الدكتور عبدالمهدي القطامين: ثلاثون يوما من العزلة

الدكتور عبدالمهدي القطامين

لم تأت ….انتظرتك طويلًا عددت أيام العام يومًا فيومًا فهل نسيت ….. كان وجه أمي …كان كلامها الذي اعتدته وبسمتها التي يلوح منها العتاب … مددت لها يدي ها أنا ذا يا أماه خذيني بحضنك الدافئ ….اقتربت منها أكثر وأكثر، فتحت ذراعي لكنها مضت مسرعةً لم أرَ سوى أطراف ثوبها بينما كانت تصعد ….تصعد …. ملهوفًا محفوفًا بالدهشة  ملتحفًا بخيبتي حاولت إدراكها …وتذكرت في زحمة بحثي عنها أنها رحلت …نعم قبل أعوام ثلاث ألقيت نظرة الوداع عليها كان جسدها المسجى لم يزل طريًا كما اعتدت رؤياه وثغرها لم يزل باسمًا .

كان من عادتي أن أزورها …أزور قبرها أجثم على ناصية القبر، أبوح لها بعض ما أثقلتني به الليالي، تجهزت للقائها ارتديت ملابسي، تعطرت، أدرت محرك السيارة وانطلقت، هناك على ناصية الشارع  يقف شرطيٌّ لوح بيده لأتوقف، ركنتها جانبا … ترجّلت… تقدمت منه تصنعت الابتسامة بادرني بقوله : إلى أين ؟

: ذاهبٌ لزيارة أمي فهي تنتظرني هناك  ، وأشرت بيدي نحو الشمال

:  ألا تعلم أن السلطات منعت الحركة ، ألم تسمع بذلك؟

: بلى …سمعت ولكن، لقد زارتني البارحة ووعدتها أن أزورها اليوم.

بدت عليه علائم التعجب والدهشة والحيرة…. ثمّ أخذ يرددُ:

ماذا تقول يا رجل…؟ زارتك البارحة واليوم تريد زيارتها أهو لغز أم ماذا….. ؟

عدت أدراجي إلى المنزل …

كل الذين مررت بهم في طريقي يضعون كمامات على وجوههم وقفازات بأيديهم ، يمرون مهرولين….. قليل منهم من يلقي السلام وأكثرهم يبدو كمن حط الطير على رأسه …حين دلفت إلى المنزل تلقفتني زوجتي بنظرة بدت باهتة صفراء وأخذت تتمتم:

كنت واثقة  أنك ستعود …. ترى  ما الذي جعلها تثق كل هذه الثقة …؟؟؟؟ رفعت صوت التلفاز بينما راح الناطق الرسمي باسم الحكومة يعلن أنّ الحظر ما زال مستمرًا، وأنّ عدد الإصابات بلغ ثلاث عشرة إصابةً … رمقت زوجتي التي استقرت في زاوية الغرفة تبحث في الأدراج عن وثيقة طلبها منها رئيسها في العمل…  أردت أن أصرخ بأعلى صوتي …لماذا لم تخبريني أنّ الحظر ما زال قائمًا، كنتُ أظنّه انتهى ، تشاغلت عني في البحث مرة أخرى فلم أسأل ولم أنتظر أي جواب …ألقيت الكمامة على الطاولة، سكبت قليلًا من السائل الذي وضعته فوق الطاولة مسحت يدي و وجهي ذهبت إلى المكتبة التي تقع في الطابق الثاني ، أخذت أقلب الكتب الموجودة ، كان أولها كتاب يبحث في علم النفس والمنطق ….ليس وقته الآن …أحتاج إلى رواية أعيش مع أبطالها ، “مائة عام من العزلة ” كانت تنظر إليّ بسخرية من الرف الواقع في منتصف المكتبة أحسست أنّ لها لسان راحت تمده تجاهي وهي تبتسم …

اللعنة ، حتى أنت تعاندينني ….ثلاثون يوما من العزلة وقد تعبت الروح فكيف بمائة عام ..اتّق الله يا ماركيز …اتّق الله يا رجل …ومن ذا الذي يعمر مائة عامٍ حتى يمضيها في العزلة …كان الكتاب الذي يليه ..  “أحياء في البحر الميت ” قفزت صورة “مؤنس ” أمامي فجأة….تذكرته …تذكرت طوله الفارع وابتسامته التي تبدو مليئة بالتعب والعناء …. تذكرت أول مرة التقينا معًا …كنت عائدًا من الفرقة الرابعة حيث أعمل مجندا لخدمة العلم ، وقد كتبت يومها قصيدة مجدت فيها الحكومة ولم أعلم حتى الآن لماذا كتبتها ، دلفت إلى مكتبة أمانة عمان في وسط عمان القديمة ، في الطابق الثاني كان منكبًّا على ورقة أمامه وكان يكتب “يوميات جمعه القفاري “

