الدكتور عارف بني حمد: العلاقة بين العشائر والدولة في الأردن

الدكتور عارف بني حمد

نشأت القبيلة قبل الدولة منذ أقدم العصور وكان أساسها إنساني عند القيام والتشكّل؛ وهو الشعور بالخوف عند الأفراد؛ ما يجعلهم يعودون نحو العِرق ليظفروا بالأمن والغذاء، وهكذا أصبحت القبيلة مكمن الأمن عند الخوف

وفي أعقاب قيام الدولة الوطنية الحديثة أصبحت الدولة كيانا سياسيا مختلفا عن القبيلة ذات الكيان الإجتماعي، وهيمنت الدولة المعاصرة المستقرة على كافة السلطات والمؤسسات العسكرية والأمنية وإحتكرت حق إستخدام القوة المشروع ضمن القانون . وتمكنت الدولة من صهر  كل  المكونات  في وعاء الهوية الوطنية الجامعة، رغم وجود إختلاف في العرق والدين واللغة والتاريخ ، ثم منحت الجميع حقوقاً متساوية مقابل واجباتهم تجاه الدولة، مما جعل الدولة هي الكيان الوحيد والقوي وما سواه يدخل في مؤسسات المجتمع المدني التي تتكامل في أدوارها مع واجبات الدولة.

وبهذا المفهوم  لن تستطيع القبيلة أو العشيرة منافسة الدولة في هذه الحالة، ولكن الإشكال؛إذا أصبحت القبيلة كياناً سياسياً واجتماعياً، أفراده منسجمون بعلاقة نَسَبية تجتمع وفق العِرق والدم، وتشكل (عصبية) وتولّد عقد حماية اجتماعياً مخفياً بين أفراد تلك القبيلة، يظهر في الأفراح والأتراح وعند المنازعات مع قبائل أخرى . هذا النوع من القبيلة يتضاد كلياً مع طبيعة الدولة. ويظهر الخطر عند الأزمات عندما تتحول القبيلة إلى عامل توتر وقلق وتحدي سياسي وإجتماعي،من خلال السعي للقيام بدور الدولة واحتلال مكانها .                                                                                   ويلاحظ بأن العقل القبلي والعشائري المعاصر غالبه نسق ماضوي ينمي عنصر الولاء للقبيلة والعشيرة القوية المتفردة عن غيرها، وهذه المشاعر ما لم تضبط بقيم الدين والولاء للدولة بمؤسساتها وقيمها الوطنية فإنها ستؤجج العصبية والكراهية للقبائل والحواضر الأخرى.وقد ساهمت ثورة الاتصالات والتواصل الإجتماعي الحديثة  في تأجيج السياق الماضوي والعقل الجمعي للقبيلة والعشيرة أكثر من الدفع الإيجابي بها نحو الانتماء إلى الدولة الحديثة.

وفي بلدنا الأردن لعبت العشائر الأردنية دورا كبيرا في بناء الدولة الأردنية والحفاظ على أمنها وإستقرارها منذ تأسيس الإمارة عام 1921، من خلال إنخرط أبنائها في المجالات العسكرية والأمنية والحكومية. ومع إقتراب المئوية الأولى على تأسيس الدولة برزت مظاهر سلبية تعيد الناس الى ما قبل تأسيس الدولة بالعودة  للهويات الفرعية والإحتماء بالعشيرة وتحدي الدولة وقوانينها ، وهي مؤشرات تدل على تراجع هيبة الدولة وفشلها في تحقيق وتجسيد الهوية الوطنية الجامعة، وهي من مؤشرات الدولة الفاشلة .

كما لوحظ في السنوات الأخيرة تنامي مظاهر الإستقواء على الدولة ، فعندما تسعى الدولة لتطبيق قوانينها على بعض الأفراد تصطدم برفض عشائرهم من خلال القيام بإصدار البيانات والإجتماعات وإغلاق الطرق وحرق الكوتشوك والإعتداء على الأملاك العامة  .

هناك أسباب وراء هذه المظاهر الخطيرة ، أبرزها :

  1. شعور الناس بعدم العدالة الإجتماعية في توزيع مكتسبات التنمية والوظائف ، ومحاباة الدولة لبعض العشائر .

  2. شعور بعض الناس بالظلم وبالإنتقائية في تطبيق القوانين ، على الأشخاص الذين لا ينتمون لعشائر كبيرة ، وفي المقابل لفلفة القضايا المتعلقة بالمتنفذين وبأبناء العشائر الكبيرة والمتنفذة .

  3. حساسية بعض العشائر من ربط إسمها بقضايا الفساد ، عندما يتورط أحد أبنائها بالفساد .

ولمعالجة  هذه المظاهر قبل أن تستفحل وتهدد كيان الدولة يجب التأكيد على الأمور التالية :

  1. تحقيق العدل من خلال تجسيد سيادة القانون قولا وفعلا على الجميع دون محاباة ، ولنا في تجسيد الرسول (ص) لذلك ” لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها “.

  2. العمل على تحقيق المساواة والعدالة الإجتماعية النسبية في توزيع المكتسبات على الجميع .

  3. العمل على تجسيد الهوية الوطنية الجامعة، ومحاربة كل مظاهر بروز الهويات الفرعية العشائرية والجهوية والمناطقية .

  4. رفع الغطاء العشائري عن الفاسدين، من خلال قيام العشائر الأردنية بتوقيع ميثاق شرف بعدم حماية أي فاسد ، وأن الفاسد لا يمثل سوى نفسه فقط .

وحمى الله الأردن

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here