الدكتور عارف بني حمد: تحركات عربية إقليمية في أكثر من إتجاه… والخيارات الأردنية و السعودية

الدكتور عارف بني حمد

يشهد الإقليم تحركات دبلوماسية عربية إقليمية مثيرة أبرزها:

أولا: محاولة كسر الجمود في العلاقات الأردنية – السعودية، إذ قام رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز (المقرب من السعودية) على رأس وفد من مجلس الأعيان بزيارة المملكة العربية السعودية وسلم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز رسالة خاصة من جلالة الملك عبدالله الثاني تضمنت التأكيد على ضرورة  التنسيق بين البلدين الشقيقين حول مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، وبما يسهم في تعزيز منظومة العمل العربي المشترك، وهي الرسالة الثانية التي يرسلها الملك عبدالله  خلال إسبوع للملك سلمان . وكان رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز قد زار السعودية قبل إنعقاد القمة العربية في تونس  يرافقه رئيس هيئة  الأركان المشتركة الفريق محمود فريحات ومدير المخابرات العامة اللواء عدنان الجندي وسلم الملك سلمان الرسالة الأولى.

 ويبدو أن الزيارة الأولى  لم تنجح في كسر الجمود وإزالة سوء الفهم في العلاقات بين البلدين ، وإنعكس ذلك سلبا في عدم عقد لقاء قمة ثنائية بين العاهلين الملك عبدالله والملك سلمان على هامش قمة تونس العربية، على الرغم من دعم السعودية للبيان الختامي للقمة الذي تضمن دعم الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف .

ويعتقد بأن  هناك عوامل  قد ساهمت في عدم عقد القمة الثنائية بين البلدين على هامش قمة تونس وهما :

  1. توجس السعودية من القمة الثلاثية الأردنية – المصرية – العراقية التي عقدت في القاهرة قبل قمة تونس ، وخشيتها من تحول هذه العلاقة الى محور جديد يستهدف السياسة السعودية . ويبدو بأن عدم لقاء الملك سلمان أيضا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش القمة يأتي ضمن هذا الإطار .

  2. عدم إرتياح السعودية من زيارة الملك عبدالله الى المغرب والإعلان عن تطوير العلاقات الأردنية – المغربية الى مستوى الشراكة الإستراتيجية ، وقيام وزير الخارجية المغربي خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع وزير الخارجية الأردني بمهاجمة السياسة السعودية والإماراتيه ، علما بأن العلاقات المغربية – السعودية شهدت مؤخرا تدهورا في العلاقات على خلفية الموقف المغربي من الأزمة القطرية ورفض المغرب ما أسمته إملاءات سعودية وإماراتيه تتعلق بسياسة وسيادة المغرب ، وترتب على ذلك إستدعاء السفير المغربي من الرياض وإنسحاب المغرب من قوات التحالف في اليمن في أعقاب بث قناة العربية السعودية برنامجا عن الصحراء الغربية يؤكد سيادة الجزائر عليها .

ثانيا: الحركة الدبلوماسية السعودية تجاه العراق ، إذ قام وفد إقتصادي  سعودي (4/4)، رفيع برئاسة وزير التجارة والاستثمارماجد القصيبي  وضم الوفد أكثر من( 100) شخصية، بينها وزراء ووكلاء وزارات ورجال أعمال، ولقاء الوفد العديد من المسؤولين العراقيين، في مقدمتهم رئيس الوزراء عادل عبد المهدي.

وتم خلال هذه الزيارة تقديم السعودية منحة ومساعدات مالية للعراق بقيمة مليار ونصف المليار دولار، ستخصص للمساهمة في تنمية العراق. كما تم افتتاح القنصلية السعودية  في بغداد ، وسيتم إفتتاح ثلاث قنصليات أخرى قريبا في عدد من المحافظات العراقية . كما أن  هناك (13) اتفاقية جاهزة للتوقيع، وأن العمل في معبر عرعر الحدودي البري الذي يربط بين البلدين سيكتمل في غضون ستة أشهر. وكذلك سيتم بناء مدينة الملك سلمان الرياضية في بغداد .

