الدكتور عبدالمهدي القطامين: الاعلام والانسان الى اين وما هي جذور علاقتهما؟

الدكتور عبدالمهدي القطامين

يعد الاعلام مؤثرا صميميا في حياة الانسان المعاصر ويرتبط ارتباطا وثيقا مباشرا بمراحل حياته المختلفة نظرا لسطوة الاعلام ووسائله الحديثة وقدرتها غير المحدودة على الوصول الى الانسان حيثما كان ففي حين تضاءلت تاثيرات وسائل الاعلام  على الانسان الامي  الذي لا يتقن الكتابة والقراءة في مرحلة زمنية ما فان القفزات السريعة والتطور الهائل في وسائل الاتصال في العصر الحديث جعلت البشرية كاملة خاضعة لسطوتها وحضورها فمن كان اميا اصبح بامكانه ان يستمع الى المذياع  الذي يوصل الخبر اليه حال وقوعه مثلما قدم  اكتشاف التلفاز  الصورة وادى تنامي الاهمية لوسائل الاعلام  الى تشكل معادلة ثنائية الاطراف  وصراعات على امتلاكها  على اعتبار ان من يمتلكها  يمتلك عنصر تفوق على الاخر  وكان محور هذا الصراع ينمو بشكل مظطرد بين الدولة والجمهور  فالدولة تحرص على ان تكون لها فيه اليد الطولى لايصال الرسالة التي تريد الى المواطنين وفرض مصداقيتها والايحاء لمواطنيها بانها تسعى الى تحقيق اهدافه الوطنية وفق توازنات ورؤى متغيرة في هذا العالم تفرضها جغرافيتها السياسية ومكامن القوة والضعف في البيئة المحلية والاقليمية والدولية ويسعى الجمهور الى خاصة الفئة المستنيرة منه  الى الحد من سلطة وسطوة الدولة على وسائل الاعلام وتمكين حضوره لايصال رسالته ايضا هو الاخر الى الدولة ووجهة نظره فيما يتعرض له من مواقف وما تتخذه دولته من قرارات تتعلق بمصيره ومستقبله لذلك بدأ الصراع بين الدولة والجمهور على وسائل الاعلام بصفتها الاداة الفاعلة والهامة في المجال السياسي لانها لاتقوم فقط  بنقل الرسائل والمعلومات من المنظماتوالمؤسسات السياسية الى الجمهورولكنها تحول تلك المعلومات من خلال مجموعة متنوعة من العمليات الخاصة بصناعة الاخبار لتحقيق اهداف وغايات محددة حيث تعد العلاقة بين وسائل الاعلام والعملية السياسية علاقة جدلية  اذ ان وسائل الاعلام تعمل على  نقل وتحليل النشاط السياسي وفي الوقت ذاته تعد جزءا من العملية السياسية فهي من المصادر المتاحة امام السياسيين وقادة الراي للحصول على المعلومات والبيانات وتلقي ردود افعال الجمهور نحو سياساتهم وقراراتهم ومواقفهم مما يساعد في كل العمليات والخطوات المصاحبة لصنع القرار السياسي فضلا عن اعتماد الجمهور عليها في تكوين اعتقاده واتجاهاته ومواقفه المختلفة ازاء الاحداث والسياسات التي تقع داخل محيطه وما يترتب عليها من سلوكيات وردود افعال ازاء هذه السياسات والاحداث .

وفيما يتفق علماء السياسة على اعتبار ان وسائل الاتصال الجماهيري تعدجزءا من النسق السياسي تستخدمها الصفوة الحاكمة والقيادات السياسية لاضفاء الشرعية والمصداقية على النظام السياسي وتدعيم المؤسسات السياسية القائمة وتبرير السلوك السياسي للقادة والمسؤولين فان الحكومات والنظم السياسية تسعى للتاثير على وسائل الاعلام وعدد غير قليل منها السيطرة الكلية خاصة في المجتمعات السلطوية التي ترى ان السيطرة على وسائل الاعلام عمل حاسم وضروري لاستمرار الهيمنة على النظام ولا شك في انه مع تطور وسائل الاعلام والاتصالات افتقدت العديد من الدول العربية والبدان النامية واحدة من اهم الوسائل والادوات الفعالة للحكم السلطوي وهي السيطرة على تدفق المعلومات حيث لم تعد هذه الدول قادرة على مواجهة تاثير تكنلوجيا الاتصال الجماهيري  فضلا عن ان الاتصال الحر المتدفق مع العالم الخارجي  عبر وسائل الاعلام الدولية والفضائيات والانترنت له العديد من التاثيرات المتنوعة على اراء واتجاهات الافراد اذ ان التدفق السريع للمعلومات والتعرض المتواصل للثقافات المختلفة انما يعد تشكيل اراء وقيم ومفاهيم وادراكات المواطنين في المجتمعات المغلقة سابقا .

