الدكتور عارف بني حمد: دروس وعبر من  الثورة الإيرانية (الربيع الإيراني) عام 1979

 الدكتور عارف بني حمد

تحتفل إيران الشهر القادم  بتاريخ  11/2/2019  بالذكرى ال(40) لنجاح  الثورة الإيرانية (الربيع الإيراني )، والتي أطاحت بحكم الشاه والنظام الملكي في إيران وتحولت الدولة الإيرانية من دولة ملكية تخضع لعائلة مالكة إلى جمهورية إسلامية ثورية عام 1979؛ وشكلت تحولا سياسيا إقليميا وحدثا تاريخيا وإستراتيجياً شغل ولا يزال العالم.

ولم يستطع الشاه أن ينجو من السقوط، رغم وجود جيش كبير ومحترف ، كان قوامه اربعمائة الف جندي مدجج بأحدث أنواع الأسلحة الامريكية وجهاز مخابرات( السافاك) من أقوى أجهزة  المخابرات في الشرق الأوسط، وعلاقة تحالف إستراتيجي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ووجود الآف الخبراء والمستشارين العسكريين والأمنيين الأمريكيين والإسرائيليين، والدور الوظيفي الإقليمي الكبير الممنوح لإيران من قبل الولايات المتحدة كشرطي للخليج لحفظ المصالح الغربية والتصدي للأنشطة السوفياتية والشيوعية في المنطقة  .

وكون إيران دولة شرق أوسطية تتشابه ظروفها مع ظروف دول الإقليم ،  فإنه لا بد من أخذ الدروس والعبر من الربيع الإيراني ودراسة الأسباب التي أدت الى إندلاع الثورة الإيرانية وإسقاط النظام الملكي فيها ، لتفادي هذه الأسباب ومعالجة الخلل .

فيما يلي إستعراض للأسباب والعوامل التي ساهمت في سقوط شاه إيران :

أولا : ربط الشاه لأمنه وأمن بلده وحماية عرشه بالخارج وليس بالداخل (الشعب)، من خلال العلاقة الخاصة بالولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عموما. وبلغ التدخل الأمريكي في إيران مرحلة الوصاية ،حيث تم تعيين الآف الخبراء والمستشارين العسكريين والأمنيين والماليين والإقتصاديين في مختلف مفاصل الدولة الإيرانية بكلفة مالية قدرت بأربعة مليارات دولار سنويا ، كما تم تحصين هؤلاء الخبراء بالحصانة وعدم الخضوع للقوانين الإيرانية. إضافة الى إستنزاف الثروة النفطية بشراء الأسلحة والمعدات الأمريكية على حساب المشاريع التنموية.

ثانيا : إسلوب إدارة الحكم :

إستبداد الشاه بالحكم وعدم إلتزامه بالدستور وتركيز كل السلطات بيده ، ومنع بروز أي شخصية وطنية لرئاسة الحكومة،  مما أدى إلى ضعف فعالية الحكومة ،كما كانت مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية عبارة عن مؤسسات شكلية وديكور ، إضافة الى ضعف السلطة القضائية وعدم إستقلالها .

سوء تقدير الشاه وأجهزته الأمنية لقوة المعارضة ، خصوصا المعارضة الدينية، من خلال تزويد الشاه بتقارير إستخبارية غير حقيقية عن الأوضاع الداخلية تمجد شعبية الشاه الوهمية، وتقلل من شأن المعارضة.

إعتماد الشاه في تعيين المسؤولين في المواقع السيادية على معيار الولاء الشخصي وليس الكفاءة ، والتركيز على النخب الليبرالية خريجي الجامعات الغربية والأمريكية على وجه الخصوص، إضافة الى التدخل الأمريكي في فرض وتعيين المسؤولين في المواقع السيادية المدنية والعسكرية والأمنية. وكان  رجالات الدولة العليا شخصيات إنتهازية مصلحية لايهمهم سوى ارضاء الشاه والانصياع لأوامره مهما كانت نوعها وشكلها.

  1. كان الشاه بعيدا عن الواقع ويتخبط في الحديث ويطلق تصريحات حالمة مثل : ايران ستصبح رابع قوة في العالم في عام 1980، الدخل القومي في ايران سيتجاوز الدخل القومي الياباني، ايران كانت وستبقى جزيرة الأمان والاستقرار في المنطقة، ايران أصبحت دولة نموذجية تقتدي بها دول العالم.

ثالثا : سلوك الشاه وأسرته:

إنعزال الشاه وأسرته عن واقع الدولة، وإنغماسه وأسرته بالملذات وبالقيم والعادات الليبرالية الغربية وتعامله بفوقية وإحتقار لقيم وعادات وتقاليد شعبه.

