الدكتور عماد البشتاوي: الانتخابات الفلسطينية: الضرورة والاحتمالات والتداعيات

الدكتور عماد البشتاوي

تعود هذه الأيام  نغمة جديدة و متجددة حول  الانتخابات الفلسطينية , وكأنها المنقذ و المخلص للمشروع الوطني . هل هي الحل أم المدخل إلى الحل؟ أم أنها الهروب إلى الأمام؟

أسئلة ملحة كثيرة وكبيرة تتمحور حول الانتخابات  الفلسطينية القادمة – إن جرت و اكتملت – من حيث توقيتها و ضرورتها و تداعياتها .

ما بين الاتفاق على الانتخابات و استصدار مرسومها و إجرائها و استيعاب نتائجها و تداعياتها, نحن بحاجة إلى سنة على أقل تقدير. هل نحن نعيش حالة من “ترف”  الوقت للقيام بهذا “الاستحقاق” ونحن نواجه ما نواجه من تسارع خطير يعصف بقضيتنا , بل و بوجودنا و كينونتنا ,من محاولات إسرائيلية أمريكية و صهيونية عربية.

ان الأولوية للمشروع الوطني الفلسطيني صياغة برنامج وطني نضالي منطلقاً من الوقع الفلسطيني و العربي , معتمداً على قواه و إمكانياته الذاتية مثلما فعل في الانتفاضة الأولى, التي شكلت نموذجاً يحتذى لحركات التحرر في العالم , من حيث قيام الشعب الفلسطيني بالتصدي للجيش الإسرائيلي بصدره العاري  , و باقتصاده المقاوم البعيد عن الرفاهية و الإسراف , و بقيادته الوطنية  الموحدة  المستندة للشرعية الثورية المستمدة من الميدان بعيداً عن الانتخابات .

بعيداً عن التفاؤل أو التشاؤم سنحاول أن نقرأ الانتخابات من حيث الطبيعة و التوقيت و الأطراف المعنية  . فمن حيث توقيت الدعوة للانتخابات أو لإجرائها  فمن المؤكد أنه ليس بالتوقيت المثالي أو المناسب   بسبب حجم الأخطار الحقيقة المحدقة بنا و من مختلف الاتجاهات , سيقول البعض أنه من أجل كل  ذلك نحن بحاجة للانتخابات , وأنا أقول أنه و بسبب كل ذلك و كسباً للوقت و الجهد  ومنعاً لتكرار و استنساخ أخطاء الماضي – التي من المؤكد أننا لم نتعلم منها وهذا واضح من الواقع الذي نعيشه و نعايشه –  فلا جدوي من هذه الانتخابات في هذه المرحلة .

 أما من حيث طبيعتها فستكون شاملة  ولكن بطريقة تدرجية و تدريجية  , حيث أنها ستبدأ بانتخابات المجلس التشريعي تليها الرئاسة ثم المجلس الوطني الفلسطيني و السؤال هنا لماذا ؟    للوهلة الأولى فإننا نتوقع ان هذا التتالي و التوالي  هدفه التدرج في إعادة بناء الثقة , و ترميم ما تركته  سنوات الانقسام من آثار على المجتمع و النظام السياسي الفلسطيني . ولكن ما هي الضمانات لأطراف الانقسام في عدم  توقف الانتخابات عند مرحلتها الأول أو الثانية . ستكون الإجابة بانها الثقة و التفاهمات المتفق عليها .

 فإذا كانت الثقة و التفاهمات  بين الأطراف الفلسطينية هي الفيصل  فلماذا إذاً  لا تجري الانتخابات الشاملة باستحقاقاتها مرة واحدة ونعتبر ذلك بداية حقيقية لبناء نظام سياسي ديمقراطي مستمر و دائم , بما ان الثقة و التفاهمات هي سيدة المرحلة .