ضمن توصيف تاثير وسائل الاعلام السابق الذكر وتنوعاته والهوس في السيطرة على وسائله  نلج اكثر نحو توصيف حالة الاعلام الاردني ووسائله  ودوره في بناء الامن الوطني والديموقراطية وهل هذه المكونات مكملة لبعضها البعض  ام ان خروج احدها وطغيانه على الاخرى يشكل بدء الشرارة الاولى اللتي قد تطيح بمفهوم الدولة وكيانها وهل كل ما يعرف يقال ؟؟؟؟؟وهل كل ما يقال عبر وسائل الاعلام معروف ؟؟؟؟ واين هي حدود القول من عدمه ؟؟؟؟وواجب الصمت متى يكون وواجب البوح متى ؟؟؟؟ وهل المصداقية هي مطلقة في الاعلام ام انه يميل احيانا الى الى مجانبة الصدق اذا ما كان هذا الصدق ماسا بامن الوطن ؟؟؟؟ وهل تسمح اعتى الديموقراطيات في العالم لاعلامها ان يقول ما يريد هو ام انها تريده ان يردد ما تقوله هي وقد شاهدنا هذا في حرب الخليج الثالثة حين اخترعت الديموقراطية الامريكية في حربها على العراق ما اسمته  ( embedded  ) حيث رافق الاعلام العسكر في ثكناتهم وكان اي تقرير يصدر لا بد من ان يمر عبر مراحل رقابية اخرها لمسات الناطق الرسمي باسم قوات الاحتلال الذي يسمح بالنشر او عدمه ويمررما يخدم قضيته القتالية لذا فان حرية الاعلام محفوفة بالمخاطر على الرغم مما يمكن ان يقال عن حريتها واذا كانت الحرية الاعلامية مهددة في الولايات المتحدة الامريكية كما رأيناها فان فكرة السيطرة على وسائل الاعلام والاعلاميين تصبح اكثر خطورة وتاثيرا في العمل الاعلامي ولذا فان طبيعة السيطرة الحكومية وطبيعة ملكية وسائل الاعلام تشكل محددات اساسية لحرية الاعلام بل ويمكنها ان تقرر كمية نوع المعلومات التي يجب ان تصل الى الجمهور .

وفي نظرة متأملة لواقع الاعلام في الاردن  نلمح العديد من المتناقضات في ان واحد واقصد بالاعلام هنا من يصنعونه ومن يساهمون فيه بدءا من المندوب الصحفي الذي هو بمثابة رجل الاستطلاع في الاستراتيجية العسكرية الذي يرصد الظاهرة ويحدد حجمها ومدى خطورتها ثم يرسل تقريره الى المحرر الذي يعالج بعض ثغرات اللغة وتعبيراتها اللغوية وانزياحاتها ثم يجيء دور رئيس التحرير الذي يجيز النشر  لتنطلق الكلمة تماما كالرصاصة لا يمكن لها ان ترد وهنا يكمن التساؤل اذ طالما ان الخبر الاعلامي يعتمد اساسا على الصحفيين الذين هم تماما كباقي البشر يميلون حيث يميل احيانا هواهم ويصبغون من ذاتهم شيئا على الخبر الذي يكتبون وتتباين مشارب هولاء الاعلاميين ومدى حسهم الوطني وانتمائهم للوطن وللحقيقة او لتوجهات فكرية ربما يميلون اليها بفعل اغراء مادي او غيره من المؤثرات  هنا يحق لكل محلل ان يتساءل ما هي الضمانات لكي لا يوجه الاعلامي الراي العام على هواه وما هي الضوابط التي تحتم على الاعلامي ان يسير على هديها هل تكمن في تغليظ العقوبات انتكمن في تاهيل وتطوير قدرات الاعلاميين ام منحهم رواتب تغنيهم عن العبث بالحقيقة لصالح هذه الجهة اوتلك .