قلت : مرحبًا أنا فلان وأنا من معجبيك ومتابعيك …. نهض متثاقلًا…   مدّ يده مصافحًا …دفعت إليه بالورقة التي اسودت أطرافها قرأ أول بيتين منها ….. هز رأسه قليلًا وبهدوء عجيب قال :

: ما الذي دفعك لتكتب هذه القصيدة العصماء…؟ وفي الحكومة أيضًا…؟!

عجزت عن الإجابة، لم أجد ما أجيبه به…

تناول علبة سجائر “الريم ” التي أمامه وسألني

:  هل تدخن..؟

قلت : نعم

: إذن هيا إلى خارج المكتبة ندخن سوية

قلت له وهو يمدّ سيجارة الريم من علبته

: ومَنْ جمعه القفاري هذا الذي (دوشتنا) فيه ؟

بحبور واضح هزّ رأسه متسائلًا : هل قرأت ما نشرت من حلقات في الدستور ؟

: نعم قرأتها كلها

: جمعة …. جمعة … رددها مرتين … لقد أتعبني جمعة ،  ولكنه رمز للمواطن العصيّ على التدجين…. جمعة الطيب المنتمي لوطنه الذي لم يتاجر فيه ولم يسمسر … جمعة هو النّقي الذي حمل الوطن في قلبه وقاتل رغم ضيق الحال …. جمعة يا فتى يشبهنا تمامًا ، ذات ملامح وجوهنا ، ذات جيوبنا الفارغة التي ما امتلأت بحرام ، جمعة هو النقي في زمن ملوث، ولكن ….  أحياء في البحر الميت يا مؤنس … إنه بحر الموت ، فمن أين أتيت بأحيائه …..عدلت عن فكرة القراءة تمامًا في ذلك اليوم وأخلدت إلى النوم بينما راحت مذيعة الجزيرة تسرد أعداد الموتى في أرجاء العالم وبإمضاء فاعلٍ واحدٍ هو ….كورونا.

_____________________________________

استيقظت على صوت ابنتي الصغرى ” كندة ” ، جاءت حاملةً في يدها ورقةً وبفرحٍ غامرٍ قالت وهي تدفع بورقتها لي

: انظر ، ماذا رسمت …. كان هناك ثلاثة أشخاص على الورقة بينما كانت السماء تضم رسمة واحدة عرفتها على الفور …إنه هو…نعم هو كورونا الذي نشر رعبه في كل العالم وببراءة طفولية قالت… هل سيقتلنا هذا المرض يا ابتي ضممتها لصدري وهمست لها:

   إنه يقتل الضعفاء فقط أما الأقوياء فلا

ردت:  وهل نحن أقوياء …

: نعم يا ابنتي… نعم …أقوياء،  ولكن ينبغي الحذر والحيطة؛ فهو مرض غادِرٌ، قد يتسلل على حين غفلة…. والآن اسمعي… عند المساء سأروي لك قصة جميلة ….

: عن ماذا يا أبي …

: عن سعدى التي انتصرت على المرض …

:  ومن سعدى يا أبتي …

أجبتها: إنها الناجية الوحيدة .

________________________________________

لم يكن أحد في الحي يدرك منذ متى والمسكينة “سعدى” تستوطن براكيتها المنتصبة على ناصية شارع فرعي في الحي …حتى كبار السن إذا ما تحدثوا عنها كانوا يقولون :قالوا إنها هنا منذ زمن بعيد لا تخالط أحدا ولا يخالطها أحد….ثم يردفون

:مسكينة هذه المرأة …مقطوعة من شجرة ..لا والد ولا أم ولا ولد ولا حفيد … ولكن كيف نبتت هنا في هذه البلدة …؟

     يروي أحد كبار السنِّ أنهم فوجئوا ذات يوم ببراكيتها تنصب من قبل أحد عمال النظافة …وشاهدوها تدخل المكان تتأبط بعض حوائجها ثم تغلق الباب الخشبي خلفها .