من يضمن للشعب الفلسطيني عدم العودة للمربع الأول أي عام 2006 و ما ترتب على ذلك من انقسام عام 2007 الذي ما زلنا نعاني من آثاره حتى يومنا هذا . واذا جرت المرحلة الأولى للانتخابات ( المجلس التشريعي ) و فازت حركة حماس بها , مع وجود الرئيس محمود عباس على رأس السلطة الوطنية الفلسطينية , أي سيناريو سيكون للمرحلة اللاحقة للانتخابات , و كذلك للعملية السياسية و التسوية السياسية , هل سنستكمل باقي مراحل الانتخابات أم نتوقف عند المرحلة الأولى ؟ أم ان كل فريق سيبدأ بالتفكير و التخطيط للانقلاب على المرحلة و على الشريك السياسي , و نبدأ بالنزاع و التنازع على الصلاحيات و البرامج و السياسات و التحالفات و التوازنات و الموازنات .

هل المرحلة الأولى في الانتخابات ” المجلس التشريعي ” ستنقل سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية على قطاع غزة فعلياً و ليس شكلياً , بمعنى السيادة الكاملة و الحقيقية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ؟ و إذا كانت الإجابة ب نعم لماذا لا تتم الآن تمهيداً “للاستحقاق الديمقراطي ” و ”  تطميناً ” للشارع الفلسطيني بأننا جادون و ماضون في تصحيح مسار الماضي ,و ترميم ما أفسدته سنوات الانقسام . و إذا كانت الإجابة ب لا ما الفائدة من انتخابات لا تضمن و لا تحقق السيادة الفلسطينية على كامل الجغرافيا الفلسطينية , بل على العكس تماماً سنضيع المزيد من الوقت و الجهد و الجغرافيا ,  في وقت نحن في أمسّ الحاجة إلى كل ذلك .

وفيما يتعلق بدور وعلاقة الدول – لاسيما الإقليمية –  فمن البدهي القول ان موضوع  الانتخابات الفلسطينية مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر ب :  إسرائيل و مصر و تركيا والسعودية و الأردن  وقطر  وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية, ولا بد لنا هنا من التوقف عند مواقف هذه الدول أولاً من فكرة عقد الانتخابات , وكذلك من نتائجها .

ان كل المؤشرات و الدلائل تشي لنا بان طبيعة ومكان عقد الحوارات في تركيا و استكمالها في قطر تعطينا رسائل وإشارات و إيماءات حول الزمان و المكان .  ولا بد لنا هنا من التوقف عند مواقف هذه الدول أولاً من فكرة عقد الانتخابات , وكذلك من نتائجها  , وكل ذلك بعيداً عن التصريحات الإعلامية والعلنية  بان قرار الانتخابات هو قرار فلسطيني مستقل دون أية مؤثرات أو تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة .

اذا كان قرار الانتخابات أو المصالحة بشكل عام هو قرارنا المستقل , هل كنا بحاجة للذهاب الى تركيا و قطر تحديداً ؟ لماذا لم نعقد حواراتنا و نتخذ قراراتنا في داخل الوطن , و لا أتوقع ان هناك أية مشكلة في التواصل و الاتصال مع كل هذا التقدم التكنولوجي.

وفيما يتعلق بنتائج الانتخابات فلا ضمانات لاحترامها : فلسطينياً وعربياً وإقليميا ودولياً لأن كل طرف من هذه الأطراف سينظر لها من منظور حساباته الخاصة و مصالحه .

وأخيراً نستطيع القول ان الانتخابات الفلسطينية – ان جرت واستكملت – فمن الممكن ان تكون جزءاً من الحل و ليست الحل أو طريق الخلاص كما يتوهم – أو يحاول البعض أن يوهمنا – لكنها بالتأكيد ليست هي الحل لأن البداية  يجب أن تنطلق من الاتفاق على الاستراتيجية الوطنية الواحدة المدركة للأخطار المحدقة بنا , وابتكار الأدوات اللازمة و الفاعلة في هذا الاتجاه .  لن تكون حركة التحرر الوطني الفلسطيني استثناء بل استكمالاً و استمراراً لحركات التحرر الوطني في العالم , التي نالت استقلالها بالإستراتيجية الوطنية التي صاغتها و صنعتها قيادتها , و ليست عبر الانتخابات , إن الشرعية الثورية  تستمد من الميدان و ليس من صناديق الاقتراع .

أستاذ العلوم السياسية

جامعة الخليل – فلسطين

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here