الدكتور عارف بني حمد: “Think Tanks”دور مراكز الدراسات الإستراتيجية في عملية صنع القرار

الدكتور عارف بني حمد

تزايد الإهتمام العالمي  خلال العقود الماضية بمراكز الأبحاث والدراسات   ،وأصبحت بمثابة خزانات تفكير، وأحد الدلائل الهامة لتطور الدولة  وعنوانا للتقدم وأحد مؤشراته في التنمية ورسم السياسات، وجزءا  لا يتجزأ من المشهد السياسي والتنموي، وأخذت تلعب دورا رائدا في قيادة السياسات العالمية وتؤدي دورا بارزا في دعم مؤسسات صنع القرار السياسي في الدول المتقدمة . وتعتبر هذه المراكز أيضا  رديفا للأجهزة الإستخبارية وأجهزة صنع القرار، وتلعب دورا رئيسيا في تقديم المعلومات في  مختلف المجالات لصانع القرار السياسي . وترتبط  هذه المراكز بعلاقات  وثيقة مع أجهزة صنع القرار وهي علاقات تكاملية  وليس  تنافسية، وتقوم هذه المراكز بتحديد  أهدافها ومخرجاتها بما  يتناسب ويخدم الأهداف العليا  للدولة ومتطلباتها.

وتعرف مراكز الابحاث والدراسات الإستراتيجية  بأنها “ أي  منظمة  أو مؤسسة تدعي أنها مركز للأبحاث والدراسات، أو مركز للتحليلات حول المسائل العامة والمهمة”. وتعرف أيضًا بأنها “ تلك المراكز أو المعاهد المنظمة التي تهدف  لإجراء  بحوث مركزة  ومكثفة”،  وهي  تقدم   الحلول والمقترحات للمشاكل بصورة عامة وخاصة في المجالات الاجتماعية والسياسية والإقتصادية  والاستراتيجية. ولا تشبه هذه المراكز  الجامعات ، كما أنها لا تقدم مساقات دراسية؛ بل  هي  مؤسسات  غير ربحية، وإن كانت تملك “منتجًا” وهو الأبحاث. وهدفها الرئيسي البحث في السياسات العامة للدولة، ولها تأثير فعال في مناقشة تلك السياسات، كما أنها تركز اهتمامها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والسياسة العامة، والدفاع والأمن والخارجية وقضايا المياه والطاقة .

 وتهدف هذه المراكز لنشر الثقافة والمعرفة العامة، وخدمة الأهداف الرسمية (الحكومة) أو غير الرسمية (المجتمع بصورة عامة)، وتقديم المقترحات والحلول لمشاكل معينة. وهذا ما جعل تلك المراكز أحد المرتكزات الأساسية لإنتاج البحث العلمي والمعرفة والتفكير العام في الدولة؛ وذلك من خلال النشاطات العلمية التي تقوم بها، ممثلة في المؤتمرات التي تعقدها، والأبحاث والإصدارات الدورية والكتب والمنشورات التي تصدر عنها. ولم تعد مهمة مراكز التفكير مقتصرة على تقديم دراسات أكاديمية تحليلية نقدية؛ بل صارت تقدم المشورة لصانع القرار مع اقتراح البدائل والخيارات. وتقوم  هذه المراكز برفد الساحة بالمعلومة الجديدة الموثوقة والتحليل العلمي الرصين، وتبلور آفاق المستقبل.

وفي منطقة الشرق الأوسط تعتبر إسرائيل من أكثر دول المنطقة التي تهتم بتلك المراكز، حيث أدركت مبكرًا أهميتها ؛ لذا أنشأت أكثر من خمسين مركزًا، منها ما يهتم بالأمور الداخلية السياسية والاقتصادية، ومنها ما يهتم بالسياسات الخارجية ، ومنها ما يهتم بالدراسات الأمنية أو الشئون العسكرية  والإستراتيجية .

أما في الوطن العربي، فقد تم الإهتمام بإنشاء مراكز البحوث والدراسات خلال العقود القليلة الماضية ، توزعت بين الجامعات والمؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني ، لكن دور هذه المراكز إختلف عما هو موجود في الدول الغربية ، ولم تتبوأ هذه المراكز مكانها الحقيقي ولم تمارس دورها الحيوي في المشاركة في صنع القرار أو في تقديم ما يلزم من مشورة ومن دراسات رصينة . وبدا دور معظمها ضعيفا ومحدودا وغير فاعل بسبب المعوقات الكثيرة التي تحيط بها، ونظرا لطبيعة الحياة السياسية العربية وطبيعة أنظمتها. وأبرز هذه المعوقات التي تواجه مراكز البحوث العربية:

  1. محدودية التمويل المحلي، وهو يعكس عدم إهتمام الحكومات العربية بالبحث العلمي، مما يجعل هذه المراكز تبحث عن تمويل أجنبي، الذي يؤثر في الأجندة البحثية لهذه المراكز وطبيعة القضايا التي يتم معالجتها ، وتصبح محل نقد وإتهام بعلاقاتها بالأجندات الخارجية والسفارات الأجنبية  ،وبالتالي يتم التشكيك بمخرجات هذه المراكز.

  2. عدم وجود علاقة واضحة بين صانع القرار السياسي وهذه المراكز وعدم إرتياح الحكومات للمراكز البحثية وعدم ثقتهم بمخرجات هذه المراكز ونوعيتها ، وبالتالي لجوء هؤلاء المسؤولون لمراكز الأبحاث والدراسات الأجنبية لإجراء دراسات عن الواقع المحلي بدلا من التعاقد مع المراكز المحلية ، لإعتقادهم بأن المراكز المحلية لا يوجد لديها ما تضيفة من جديد.

  3. ضعف مخرجات هذه المراكز وعمومية التوصيات التي تصدرها ، نظرا لعدم توفر مصادر المعلومات الدقيقة والحديثة وصعوبة الحصول على المعلومات التي تتعلق بقضايا الأمن القومي لحساسيتها .

  4. الإفتقار الى الموضوعية والإستقلالية في العمل نظرا للقيود المفروضة على حرية وعمل هذه المراكز .

  5. غياب المؤسسية في عمل الكثير من هذه المراكز وتأثرها بالأجندات الشخصية والفكرية والسياسية للقائمين عليها ، وتسيس بعض هذه المراكز مما يفقدها لصفة الموضوعية .

  6. عدم قدرة هذه المراكز على إستقطاب الكفاءات وذوي الخبرة من الباحثين لضعف إمكانياتها المالية .

  7. تحدي التغيرات المتسارعة وسرعة تلاحق الأحداث في المنطقة وتطورها، ويؤثرذلك على قدرة مراكز الفكر في دراسة تلك التطورات، وتقديم رؤية إستشرافية لمسارات المنطقة في المستقبل.

  8. افتقاد بعض المراكز إلى أجندة بحثية واضحة قائمة على فلسفة واضحة تتعلق بما تريده وما يراد منها، وبالتالي ظهرت مراكز بحوث تعمل وفقا للمشاريع الممولة لها، أي أن المركز البحثي يغير فلسفته ليستوعب هذا المشروع أو ذاك بغية التمويل.

  9. 9. تحدي المنافسة بين مراكز البحوث والتي تعمل على القضايا ذاتها ، مما يخلق تنافسا تمويليا وليس تكاملا وتشبيكا في دراسة وتحليل قضايا المنطقة، بما يؤدي إلى خلق فجوة وعدم ثقة بين تلك المراكز وصانع القرار.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here