تورط الشاه وأسرته وبلاطه الملكي بالفساد ونهب المال العام مستغلا الثروة النفطية . كما كانت له ولأسرته مشاريع اقتصادية وبنوك خاصة، وأصبح فسادهم وإسرافهم وبذخهم الشديد مضربا للمثل في العالم. وإنتشرت القصص المثيرة حول تلاعب الشاه وأركان دولته بأموال الشعب واستغلال النفوذ ونهب أموال الشعب بالمليارات، وكانت حديث كل فرد من افراد الشعب الايراني في مجالسهم ونواديهم.

الإسراف والبذخ وتسخير الإمكانيات والثروات الإيرانية من أجل تحقيق مجد شخصي للشاه،وتمثل ذلك بكثرة الإحتفالات بمناسبات شخصية بالشاه وأسرته. وكان أخرها الاحتفالات الكبيرة التي شهدتها (برسبوليس ) بمناسبة مرور الفين وخمسمائة عام على عمر الملكية في ايران والتي حضرها تسعون زعيما من دول العالم ،وقدرت كلفتها بحوالي نصف مليار دولار .

تبني الشاه نظام حداثي علماني بالمفهوم الغربي، على خلاف الموروث الحضاري والديني للشعب الإيراني .

إفراط الشاه الشديد بالثقة بالنفس، والانشغال بلعب دور رجل الدولة العالمي .

سلوك وتصرفات الإمبراطورة فرح بهلوي الإستفزازية لقيم الشعب الإيراني، وإهتمامها بدور عرض الأزياء والأناقة وترويج نفسها في المجلات العالمية وإنعزالها عن قيم وعادات المرأة الإيرانية .

رابعا : التنافس والخلافات والانقسامات داخل الجيش والأجهزة الأمنية  ساهم  بعدم نجاح الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة في مواجهة الثورة، وكذلك أسباب اخرى  تعود الى أن قادة هذه الأجهزة تم تعيينهم  من قبل الشاه ولم يشترط فيهم الكفاءة العسكرية بل كان الشرط الاول والأخير هو الولاء للشاه ، وأغدق عليهم وعلى الضباط الكبار المكاسب والإمتيازات دون الإلتفات الى الكوادر الأخرى من الجنود  وضباط الصف والضباط من الرتب الصغيرة الذين هم من طبقات الشعب المسحوقة والذين يعانون من الفقر وتدني رواتبهم ومعنوياتهم منهارة . وكان من الطبيعي ان يتأثر الجنود والضباط الصغار وهم الكثرة البالغة في الجيش والأجهزة  بالثورة التي تأخذ الطابع الشعبي العام، والذين عندما أتيحت لهم الفرصة بالنزول الى الشوارع لقمع الثورة ، إنضموا هم وأسلحتهم الى الشعب وقاموا بتصفية وسحل قادتهم في شوارع طهران .

خامسا: إنتشار الفساد المالي والإداري في كل مفاصل الدولة الإيرانية ،

وتزاوج السلطة والثروة وتشابك مصالح رجال المال والسياسيين في هرم الدولة .

سادسا: السياسات الإقتصادية الفاشلة التي اعتمدها الشاه  والمبنية على النهج الرأسمالي الليبرالي وتأثيرها السلبي على الفئات الاجتماعية المختلفة، وفشل البرامج والخطط الإقتصادية ، والتي أدت الى الإنكماش الإقتصادي وإرتفاع معدلات التضخم الاقتصادي( إرتفاع الأسعار)  وإزدياد الفقر والبطالة وتراجع مستوى معيشة المواطنين ، وإنتشارالأسواق السوداء . وكان ثمانين بالمائة من افراد الشعب يعيشون في حالة اقتصادية بائسة، فالثروة كانت متكدسة في يد مجموعة من المتنفذين  لها صلة قريبة بالعائلة المالكة وبالبلاط الملكي . اما الاكثرية من أبناء الشعب خاصة في القرى والمدن الصغيرة  فقد كانوا في وضع بائس.

سابعا: التضييق على الحريات  وقمع الجماعات السياسية ، واتباع أساليب عنيفة في التعامل مع المعارضة عبر جهاز الأمن الإيراني “السافاك” الذي كان يثير الهلع والذعر في أوساط المجتمع.

ثامنا: الدور البارز لرجال الدين الشيعة ورفع الغطاء الديني عن الشاه وتكفيره عبر الحوزات العلمية والحسينيات والمساجد ،  من خلال إصدار الفتاوى وأشرطة الكاسيت والتحريض ضد الشاه وسياساته الهادفة لتغريب هوية إيران الإسلامية، وضد علاقات الشاه الخاصة بالولايات المتحدة  وإسرائيل، وضد علمنة الدولة بحجة إقامة الدولة المدنية .

تاسعا: الدور البارز لطلاب الجامعات الإيرانية بالثورة وخاصة طلاب جامعة طهران .

والله من وراء القصد

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ما اشبه المملكة الايرانية سنة 1979 بالملكيات العربية الحالية. … ان الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها و جعلوا اعزة اهلها اذلة و كذلك يفعلون …. او كما قال الله تعالى …

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here