أفاقت صبيحة يومٍ لترى المئات من أبناء الحي يتدافعون إلى الأسواق ، كانوا يعودون محملين بحاجيات متعددة ..أكياس من السكر والأرز والخبز والخضراوات …. لفت انتباهها ما يحملون من كميات …نادت على أقرب المارّين:

ماذا جرى يا خالة .. أراكم محملين بكل شيء…؟!

التفت أحدهم مستغربًا وكان ينوء تحتَ حمله الثقيل …وضع حمولته أرضًا …التقط أنفاسه …حدق في وجهها المتغضن قائلًا:

إنه المرض يا خاله … مرضٌ قادمٌ من الشرق والغرب معا يحاصرنا بلا هوادة وقد يطول الحصار …

تركت بابها مواربًا وعادت إلى سريرها المتهالك …. وقع خطاهم وهم يمرون تباعًا تدقُّ الأرض بوضوحٍ ..نداءاتهم ترتفع …(جبت) السكر يا ولد …؟؟ هل نسيت الجبنة …؟؟ وماذا عن الأغراض التي طلبتها أمك …؟؟ هل أحضرنا كل شيء …؟؟ مَنْ منكم سمع الأخبار اليوم …؟؟    كم عدد من توفى…؟؟  وكم عدد من أصيب …؟؟ رحمتك يا رب… رحمتك يا رب…

مرّ وقتٌ لم تعلم كم أشرقت فيه شمس وكم غابت … !! لم يطرق باب براكيتها أيّ طارق … لم يسألها أحد هل تحتاج شيئا …؟! ما اعتادت عليه وعلى سماعه بشكل يومي هو ذهابهم وإيابهم للأسواق، وتساؤلاتهم التي تطرق سمعها عن نهاية المرض، متى تكون ومتى سينحسر… ؟!

صباحٌ جديدٌ كانت شمسه لاسعةً، إذ توسطت كبد السماء …لم تسمع أيّ نداءاتٍ، ولم تحسّ بأيّ حركةٍ للّذين يمرون … دفعت باب براكيتها وأطلت…لا أحدَ في الشارع … سكونٌ غريبٌ يخيّم على الحَيّ ..مَرَّ من فوقِها غرابٌ متّجهًا صوب جنوبي البلدة .

رددت : ” فالَ الله ولا فالك “

سحبت عصاها من تحت سريرها الخشبي المتهالك .. وببطء نزلت درجات البراكية الثلاث …واتجهت نحو السوق … لم تلمح أحدًا …!!   ولم تسمع أي صوت أو نداء …!! بعض القطط كانت تتقافز بين حاويات النفايات ..وأسرابٌ من الغربان تتجه جَنوبًا بينما علا نعيقها …   أحست برائحة الموت تجول بين أروقة الحي وأسواقه …جثت على ركبتيها متوجهة للسماء مردّدةً:

أغثني يا مغيث …. أغثني يا مغيث ….

: وهل نجت وحدها يا أبي ….قالت ” كندة”

قلت : هكذا تقول الحكاية ، لكن البعض روى أن كل من التزم من أهل البلدة قد نجا أيضا … فجأة أقبلت زوجتي علي وهي تثني على قرارٍ لوزارة الثقافة يعلن دخولها معركة الحرب على كورونا عبر إطلاق مسابقاتٍ منوعةٍ لكلّ الأعمار ثم تساءلت لماذا لا تشارك …؟؟           استحسنت الفكرة وقلت …رب ضارة نافعة .

