الدكتور عارف بني حمد: الإستعصاء الديمقراطي عربيا

الدكتور عارف بني حمد

الديمقراطية تعني حكم الشعب للشعب والتداول السلمي على السلطة، لكن التراث السياسي العربي والإسلامي لم يعرف مفهوم التداول السلمي على السلطة . وتحدث ابن خلدون عن نوع من الطباع العربية في التمسك بالحكم مما يؤدي في النهاية إلى  التنافس  والصراع على السلطة وتدمير العمران والدول  .

ولم يعين الرسول محمد صلى الله عليه وسلم خليفة له وأبقى على مسألة تولي السلطة كأمر دنيوي  للمسلمين يقررون فيه بأنفسهم . لكن فيما بعد قام أبو بكر الخليفة الأول ، بتعين عمر بن الخطاب وليا لعهده خليفة المسلمين وقد بويع دون أي معارضة ، لكن عمر بن الخطاب لم يعين من يخلفه بل أشار إلى الصحابة كيفية التقرير في الأمر .

وفي عهد معاوية بن ابي سفيان تحولت الخلافة إلى حكم ملكي وراثي، وأقصيت الإرادة الشعبية عن السياسة وأصبحت البيعة قسرية وما على المواطن إلا الخضوع للحاكم المستبد وإلا ألقى بنفسه إلى التهلكة. ثم جاءت الدولة العباسية والدولة العثمانية على نفس النهج . وفي ظل هذا الواقع السلطوي الذي تعمق عبر العصور لم يكن التداول على السلطة ممكنا فاستفحل الصراع على السلطة المطلقة وشبه المطلقة ، وأصبح التغيير عن طريق العنف ميزة أساسية للمشهد السياسي العربي .

وعلى الرغم من موجات التحول الديمقراطي في العالم منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية وإندلاع أحداث الربيع العربي ولغاية الآن ، لم تحرك الدول العربية ساكنا ، ولو خطوة ذات معنى جوهري نحو الديمقراطية ، بإستثناء بعض الإجراءات الشكلية من إجراءات دستورية شكلية غير جوهرية ، ومن وجود مظاهر إجراء إنتخابات دورية يغلب عليه طابع عدم الشفافية والنزاهة، وأصبحت أنظمة سياسية هجينة ، وبقي المشهد السياسي العربي يتميز بغياب الديمقراطية الحقيقية، فيما تتسارع وتيرة الانفتاح الليبرالي اقتصاديا.

ويتم تبرير تأجيل الديمقراطية بحجة مجموعة من الذرائع أبرزها :

  1. عدم النضج السياسي للشعب ، إذ تدعي الأنظمة العربية أن عدم توفر النضج السياسي للشعب يتطلب تأجيل المشروع الديمقراطي.

  2. حماية الوحدة الوطنية ، إذ تدعي الأنظمة أن التعددية السياسية تشكل خطرا على الوحدة الوطنية وتبرز الهويات الفرعية .

  3. تحقيق التنمية الاقتصادية، حيث تذرعت السلطة بخنق الحريات في سبيل التنمية وتلبية حاجات الشعب المادية لكنها فشلت في سياستها التنموية .

  4. الصراع العربي ـ الإسرائيلي (هذه الذريعة تخص الأنظمة المعنية بالقضية الفلسطينية في المشرق العربي) إذ انتهكت الحريات واستبعدت الديمقراطية من الأجندة السياسية باسم مواجهة العدو الإسرائيلي، وشكل هذا الصراع أحد أهم مصادر الشرعية لعدة أنظمة عربية على رأسها مصر وسوريا.

  5. الخصوصية العربية ( بلدان الخليج العربي) ،حيث تصر النخب الحاكمة على خصوصيات محلية لاستبعاد الديمقراطية كون الأنظمة الحاكمة تحوي في بنيتها السياسية آلياتها الخاصة، مما يجعلها في غنى عن الديمقراطية.

 كل هذه الذرائع تذرعت بها النخب الحاكمة لتستأثر بالسلطة خصوصا والسياسة عموما ولتنعم بالامتيازات الاقتصادية مؤجلة بذلك الديمقراطية إلى أجل غير مسمى.

  1. الدور السلبي للأجهزة العسكرية والأمنية في إجهاض أي محاولات ديمقراطية .

  2. دور العامل الخارجي في تغييب الديمقراطية عربيا ، ذلك أن المقاربة الغربية للديمقراطية ( تجاه الوطن العربي) تحكمها قاعدة أساسية وهي عدم مساندة المطلب الديمقراطي في الدول ذات الأنظمة الموالية للغرب.

لكن الربيع العربي منذ عام 2011 أحدث تغييرا جوهريا يتلخص بالتالي :

  1. يطمح كل عربي بحياة كريمة في ظل دولة قانون تؤمن بالمساواة الحقوقية بين الناس.

  2. كل عربي يحلم بالعدالة وبالحريات والمشاركة السياسية.

  3. كل عربي يحلم بحكومة تخضع للمساءلة الشعبية .

  4. كل عربي يحلم بدولة لا ينخرها الفساد ولا تحكم بالقبضة الأمنية.

إن فكرة الحرية ورفع الظلم والعدالة الاجتماعية وانشاء نظام سياسي يخضع للمساءلة، وتغيير الحكومات بواسطة صناديق الاقتراع، وحرية الصحافة وحرية التعبير هي من محركات القرن الواحد والعشرين. ولن تستطيع الدول العربية، مهما بالغت من إجراءات، منع التغييرات الكبرى القادمة ، وكل الذي تستطيع أن تفعله هو كسب الوقت.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here