الدكتور عارف بني حمد: الأردن: بحاجة لتفعيل الدبلوماسية التقليدية والسرية لضمان مصالحه.. وتنويع خياراته.. والاقتداء بالتجربة العُمانية

الدكتور عارف بني حمد

تعتبر العلاقات الدبلوماسية التقليدية التي تقودها وزارات الخارجية من خلال سفرائها أداة رئيسية من أدوات السياسة الخارجية لأي دولة ، وهي من أقدم الوسائل في العلاقات الدولية ، وهي بطبيعتها مسعى هادئ ودؤوب  وتحتاج الى الصبر . حتى إن أحد نجومها، هنري كيسنجر، قال عنها إنها “مراكمة صبورة لنجاحات جزئية”. وتعرف الدبلوماسية  بأنها “الأداة الرئيسية التي تستخدم لإدارة العلاقات الخارجية، والحد من التهديدات، وإغتنام الفرص لتعظيم الأمن والازدهار”.

ففي بلدنا الأردن يتولى جلالة الملك شخصيا قيادة الدبلوماسية الأردنية لتحقيق المصالح العليا للدولة الأردنية ، وعلى ضوء الجغرافيا السياسية للأردن، تواجه الدبلوماسية الأردنية عددا من التحديات والمعوقات،يتمثل بطبيعة العلاقات الإقليمية المتغيرة والواقع الدولي المعقد  :

أولا : نظام دولي أحادي القطبية بزعامة الولايات المتحدة (مع وجود محاولات روسية وصينية لتعديل هذا النظام الى متعدد الأقطاب) . ووجود إدارة أمريكية متهورة لا تؤمن بالقانون الدولي والشرعية الدولية ، وتسعى لفرض إرادتها على دول العالم دون مراعاة لمصالح الحلفاء والخصوم . وهذا النظام الدولي يقيد حركة الدبلوماسية ويضيق هامش المناورة الأردنية ، خاصة وأن الإدارة الأمريكية تسعى لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن (صفقة القرن) .

ثانيا : غياب فعالية النظام الإقليمي العربي الذي تمثله جامعة الدول العربية ، وطبيعة العلاقات العربية – العربية التي يسودها الصراع والتنافس وعدم الثقة، وتحكمها في الغالب العلاقات الشخصية والحب والكره بين القادة العرب وليس المصالح المتبادلة بين الدول .

ثانيا : خروج العراق وسوريا من لعبة التأثير بالتوازنات الإقليمية .

ثالثا : تراجع دور مصر الإقليمي كقائد للعمل العربي المشترك بسبب إنشغالها  بأوضاعها الداخلية منذ أحداث الربيع العربي عام 2011. لكن التسريبات الإسرائيلية تشير الى أن الإدارة الأمريكية قررت مؤخرا تفعيل الدور المصري الإقليمي بدلا من الدور السعودي ، من خلال تكليف  مصر بمهمة تسويق صفقة القرن عربيا والضغط على السلطة الفلسطينية ، مقابل دعم الرئيس المصري داخليا (إستمرار السيسي بالحكم) وتقديم مساعدات مالية كبيرة لمصر .

رابعا : محاولة السعودية ملء الفراغ الإقليمي ، وقد واجهت صعوبات كبيرة للقيام بهذا الدور، حيث دخلت في صراع وتنافس مع دول إقليمية أخرى وهي إيران وتركيا ، وعدم قبول مصري بالدور السعودي المنافس لمصر . ودخلت بحرب بالوكالة مع دول إقليمية منافسة وحرب مباشرة في اليمن، وإشتبكت مع ملفات ساخنة في سوريا ولبنان وليبيا والسودان والجزائروالعراق وفلسطين ، وصراع داخل مجلس التعاون الخليجي ضد قطر . كل ذلك أدى الى إنهاك  وإضعاف السعودية وإستنزافها ماليا .

خامسا : وجود ثلاثة مشاريع إقليمية غير عربية تتنافس وتتصارع على النفوذ في المنطقة العربية :

  1. المشروع الإيراني المدعوم من العراق وسوريا وحزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن .

  2. المشروع التركي المدعوم من قطر وجماعات الإخوان المسلمين في الدول العربية .