______________________________________

تحلقنا حول القطايف في ذلك المساء ، وبين صياحٍ يأتي من هنا طالبًا القطر ، وهتافٍ آخر من هناك يطلب حبةً محشوّةً بالجوز ، وآخر يريدها محشوة بالتمر ، سمعت في التلفاز حوارا يدور بين شخصيات المسلسل أحدهما يؤكد أن دولة إسرائيل المسكينة تعاني من عداء محيطها العربي وأنها دولة بريئة … أعدت حبة القطايف من حيث أخذتها وبذهولٍ سألت: هل سمعتم ما سمعت …؟!         لم يجب أحد، يبدو أن لا صوت علا آنذاك على صوت معركة القطايف الدائر رحاها… لم تعد لديّ رغبة للأكل …. وحدهما العجب والاشمئزاز كانا سيدا الموقف …. تذكرت قافلة الشهداء جميعهم  ، راحت صورهم تترائى أمامي…كان دمهم الزكي يفوح …خرجت إلى حديقة المنزل محوقلًا مستغفرًا، لكن أحمق آخر خرجَ بعد قليل ليزيد من حنقي وغضبي… كان شخصًا ملتحيًا يرتدي شماغًا مهدّبًا، كل ما فيه بدا عربيًّا: الوجه اليد اللسان، لكن منطوقه لم يكن كذلك انتفخت اوداجه وهو يسترسل  : لقد كانت فلسطين كذبة كبرى انطلت على شعوبنا ….ليس هناك دولة اسمها فلسطين لقد دفعنا الغالي والرخيص من أجل كذبة كبرى اسمها القضية الفلسطينية ….المحطة ذاتها تقطع الحوار ثم تقدم دعاية عن منظف يزيل البقع العنيدة ….لو تيسر لي الاتصال مع القائمين على المحطة لسألتهم: ألا يوجد لديكم منظف يليق بهذا النكرة الذي ألقى جانبًا كل قيمه وأخلاقه ودينه ليوهي تاريخًا حافلًا بالدم المراق لتعود القدس عربية الوجه واليد واللسان ….؟؟؟؟ كنت على قلق كان الريح تحتي كما قال ” أبو الطيب ” ذات مساء في حلب …هرعت الى قلم الرصاص الذي أعشق الكتابة فيه وكتبت “

“هذا موطن الشهداء”

    هذا وطنٌ منذورٌ للشهداء منذ اعتلى “فروة بن عمرو الجذامي ” مقصلة الموت على يد عامل الروم قرب ” عفرا ” وقد صدق دعوة الرسول العظيم القادمة من جزيرة العرب وآزرها وعلى مقصلة الموت راح ينشد :

ولست أبالي حين أقتل مسلما

على أي جنب كان في الله مصرعي

ثم أسلم الروح وهو يردد كلمة الإسلام الخالدة لا إله إلا الله .

مرورًا بسيف الله ” ابن الوليد ” على أبواب مؤتة وقد حمل الراية بعد الشهداء الثلاثة الذين حملوها من قبله بعنفوان الرجولة كي لا تسقط… ” زيد وعبدالله وجعفر ” الذين كانوا بين ميمنة الجيش وميسرته ورأس حربته صقورًا يحومون فكانوا هدفًا للغزاة .

    هذا وطنٌ منذورٌ للشهداء منذ أقسم ” كايد المفلح العبيدات ” أن لن يمر الغزاة إلا على جثتي وكان له ما أراد ومنذ اعتلى ” فراس العجلوني ” صهوة طائرته مناورًا في سماء السلط مقسمًا أن الموت ليس سوى لحظة بين إغماضه عين وانتباهتها وأن الخلود هو ما صنع .

هذا وطنٌ منذورٌ للشهداء منذ اعتلى ” منصور كريشان ” دبابته وظل يقاتل حتى آخر قذيفةٍ ليرتقي للسماء مضرّجًا بدمه الزّكي ومنذ أطلق ” خضر شكري يعقوب ” نداءه الخالد:

الهدف موقعي …ارموا على بركة الله …. ليرتقي للعلى فارسًا لم يلوِ عنان فرسه إلا متحيّزا لفئة أو متأهبًا لقتال .

هو وطنٌ منذورٌ للشهادة حتى ارتفع للسماء ” سائد ” على أبواب قلعة الكرك .

______________________________________

سألني صديقي عندما التقينا معًا قرب بقالة تبيع الخبز

:     هل شاهدت دراما رمضانية ؟!

أجبته بالنفي : كلّا

لكنه تابع : أليس وظيفة الفن أن يكون مناصرًا للذوق السليم..؟!      أليس الفنّ موجهًا للعامة مؤازرًا للفضيلة…؟؟!!

قلت: بلى إني أراه هكذا يا صديقي … وأرى أن يكون كذلك ….. استرسل صديقي في حديث طويل عن الفن والثقافة حتى انتبهت إلى أن موعد الإفطار قد اقترب فاعتذرت منه على أن نكمل حديثنا مرة أخرى .

