الدكتور عارف بني حمد: دور الليبراليون (الديجتاليون) في إضعاف الدولة الأردنية

الدكتور عارف بني حمد

الليبرالية هي منشأ أوروبي غربي تطورت وتبلورت بشكل واضح في القرن التاسع عشر، وهي مذهب وفلسفة فكرية وسياسية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية، تقوم على أساس الحرية المطلقة في كل الميادين . فالليبرالية السياسية تقوم على أساس نظام ديمقراطي يكفل التداول السلمي على السلطة والحقوق الأساسية والحريات العامة. بينما الليبرالية الإقتصادية تقوم على أساس الحرية الإقتصادية وإقتصاد السوق وآلياته التنافسية بعيدا عن تدخل الدولة في النشاط الإقتصادي ، وإزالة قيود التجارة والعوائق التي تواجه الإستثمار الأجنبي. وقد نجح هذا النموذج في موطنه الغربي وبنوا دول ديمقراطية وإقتصاديات متقدمة، وأصبحت هذه الدول دول الرفاه لشعوبها .

وقد حاول الغرب، خاصة بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي السابق وفشل التجربة الشيوعية والإشتراكية ، تصدير نموذج الليبرالية الغربية الى دول العالم ، وتولى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هذه المهمة .

وفي الأردن قاد تيار أطلق عليه الليبراليون أو الديجتاليون ( نخبة اقتصادية نافذة ) منذ عام 2000 هذا التوجه ، وتولوا مواقع قيادية مهمة في الدولة ومنحت لهم صلاحيات غير طبيعية، وتغلغل هذا التيار في كل مفاصل الدولة الأردنية ، وزرع أنصاره في كل مكان ، وتبنوا الليبرالية فقط في المجال الاقتصادي ، وسعوا إلى إدماج الاقتصاد الأردني بالاقتصاد العالمي، والمسارعة في تطبيق برنامج إصلاح اقتصادي يقوم على التخاصية، وتمكين القطاع الخاص، والدفع باتجاه تحريك عجلة الاستثمار، والتخلي عن دور الدولة الاقتصادي.

 وتولى هذا التيار  الملف المالي والإقتصادي وكان وسيطا مع المؤسسات المالية  الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي )، وقام ببيع وخصخصة كل أملاك الدولة الأردنية ، وتم نقل التجربة بشكل مشوه ، ولم يتم مراعاة خصوصية الدولة الأردنية ونظامها الإجتماعي ، الى أن وصلت الدولة الى ما وصلت اليه الآن من أوضاع إقتصادية متدهورة في كل المؤشرات والوصول الى حافة  الإفلاس لا سمح الله .

وبمناسبة الحديث عن قضية الدخان التي بدأت كما نشر عام 2004،  وتساؤل المواطنون عن أسباب عدم إكتشاف هذه القضية من قبل دائرة المخابرات العامة في وقت مبكر ، لا بد من الحديث عن الدور الذي لعبه التيار الليبرالي من محاولات تحجيم دور الدائرة وحصره في الإطار الأمني فقط وإبعادها عن التدخل في الملفات السياسية والإقتصادية .

فقد كان حضور هذا التيار طاغيا في المشهد الداخلي وإستطاع أن يؤسس حضورا لدى صانع القرار على حساب دور دائرة المخابرات ، وفرض كل أفكاره ومشاريعه على رؤساء الوزراء السابقين ، ولعب دورا في تقويض الولاية العامة لمجلس الوزراء وتحجيم دور الدولة وأجهزتها الرقابية ، كما كان وراء انشاء غالبية الهيئات المستقلة كمؤسسات موازية لتجاوز دور الوزارات المعنية والإفلات من الرقابة .

وبلغت مظاهر عظمة وقوة هذا التيار أن قام أحد قادة هذا التيار  في إحدى السنوات، برعاية حفل إستقلال المملكة بالديوان الملكي وتلقيه التهاني والتبريكات من قبل كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين ، وكنت أحزن على بلدي عندما أرى كبار الضباط  العسكريين والأمنيين يؤدون التحية لهذا الشخص وبأي صفة ، بينما كان رئيس الوزراء آنذاك يقف متفرجا ومهمشا في مكان بعيد .

ودخل هذا التيار في صراع مع قلعة الأردن دائرة المخابرات العامة وصلاحياتها آنذاك ، هذه القلعة التي حفظت الأردن دولة ونظاما في كل المراحل . ونجح هذا التيار في تهميش وتحجيم دور الدائرة (عقل الدولة المركزي) وتم فصل دور الدائرة الأمني عن الدور السياسي، ولم يعد مدير المخابرات مستشارا للملك لشؤون الأمن القومي  . وقد أستطاع هذا التيار بدهائه وخبرته في ما نسميه بعلم السياسة ( تشويه الصوره) أن يقنع الحكم بأن الأمن لا يفهم في الاقتصاد وأن تدخلاته هي أعاقه لمشاريع الملك 

وأن المخابرات تعيق الإستثمار في الدوله.

كما سعى هذا التيار الى محاولة إخراج مقرات كل المؤسسات الأمنية والعسكرية من داخل عمان الى الأطراف ( كان المخطط نقلها الى الماضونة ) بحجة أن جذب الإستثمار الأجنبي يتطلب إخراج المظاهر العسكرية والأمنية من داخل المدينة . ولعب هذا التيار دورا رئيسيا في حل مديرية مكافحة الفساد التي كانت تابعة لدائرة المخابرات العامة عام 2005 ، وإنشاء هيئة حكومية بدلا منها للسيطرة عليها والإفلات من الرقابة . ويلاحظ بدء نشاطات المتهم عوني مطيع بالدخان مباشرة بعد حل مديرية مكافحة الفساد التابعة للمخابرات.

ونتيجة لهذه الظروف فقد إختل توازن الدولة الأردنية ، وتعددت مراكز القوى والنفوذ ، وأصبح هناك تخبطا في إدارة الدولة ومؤسساتها ، ولن يصلح الحال إلا باصلاح الخلل الذي أحدثه التيار الليبرالي في الدولة وإعادة الأمور الى نصابها بالعودة الى مركزية القرار في الدولة بإشراف ورعاية عقل الدولة المركزي دائرة المخابرات العامة .

وحمى الله الأردن

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here