي جرى لتتراجع حماس عن كل ذلك, و تقبل بانتخابات مرحلية مجزأة متتالية ؟ وسيكون الرد بأنها الضمانات الخماسية  المقدمة من (تركيا , قطر,مصر,الأردن , روسيا) , بالإضافة للدعوات الأوربية و الأمريكية .

إلى أي حد ستكون “الدول الضامنة” أو “الداعية و الداعمة”  قادرة وراغبة في إلزام ومراقبة الطرفين بتنفيذ هذا “الاستحقاق ” المتأخر منذ أكثر من عشر سنوات, ولماذا استفاقت هذه الدول الآن , وأي قوة تمتلكها , وأية رؤى ومصالح ستحكم سياساتها تجاه الانتخابات الفلسطينية. ومن ناحية أخرى ما هو دور هذه الدول في حال تراجع أحد الأطراف الفلسطينية عن التزاماته و تعهداته, أو في حال جاءت النتائج على غير ما تهوى و ترغب .

باستعراض سريع لمواقف هذه الدول,  سنجد أنها منحازة بشكل أو بآخر لطرف على حساب الآخر,  ومن هنا فان تحركاتها سواء قبل أو أثناء أو ما بعد الانتخابات  سيكون  ضمن هذا السياق, أم أنكم تنظرون للدول ولأنظمتها السياسية كملائكة أو جمعيات خيرية إنسانية,  تغدق الأموال والأخلاق والنصائح بعيداً عن حساباتها السياسية. لاسيما واننا نعرف وندرك  تماماً مواقف هذه الدول من العملية الانتخابية و الديمقراطية بشكل عام , وحركات الإسلام السياسي على وجه الخصوص .

إن الخيارات أمام حركة حماس  في الانتخابات القادمة , وبعيداً عن الوعود أو الوعيد , تتمحور حول احتمالات أقصاها الفوز بالانتخابات التشريعية و الرئاسية و منظمة التحرير الفلسطينية و هو خيار مستبعد بشكل كبير, ليس بسبب عدم قدرة حماس على ذلك الفوز  , وإنما لخضوع الشأن الفلسطيني لمعادلات داخلية و إقليمية معقدة , إلا إذا كانت هناك حسابات ومشاريع سياسية مستقبلية  للقوى الإقليمية و الدولية بهذا الاتجاه .

الاحتمال الثاني توقف  الانتخابات بعد مرحلتها الأولى أو الثانية (التشريعي)  أو( الرئاسي ) ,و بالتالي سندخل في ثنائية الصراع ما بين السلطتين التشريعية و التنفيذية  , وهذا ما سيعيدنا إلى العام 2006 -2007 , أو بقاء الوضع على ما هو عليه الآن , أي الاستمرار في  الانقسام  الجغرافي و السياسي, وكأننا بكل طرف قابل و قانع بهذا الانقسام و الاقتسام . وفي حال سيطرت حماس على السلطة الوطنية الفلسطينية بشقيها التشريعي و الرئاسي مع عدم إجراء انتخابات المجلس الوطني, فسيدور نزاع ما بين سلطة وطنية  تحت قيادة (حماس ) و منظمة التحرير الفلسطينية تحت قيادة (فتح ) .

 وحول هذا الاحتمال تحديداً سيتمحور  السؤال الجوهري , ما الفائدة  إذن من الانتخابات ؟ إذا لم تكن حلاً أو مدخلاً لحل الأزمة في النظام السياسي و المشروع الوطني الفلسطيني , لمواجهة الصعوبات و التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية و على مختلف الأصعدة. وبالتالي ستكون الانتخابات و كأنها عملية شكلية هدفها تجديد الشرعيات , و الخروج من مأزق الضغوطات الخارجية , دون تقديم أية تنازلات باتجاه  المصالحة  و تحقيق الوحدة الوطنية .

الاحتمال الآخر و بغض النظر عن فوزها أو خسارتها , فستجد حركة حماس  نفسها مضطرة لاستنساخ تجربة حزب الله في لبنان – من حيث تدري أو لا تدري , ترغب أو لا ترغب – من أجل استعادة الوحدة الوطنية بحدها الأدنى عل الأقل .  حيث  تتنازل حماس شكلياً عن قطاع غزة مع الاحتفاظ  بالسلاح  , والنأي بالنفس بعيداً عن منظمة التحرير الفلسطينية واتفاقياتها و التزاماتها. و بالتالي تجد حماس مخرجاً – لنفسها و للرئيس محمود عباس – من الضغوط  الإقليمية و الدولية , و التي من الواضح أنها تدفعهم دفعاً للانتخابات , و لاسيما الإدارة الأمريكية الجديدة بزعامة بايدن , التي يبدو أن الانتخابات و تجديد الشرعيات بهذا الوقت و التوقيت ,هو مطلبها و مدخلها ,لإعادة العلاقات مع السلطة الوطنية الفلسطينية .

 إن محاولة نقل  تجربة حزب الله من قبل حركة حماس , مرتبط  بمدى رغبتها و قدرتها على ذلك , من حيث انخراطها بشكل أو بآخر في النظام السياسي مع احتفاظها بسلاحها – مع الإقرار بالتباين  ما بين الوضعين الفلسطيني و اللبناني –  حيث ان مسألة سلاح التنظيمات الفلسطينية في قطاع غزة , كان و مازال أهم العقبات التي تحول دون المصالحة و الوحدة الوطنية . ولكننا نتساءل هنا هل تقبل القوى الداخلية الفلسطينية و الإقليمية و الدولية بهذا الخيار أو تسمح به أو تسكت عنه ,  لاسيما ونحن نتابع الضغوطات التي تمارس على لبنان  داخلياً و خارجياً بفعل سلاح حزب الله.