________________________________________

حين أطل وزير الصحة ذاك المساء بدا باشًّا فرحًا وهو يؤكد أن المملكة سجلت حالة وبائية صفرية للمرة الثالثة ، نشوة غامرة أحسست بها فقد بدأت إجراءات الناس والحكومة تؤتي أكلها وبدأنا نحس بالأمان المشوب بالحذر طامعين في أن نعود إلى حياتنا الطبيعية مرة أخرى فثمة الكثير من المواعيد التي اغتالتها الجائحة والخوف الذي بنى له عشًّا في الصدور … بدا العالم الخارجي مجنونًا أكثر … كان الموت يسير في الطرقات والمباني والحارات وغصّت المستشفيات بالآف مؤلفة تصارع من أجل البقاء …كان الأكثر إثارة أن أنظمةً صحيةً عالميةً – كانت مضربا للمثل- بدأت تتأرجح تترنح بل وسقطت في العديد من الدول، كل دولةٍ مشغولةٌ بلملمة جراحها واستنفار قوتها لتحقيق الانتصار على المرض الغامض القادم من الشرق كما قال رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم ….

في مستشفى عالمي بدأ الأطباء والممرضين يسدلون الغطاء على الجسد المسجى أمامهم بعد أن اسلم الروح ..امرأة ثمانينية قضت بالفايروس لكن الطبيب المشرف على العلاج طلب من كادره الاتصال بأبناء المتوفاة لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليها ….على الطرف الآخر من الهاتف كان ابن المتوفاة يجيب بعصبية واضحة ….لن نأتي لها ….أنتم ادفنوها …. حاول كادر المشفى المتصل أن يوضح للابن أن وصية الوالدة كانت أن يراها أبناؤها ….لكن ابنها قطع الاتصال… نظر الطبيب بأسى إلى الجثة المسجاة …أزاح الغطاء عن وجهها ..ألقى عليها نظرة الوداع الأخيرة ثم قال: واروها الثرى ، لا فائدة…..

________________________________________

بعد مرور ثلاثة أسابيع على الحظر، والبقاء في بيوت تحاصر الحركة والسكنة،  أطل على شاشة التلفاز وزير الثقافة معلنًا عن حزمةٍ من النشاطات ( موهبتي من بيتي )…بدأ الاطفال الذين استوطن أنفاسهم الحظر يتسابقون للتعبير عما يجول في خواطرهم الصغيرة …استل بعضهم الفرشاة وراح يرسم…. آخرون تسابقوا لنظم الشعر وكتابة القصة،  بعضهم توجه نحو التمثيل .. كانت هي المرة الأولى التي تدخل وزارة الثقافة الخطوط الأمامية في المواجهة….بحثت عن صديقي الذي سألني عن جدوى الفن والثقافة في حياة الناس كنت أريد أن أقدم له الإجابة الشافية على تساؤله .

____________________________________

لن أنسى ذلك اليوم أبدًا …كانت سيارات الجيش وناقلاته تنفتح على مدينة ” إربد ” بعد أن رصد فيها بؤرة فايروسية …كان أمر الدفاع واضحًا … الحظر والبقاء في البيوت هو الحل، ومن يطبق إجراءات الحظر هم رجال القوات المسلحة من مختلف التّشكيلات …استقبلهم الناس بالورود وبالهتافات المؤيدة المناصرة …على شاشة التلفاز ثمة مشهد مختلف قوات جيش في دولة شقيقة تقصف العاصمة بالمدفعية والطيران يغير على السكان ملقيًا بحممه اللاهبة .. .طفلة أخرجت من تحت الأنقاض … كانت أشلاء ممزقة بينما رصدت الكاميرا وجه والدها كان يجهش في بكاء طويل بينما راح يحث التراب على وجهه …لملمت تعبي وأويت إلى فراشي متعبًا … ثمة وجه ليس بغريب علي جاءني مبتسمًا ….كان وجه أبو الحسين القائد يرسل رسالة تطمين للناس ويدعو للصبر في مواجهة الجائحة .

_______________________________________

حين ارتفع صوت المؤذن مناديًا لصلاة العشاء اختتم النداء بقوله صلوا في بيوتكم ….ثم راح في نوبة بكاء عميق …..

______________________________________

كان ضابط الأمن أثناء مناوبته يحرك ويتابع مجموعته للحفاظ على منع التجول … وعلى مقربة من مفرزته لمح امرأة عجوز تفترش الأرض تشكو البرد والجوع ….أسرع إلى العسكر المرافقين له …أخذ وجبته ودفع بها للعجوز المرتجفه ثم خلع سترته العسكرية وألقاها على كتفي العجوز …وكأن النجمة التي كانت على كتفيه بدأت تبتسم.