وكانت العلاقات بين البلدين قد إنقطعت تماما في أعقاب غزو العراق للكويت عام 1990، وأستؤنفت في أعقاب سقوط النظام العراقي عام 2003، لكنها بقيت علاقات مترددة بسبب تحفظ السعودية على دور إيران المتصاعد في العراق. ويبدو بأن هناك عدة عوامل ساعدت على تطوير العلاقات بين البلدين أبرزها :

  1. ربما إستجابة للمطالب الأمريكية للعمل على تحجيم النفوذ المتنامي الإيراني في المنطقة ومحاولة إبعاد العراق عن إيران .

  2. منافسة إيران في السوق العراقي ، وتعتبر ايران ثاني أكبر مصدّر للعراق، وتملك نفوذا سياسيا متجذرا في هذا البلد خصوصا من خلال الفصائل الشيعية.

  3. مساعي عراقية لإقامة علاقات إقليمية ودولية متوازنة والإستفادة من تنافس هذه الدول على النفوذ بالعراق لجني فوائد اقتصادية والمساهمة في إعادة الإعمارفي العراق  والتي تتطلب أموالا كثيرة  .

  4. ربما يكون الهدف من التوجه السعودي للعراق، وتقديم البديل الإقتصادي والمالي، محاولة سعودية لإجهاض بوادر تشكيل المحور الجديد الأردني – المصري- العراقي .

  5. ربما أيضا مكافأة سعودية للعراق إذا صحت التسريبات (صحيفة الديار اللبنانية المقربة من حزب الله اللبناني )عن وجود وساطة عراقية لتقريب وجهات النظر بين إيران والسعودية وعقد لقاء مخابراتي سعودي – إيراني مؤخرا في العراق لهذه الغاية . كما سربت المعارضة الإيرانية في فرنسا (أنصار الشاه) عن وجود وساطة أوروبية (المانية وبريطانية وفرنسية ) بين إيران والولايات المتحدة وأن لقاءا رفيع المستوى سيعقد بين الطرفين في بلد شرق أوسطي يرجح أن يكون العراق . ويعتقد بأن جهودا تبذل في هذا الإطار، حيث أن إيران دولة براغماتية وتسعى لتلافي عقوبة منع تصدير النفط الإيراني التي يبدأ العمل فيها الشهر القادم والذي يهدد وجود النظام الإيراني .

ثالثا : تعزيز العلاقات الأردنية الإقتصادية مع قطر ، إذ قام وزير شئون الاستثمار مهند شحادة بزيارة  قطر قبل إسبوعين ، كما قام وفد من مجلس الأمة الأردني برئاسة رئيس مجلس النواب عاطف الطراونة بزيارة الى قطر . وتتفاعل العلاقات الاردنية القطرية على اكثر من نطاق وسط ترحيب ملموس من الجانبين في الوقت الذي تظهر فيه الدوحة المزيد من الصبر وعدم الاستعجال على تسمية وعودة سفيرها الى عمان  بعد ان كانت مغادرة السفير لمهام عمله اصلا هي الخطوة التي وصفت بأنها متوازنة واتخذتها السلطات الاردنية تضامنا مع السعودية إبان اعلان الحصار السعودي والاماراتي والبحريني على قطر . وكانت قطر قد ارسلت وديعة قيمتها نصف مليار دولار الى البنك المركزي الاردني  ووعدت بتوفير عشرة الاف فرصة عمل للأردنيين .

رابعا: تطور في العلاقات العلاقات العراقية – السورية وخطوات متقدمة لإعادة تشغيل المعبر الحدودي الضخم بين العراق وسورية في غضون اسابيع قليلة . وفي المقابل تراحع النشاط التجاري بين الأردن وسوريا  من خلال معبر نصيب بسبب ضغوط أمريكية .