تدرك القيادة السياسية الاردنية ان منظومة الاعلام  والامن الوطني يسيران بشكل متوازن ولا يتقاطعان على وجه العموم  لذا فان توجيهات  رأس النظام السياسي ممثلا بالملك حرصت في اكثر من مرة واكثر من مناسبة على عدم تحديد او تقييد حرية الاعلام  والصحافة على اعتبار ان الصحافة الحرة مرآة للحقيقة ولتوجهات الدولة وسياساتها وهي المؤشر الحقيقي على مكامن الخلل وهي العين الناقدة لكل انحراف في الاداء لذلك اورد الملك في كتب التكليف السامية على ان سقف الحرية الصحفية السماء  الا ان الحكومات المتعاقبة المتتالية المسكونة بهاجس الامن ومفرداته وهاجس تضخيم الذات احيانا اخرى ظلت ترى ان حرية الاعلام مرهونة بمقدار اقترابها ايجابيا من اداء الحكومة الايجابي فاصبحت السمة السائدة للاعلام هو انه اعلام حكومي متقيد  بتوجيهات الحكومة  يزين لها اخطاؤها وهذا خلق اعلاما مرعوبا وخائفا جل همه تزيين افعال الحكومة وتبريرها فاصبح الاعلام في واد والناس في واد اخروسادت ثقافة سطحيةهامشية مترفة وترفيهية وغابت البرامج الرصينة الواقعية والناقدة والفكرية وسط فوضى غير خلاقة ووفق اجتهادات يقوم عليها ويرسمها قادة الاجهزة الاعلامية ذات المنشأ الحكومي والذين يتركز جل همهم وهاجسهم الاول والاخير هورضى المسؤول عنه حتى ولو كان في ذلك اغتيال للحقيقة اونصفها .

وادى غياب الثقة بين المواطن والمسؤول ووسائل اعلامه الوطنية الى شبه قطيعة دائمة بينما اتجهت انظار المواطن الى وسائل الاعلام اخرى  خاصة فيما يتعلق بالخبر السياسي والاقتصادي واصبح الخبر الرئيس  يستقى من مصادر اجنبية باعتبارها محايدة اوهكذا يظن المواطن وانها تقدم الحقيقة الكاملة وليس انصاف الحقائق  وسحب بذلك البساط من تحت اقدام الاعلام الوطني الذي راوح مكانه  ولم يطور وسائله  وطرائقه تحت وقع الظروف المادية الضاغطة للوسائل نفسها وللاعلاميين الخائفني على مصادر رزقهم  والذين كان لهم قانون العقوبات رقم 16 لعام 1960 بالمرصاد وكان بمثابة السيف المسلط على رقابهم فاصبح الاعلام الاردني جراءسياسة الرقابة الذاتية التي منحها بعد التحول الديموقراطي اعلاما نمطيا متكررا يدورحول الحقيقة من بعيد ولا يقدمها للجمهور خوفا من المسائلة القانونية وبدلا من ان يحقق غياب الرقيب الحكومي المباشر الذي كان سائدا ايام الاحكام العرفية انفراجا في الاداء الاعلامي وصدقية اكثر تضخمت حدود الرقابة لدى المسؤول الاعلامي وساهم بشكل او باخر في تدني منسوب الحرية الصحفية وشهدت الصحافة نكسة اخرى ذات طابع احادي موجه ذاتيا  ووقفت الحكومة تجني ثمارغياب رقابتها المباشرة حيث اثبت التطبيق ان الرقابة الذاتية اشدوقعا وايلاما من الرقابة الموجهة من الرقيب المعين من الدولة .

ان علاقة وثيقة تربط ما بين الاعلام والامن الوطني فكلاهما متممان لبعضهما بعض وثمةعلاقة تكاملية شمولية ترسم ايقاع الوطن ونبضه على تناغمهما فالامن الوطني لكي يكون مصانا وواضحا للمواطن يستلزم ان يرادفه اعلام يوضح صورته ويحدد ضوابطه ويقاتل من اجله ان لزم الامر فكما ان الامن الوطني هوكل لا يتجزأ بالنسبة للوطن فان الاعلام من باب اولى ان يكون للوطن كله وللدولة بمفهومها الواسع  لا ان يقتصر الامر على دفاعه عن حكومات تخطيء كثيرا وتصيب قليلا  فهي زائلة لكن الوطن   هو الباقي .