مرّ يومان والملازم ” أسامة الفقهاء ” ما زال في واجبه ، تذكر أنه منذ أسبوعين لم يشاهد ابنه الرضيع، ولم يرسل بعد الحليب الذي طلبته زوجته … رنّ هاتفه الجوال وكم كانت فرحته الغامرة وهو يسمع صوت القائد الأعلى للقوات المسلحة يحييه …كان الملك عبدالله الثاني يثني على صنيع الملازم ويقدره عاليًا …الحمد لله …. راح الملازم يردد بعد أن انتهى الاتصال توجه إلى رفاق المفرزة وبزهو وفخر قال هل تعلمون من كان معي على الهاتف….  ؟؟؟؟ لقد كان سيدنا ويهديكم جميعًا السلام .

________________________________________

كانت فرحة عامل الوطن بغير حدٍّ حين استقبل اتصالًا مرئيًا من ولي العهد الأمير حسين مهنئًا بعيد العمال…. الحوار الذي دار تبادل فيه عامل الوطن وولي العهد الأدوار …كل يقول للآخر نعم سيدي …حوار لم يكن بكائن إلا في هذه البقعة المضيئة من العالم، وليس بمقدوره أن يكون إلا في وطن يسمى الأردن .

________________________________________

خرجت إلى أطراف مدينة العقبة في جولة مسائية بسيارتي ، استوقفني رجل الأمن على مقربة من الميناء حيث كانت أكثر من عشر بواخر تصطف على أرصفة الميناء محملة بآلاف الأطنان من المواد الغذائية … سألني الشرطي: إلى أين ؟

قلت : جولة على أطراف المدينة والعودة إلى المنزل

: هل معك تصريح …. رد

أجبته: نعم …. وواصلت المسير تجاه طريق العقبة الخلفي، لم يكن في الشارع آنذاك حركة لسيارات الشحن التي تسلكه، كان وقت استراحة ما بعد الفطور … لمحت أمام سيارتي مباشرة ثعلبًا يقف على ميسرة الشارع…  نظر تجاهي، هز رأسه قليلًا ثمّ أشاح ببصره عني … خلفه مباشرة كانت أنثاه تمشي الهوينى، وعلى مهل قطعا الشارع، وكانت خبرتي فيهما في الأيام العادية أن يقطعا الشارع بسرعة فائقة …قلت لنفسي سبحان مغير الأحوال .

________________________________________

منتصف الليل على فضائية عربية كانت طائرات سلاح الجو محملة بمعدات طبية تحطّ في مطار الكويت، كانت المساعدات أعدت على عجل بامرٍ من الملك عبدالله الثاني كمساندة للكويت الشقيقة …كنا يومها نخوض مواجهة عسيرة مع كورونا القادم بكل جبروته قلت: سبحان الله وكأنما قوله عز وجل ينطبق تمامًا علينا: ” يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ” سورة الحشر آية 9 .

________________________________________

حين أعلن عن صندوق ” همة وطن ” كان العديد يبادرون إلى دعمه بما يملكون، لم يكن أجمل التبرعات أعلاها قيمة بل كان أثمنها …عندما تقدم ابن الشهيد ” معاذ الدماني ” وهو يحمل حصالته قائلًا للجنة:

هذا كل ما لدي في حصالتي، اتبرع به للوطن ….حاولت أن أمسك دمعة عنيدة راحت تراود الجفن لتهمي، ولم العجب؟؟!! فحين جاد الوالد الشهيد بأغلى ما يملك … روحه التي حملها على كفه …ها هو الإبن يجود بكل ما يملك …نظرت لابنتي الصغرى التي كانت تراقب معي المشهد …قلت لها لا تعجبي يا صغيرتي هؤلاء هم الأردنيون …..

________________________________________

أربعون يومًا مرت ونحن بين الأمل والألم وأصحاب المعاطف البيضاء منزرعون حول أسرة المرضى يتابعون و يراقبون الأجهزة التي تقدم لهم قراءات مختلفة لأجساد المستسلمين على أسرتهم لعناية الله وخبرة الأطباء والممرضين والممرضات …تذكرت في اليوم التاسع والثلاثين الممرضة ” أمل ” إنها لم تزر أمها التي مرّ عيد ميلادها قبل يومين …تقدمت على خجلٍ من مديرها طالبةً إجازةً ليوم واحد ترى أمها وتعود ….حدّق فيها الطبيب علاء قليلا ثم ببطء أجاب: حسنًا…  بعد ساعتين سيكون لك ما تريدين ….حين عادت حسب موعدها مع الطبيب فوجئت بالكادر الصحي كله بانتظارها في ردهة المستشفى كل منهم كان يحمل في يده وردة قائلين: هذه هديتنا لوالدتك فبلغيها منا السلام .