وحول مستقبل العلاقات الأردنية – السعودية ، لا بد من الإشارة الى الحقائق التالية :

  1. السعودية والأردن دولتان حدوديتان محوريتان ومؤثرتان في قضىايا الإقليم، ويعتبر أمن الأردن وإستقراره مهما جدا للإقليم والعالم . وقد إرتبط الأردن والسعودية بعلاقات إستراتيجية في مختلف المراحل ، لأن كل بلد يشكل عمقا إستراتيجيا للآخر، وأمن كل بلد مهم جدا للبلد الآخر ، هذه هي حقيقة الجغرافيا .

  2. تبرز بين الحين والآخر سوء فهم في بعض الملفات ويتم تجاوزها بالحوار والمصارحة .

  3. الأردن يرفض سياسة المحاور الإقليمية ، لانه سيكون الخاسر الأكبر من ذلك ، وقد عانى في السابق من سياسة المحاور العربية والتي أضرت بمصالحه وقيدت حركته الإقليمية .

  4. الذي يحكم الدبلوماسية الأردنية وحركته العربية والإقليمية والدولية حاليا عدة عوامل لها علاقة بمصالح الأردن العليا وهي :

 أ. مخاوف أردنية حقيقية من مخرجات صفقة القرن مع إقتراب موعد الإعلان عنها والمساعي الأمريكية والإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية، ربما على حساب المصالح الوطنية العليا للأردن . وبالتالي فالأردن بحاجة الى دعم سياسي لأمنه وإستقراره  لمواجهة أي ترتيبات إقليمية تنتج عن ذلك .

ب. مساعي أردنية للحفاظ على الوضع القائم في القدس الشريف والوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة في القدس، على ضوء السياسة الأمريكية والإسرائيلية تجاه القدس الشريف، وإعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس كعاصمة أبدية لإسرائيل ، والتسريبات الإسرائيلية بالمساس بالوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة في القدس الشريف . وقد جاءت الزيارة الملكية للمغرب ضمن هذا الإطار فقط وليس لها علاقة بطبيعة العلاقات المغربية – السعودية، وكذلك اللقاءات الملكية في إيطاليا وفرنسا ، كما حصل الأردن على دعم عربي في قمة تونس  للوصاية الهاشمية .

ج. مساعي أردنية للتغلب على الأزمة الإقتصادية الخانقة ، من خلال تنويع خياراته وعلاقاته الإقتصادية ، وتأتي العلاقة مع قطر والعراق ضمن هذه المساعي وليست موجهة ضد أحد .

  1. الجغرافيا السياسية تؤكد بأنه لا بديل عن تعزيز العلاقات الإستراتيجية بين الأردن والسعودية، فالسعودية مستهدفة إقليميا ودوليا وتواجه حملة إقليمية ودولية شرسة وبحاجة الى دعم كل أشقائها ، كما أن الأردن مستهدف من ترتيبات صفقة القرن وبحاجة لدعم عمقه العربي الإستراتيجي (المملكة العربية السعودية ودول الخليج) .

  2. نأمل ونتمنى أن يتم تتويج المساعي الدبلوماسية الأردنية تجاه المملكة العربية السعودية بعقد قمة أردنية – سعودية عاجلة وقريبة للتنسيق حول كل الملفات ولمواجهة كل التحديات .

والله من وراء القصد

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. هذه هي السياسة يا سيدي تتعامل مع الجميع وفق مصالحك العليا وليس وفق مصالح الآخرين ، وهذا ما تقوم به الاردن في تعاملها مع مختلف قضايا المنطقة والاقليم !

  2. كان بامكان السعودية التي حباها الله بأنعم كثيرة أن تكون حقا الاب والام لكل الدول العربية والإسلامية وكل شعوب تلك الدول لديهم الاستعداد للتضحية فداء لهذا البلد الإسلامي العريق ولكن ما قام به قادة هذا البلد بالتأمر على كل ما هو عربي واسلامي خدمة لامريكا وإسرائيل .

  3. يا رجل السعودية تتأمر علينا وتقول خيارات السعودية؟ خال كيفك؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here