إن المشكلة الحقيقية  التي واجهت المشروع الوطني هي الخروج من مربع حركات التحرر مع عدم الوصول إلى الدولة , فلو بقينا كحركة تحرر لكان موضوع السلاح غير قابل للنقاش , و لو وصلنا إلى الدولة فلا داعي لسلاح التنظيمات, ولكننا وجدنا أنفسنا في منزلة بين المنزلتين , و من هنا فنحن بحاجة إلى صيغة تحمي السلاح وتحقق الهدف.

  إن حركة حماس  ستجد نفسها أمام خيارات صعبة سواء شاركت بالانتخابات أم لم تشارك , فازت بها أم خسرتها. ومن هنا فان هناك محاولات جدية لتشكيل قائمة موحدة بين حركتي فتح وحماس , من أجل الخروج بمعادلة (رابح رابح ) للطرفين ضمن نسب و آليات متفق عليه .

وبالمحصلة النهائية فان حماس لن تتخلى عن هيمنتها على قطاع غزة , بغض النظر عن نتيجة  الانتخابات , طالما أنها تملك أكبر قوة عسكرية .

أستاذ العلوم السياسية

جامعة الخليل – فلسطين

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. موضوع السلطة السياسية بالنسبة لحماس موضوع معقد ويتطلب مسؤوليات كبيرة حماس في غنى عنها
    كانت حماس حرة اكثر ومرتاحة وهي ترى نفسها حركة مقاومة وطنية إسلامية لا تتحمل اي مسؤوليات تخص المجتمع الفلسطيني ولا مسؤوليات تخص الاعتراف بالعدو الصهيوني

    \لست مؤهلا لنصيحة الاخوة في حماس فهم ادرى مني بظروفهم وخططهم ومشاريعهم السياسية والجهادية، ولكن لوكنت انا المسؤول في ظل الظروف الحالية فاني اخوض الانتخابات البرلمانية بعدد محدود دون النصف، فابقى مشاركا ومحتفظا بحق الرقابة والسائلة والتشريع، ولا اترشح لمنصب الرئاسة الذي غالبا سيكون من نصيب فتح تحديد، واذا كان لا بد من الترشيح فلا باس من ان ترشح حماس احد اصدقائها على ان لا يكون محسوبا عليها بالكامل.
    المقاومة والثبات بالنسبة لحماس وللشعب الفلسطيني أولى واهم بكثير من مكاسب سياسية سطحية لا تقدم ولا تؤخر.
    ولعل في تجارب لبنان وتونس ومصر ، وتجربة حماس نفسها مع السلطة /سلطة عباس اكبر العبر في جدوى انتخابات تحت حراب الاحتلال.

  2. تناقض حماس مع نفسها أمر يجب أن ينتهي. فلو فازت بالانتخابات في الضفة فكيف ستتعامل مع المحتل؟ هل ستنسق معه وبهذا تعترف به. أم سيتم حصار الضفة الغربية كما هو الحال في غزة؟؟ على حماس ان لا تترشح للانتخابات وعلى السلطة الفلسطينية وعلى من يفوز في الانتخابات ان يتعهد علنا بعدم المساس بسلاح المقاومة. هنا تكمن قوة السلطه في أي مفاوضات وينتج الفلسطينيون المعادلة الصحيحة : سلاح المقاومة هو نتيجة للاحتلال والضم وبناء المستوطنات . عندها سيكون في يد رئيس السلطة ورقه رابحة.
    أما ضمانات الدول الخمسة فهي حبر على ورق.. فهل يعقل ان تقف مصر مع حماس وهي تحاصر غزة بسببها؟ وهل تخضع إسرائيل لاي معايير دولية او إقليمية. ومن ناحية أخرى لم ولن توافق السلطة بشخوصها الحاليين – وفي مقدمتهم الرئيس عباس – على نجاح حماس ولن يتخلى عن السلطة ولهذا من الافضل لحماس ان تحتفظ بماء الوجه وتعود الى الخنادق . وينبغي ان لا يترشح الرئيس الحالي محمود عباس ورجالاته لاي إنتخابات – لا كبر سنهم – وإنما لثبات فشلهم سنه بعد أخرى. فهم لم يحققوا أي إنجار لا على المستوى السياسي ولا الاقتصادي ولا الاجتماعي . عليهم أن يخجلوا من انفسهم ومن شعبهم ويرحلوا غير مأسوف عليهم. وعلى حركة فتح ان تختار بين السلطة والتنسيق وبين فلسطين.

  3. من الغريب المؤلم في مواقف التنظيمات الفلسطينية على اختلاف مسمياتها انها تنتمي لكل شئ الا فلسطين والقضية الفلسطينية
    قد اكون مخطئا واتمنى ان اكون كذلك فليس من المعقول ان نجزئ هذه القضية بين اتجاهات مختلفة وزازع لا ترمي الى الجوهر بل هي تعبر عن الانتماءات الخارجية التي تدعم وتمول لهذا لن نجد واحدة من هذه التنظمات قادرة على تحرير فلسطين ولن تكون الا بشرط واحد ان تغرس ارجلها في تراب فلسطين وان تستمد عملها من رغبة شعب يتأمل ان يجد القيادة التي تأخذ بيدة …

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here