________________________________________

اليوم هو الثلاثون من نيسان، نيسان الذي يحمل الرقم الثامن والخمسين في حياتي، ففي مثل هذا اليوم جئت إلى الدنيا واستقبلتها وقد بدت بهيجة تسر الناظرين، لكن نيساننا هذا العام جاء مختلفًا ، تلفه غمائم الحزن من كل الجهات وتطبق على عنقه كوابيس ” كورونا ” التي تطوف الأرض شرقًا وغربًا،  تحاصرها من الجهات الأربع .

نيساننا هذا العام جاء يرفل بالتعب والوجع والأنين وإن كان ربيعه حافلًا بكل أنواع الورود بعد شتاء كان استثنائيا وألمح صاحبي أبا الطيب يطوف في البلاد منشدًا:

مغاني الشعب طيبا في المعاني      كمنزلة الزمان من المكان نيسان

نيسان …. يا صاحبي …. يا صاحب الوجه البشوش لماذا هذه المرة معبسًا أراك؟؟؟؟ ألم تكن بيننا حبال ود غير مقطوعة…؟! ألم يكن بيننا موعد هناك حيث “الأروى ” ترتوي من سيل “جميلة” ويتعربش ” “الحمحم ” على جدرانها المتيبسة ، وتحت “مسطبته” يتمدد الرفاق تعبا في انتظار صيد ظل الطريق، وغاب في شعاب “شيبانة” باحثًا عن مأوى يقيه رصاص صياديه ….؟؟!!

لست نيسان الذي أعرفه … كأنك يا صاح متخفيا في أثواب تشرين حين تلوح عواصفه وتشارينه تحمل بعض تراب وتسفوا بعض رمل حملته شرقية لا تبق ولا تذر …..

من أغواك يا صاح هذه المرة لتكون عابسًا ؟؟؟ ، مثل طعنة صديق ، وتكون قاسيًا مثل هجر حبيب، وتكون مرًّا مثل طعم حنظل، وتكون قاتلًا مثل بروتس…..لماذا ترقبنا من ركن بعيد وكأننا لم نلتق يومًا في طريق .

كورونا تسعة عشر ونيسان ثمانية وخمسون وما بينهما ألف حكاية خطها القدر، وألف عثرةٍ غدرت وألف خيبةٍ لم تزل تتوارى في الخباء، وملايين الوجوه تختفي خلف الأقنعة، فهل نحن يا صاح في حفلة تنكرية ابتدأت ولا نعرف متى تنتهي….؟؟!!!

ما زلت رغم ما أنت فيه، وما أنا فيه ، وما الإنسانية فيه، أراهن على أنك ستعود نيسان الذي أعرف… فيك مواسم الورد والدحنون، وجدائل الشحيم، وأوراق الزعتر البري تجمعه أيدي الصغار والكبار، والنسوة اللواتي شمَّرن عن السواعد قاطفات، مؤنسات، حابسات الأنفس في ترويدة التوحّد مع الأرض حين يلوح ” تموز ” بخيراته وسنابل القمح تتماوج مع هبّات الغربي، والبيادر تمتد في أفقٍ غير محدود ….

” منجلي ومنجلاه. ….راح للصايغ جلاه

ما جلاه إلا بعلبه .. ريت هالعلبة دواه “

نيسان يا صاحبي …ما زلت أنطر ما تبقى من لياليك أو من الليالي التي تليك لتحمل لنا الفرح وتقول وعلى شفتيك ابتسامتك العزيزة تلوح …. أيها الناس هيْتَ لكم فأقبلوا غير نادمين .

…..حاشية

” الأروى …جميلة …شيبانة  ” …أسماء أماكن تقع في منطقة وعرة في جبال الطفيلة يؤمها الصيادون في رحلاتهم لصيد البدن .

” الحمحم ” نبتة شوكية لها أزهار بنفسجية تحتوي على رحيق السكر.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here