لكن الامر لا يتعدى حدود الامنيات في تشخيصنا السابق اذ ان ثمة ضبابية ما زالت تسود العلاقة بين الامن الوطني والاعلام مردها غياب وجهل او تجاهل  احدهما للاخر وما زالت هناك فجوة واسعة بين الاثنين يذكيها احيانا الميل الى التسلط والتفرد من الطرفين ولم يصل الامر بينهما الى الاحتكام الى منطق العقل والانتماء للوطن  الواحد الذي يجمعهما سوية  لكن ربما يقول قائل اليس الامن هو اول اولويات حتى اكبر دول العالم  ديموقراطية وان معظم دول العالم تضع الامن الوطني معيقا في وجه الحرية الصحفية .

واذا كانت معظم دول العالم تميل الى وضع الامن الوطني كاحد المعيقات في وجه الصحافة فان ما يلاحظ ان الدول الديموقراطية العظمى والتي تمتلك وسائل التصنيع العسكري ووسائل مختلفة للمحافظة على امنها الوطني تستند الى قوة مادية عظيمة تؤازرها تميل على الاغلب الى اعطاء الصحافة حرية اوسع في كشف المعلومات  ونقلها للرأي العام والعامة منطلقة في ذلك الى فلسلفة اشراك الناس في اتخاذ القرار المصيري من خلال ممثليه في المجالس الديموقراطية معتمدة على ان قوتها العسكرية التي تمتلكها تؤمن لها وسائل قوة مسيطرة تحافظ على كيان الامن الوطني اما الدول الضعيفة ذات الامكانيات العسكرية المتدنية والتي تعتمد في تجهيزاتها العسكرية وقوتها القتالية على ما تستوردة من تلك القوى من خارج حدودها ومن الدول المصنعة للترسانة العسكرية  فهي تلجأ الى تكميم الافواه والى خنق حرية الصحافة والاعلام  معتبرة ان اي فلتان امني على المستوى الوطني سيودي بالدولة للهلاك في ظل امكانياته العسكرية المثقلة بالضعف .

ولعل المملكة مثلها مثل باقي دول العالم الثالث تعاني من وضع حدود وضوابط عديدة في وجه الصحافة وتميل الدولة الى منع الصحفي من الوصول الى المعلومة التي تعتبرها حكرا على المؤسسات حتى مهما تدنت درجة سرية تلك المعلومة اوعدم سريتها على الاطلاق لذلك فان الصحافة الاردنية عانت وتعاني من التكتم الشديد ازاء الحصول على المعلومة ما يدفع بالصحفي الى الاجتهاد في الوصول الى المعلومة التي يبحث عنها استنادا على مصادر قد لا تكون ذات صدقية عالية سواء من داخل الحكومة اومن خارجها وهذا يجعل الصحفي وما ينشر من معلومات في الكثير من الاحيان يفتقد الى المصداقية وبذلك تشوه صورته وصورة وسيلته الاعلامية امام الجمهور

وعلى الرغم من لجوء الحكومة الى ايجاد وظيفة الناطق الاعلامي في مختلف مؤسسات ووزارات الدولة منطلقة في ذلك من رغبتها في الظهور بمظهر المحافظ على حق تدفق المعلومات للجمهور الا ان هذه الوظائف المستحدثة لم تقدم كثيرا في مسألة ايصال الحقيقة للرأي العام بسبب ان المسؤول الاول في كل وزارة اودائرة يسرب ما يريد هو ان يوصله الى الجمهور وبما يعكس الوجه الجميل لادارته  ومصلحته فمن غير المعقول ان ينشر المسؤول اويسرب خبرا ينتقد سير الاداء في تلك الدائرة اوترديه احيانا او ان يكشف عن ملامح الخلل والتقصير والفساد او المحسوبية  اوما شابه ذلك من اختلال  وكان ان تحولت وظيفة الناطق الاعلامي الى بوق اخر من ابواق الدعاية للمسؤول الحكومي وبغير ذلك فان وظيفته كلها ومصدر رزقه سيكون في مهب الريح وهو ما لا يتمناه الصحفي او الاعلامي فيظل ناطقا بما يريد قائد المؤسسة ومديرها  ولعل الصحفي يرى  في ذلك اخف الضرر كي لا يصبح هو ومن يعيل على قارعة الطرقات . reflect the opinions of ASEZA.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here