  3. المشروع الإسرائيلي المدعوم بشكل مطلق من الإدارة الأمريكية الحالية والتي تسعى لدمج إسرائيل في النظام الإقليمي الجديد (التحالف الإستراتيجي للشرق أوسط / الناتو العربي) الموجه ضد إيران ، وما يترتب عليه من وجود علاقات علنية وسرية بين إسرائيل ودول الخليج .

سادسا : تشكل محور سعودي – إماراتي – بحريني – مصري (مصلحي وليس إستراتيجي ) ويشتبك مع عدد من الملفات وأولوية هذا المحور هو التصدي للتهديدات الإيرانية (ولا يمانعون من التعاون إستراتيجيا مع  الولايات المتحدة وإسرائيل لهذه الغاية) وكذلك التصدي للنفوذ التركي وخطر جماعات الإخوان المسلمين ومحاصرة قطر  .

وتنحصر أولوية مصر بالتصدي لتركيا وجماعة الإخوان المسلمين والإرهاب في سيناء والملف الفلسطيني والأوضاع في السودان وليبيا والجزائر ، لذلك أعلنت إنسحابها من الناتو العربي .

سابعا : غياب مفهوم العلاقات الإستراتجية بين الدول ، وسيادة العلاقات التكتيكية والمصلحية .

ثامنا : طبيعة العلاقات الأردنية – الفلسطينية ، التي يسودها عدم الثقة والتنافس ، وخشية الأردن من قيام السلطة الفلسطينية بتوقيع صفقة (أوسلو /2) مع الإسرائيليين برعاية أمريكية ومصرية وخليجية دون إطلاع الأردن عليها . وعلى الرغم من إعلان الرئيس الفلسطيني بقطع إتصالاته مع الإدارة الأمريكية ، إلا أنه إعترف خلال إجتماعات وزراء الخارجية العرب في القاهرة مؤخرا بوجود إتصالات أمنية مع الولايات المتحدة ، وأبقت السلطة الفلسطينية على التنسيق الأمني مع إسرائيل على الرغم من كل الإجراءات الإسرائيلية ، كما أن الرئيس عباس أبدى استعداده للتفاوض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في موسكو ، وفقًا لما أعلنه وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي مؤخرًا .

وفي ظل هذه الأوضاع العربية والإقليمية والدولية المعقدة  تتحرك الدبلوماسية الأردنية وتحقق بعض النجاحات والكثير من الإخفاقات ، علما بأن سياسة المحاور العربية والإقليمية تضر بالأردن ، وقد عانى في السابق من هذه السياسة والتي أضرت بمصالحه وقيدت حركته الإقليمية .

والذي يحكم الدبلوماسية الأردنية وحركته العربية والإقليمية والدولية حاليا عدة عوامل لها علاقة بمصالح الأردن العليا وهي :

 أ. حماية مصالح العائلة الهاشمية والنظام السياسي والكيان الأردني وهويته في ظل مخاوف أردنية حقيقية من مخرجات صفقة القرن مع إقتراب موعد الإعلان عنها والمساعي الأمريكية والإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية، ربما على حساب المصالح الوطنية العليا للأردن ، علما بأن أولوية الأردن هو الملف الفلسطيني ، حيث يرتبط مستقبل الدولة الأردنية وشكلها بطبيعة الحل للقضية الفلسطينية . وبالتالي فالأردن بحاجة الى معلومات لمعرفة ما يخطط له ، وكذلك الى دعم سياسي لأمنه وإستقراره  لمواجهة أي ترتيبات إقليمية تنتج عن ذلك .

ب. تحقيق دعم معنوي من خلال المساعي الأردنية للحفاظ على الوضع القائم في القدس الشريف والوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة في القدس.

ج. الخروج من عنق الزجاجة إقتصاديا وماليا ، من خلال تنويع خياراته وعلاقاته الإقتصادية ، وتأتي العلاقة مع قطر والعراق وتركيا ضمن هذه المساعي وليست موجهة ضد أحد .

وعلى ضوء ذلك مطلوب من الأردن مواصلة تنويع خياراته السياسية والإقتصادية من خلال تفعيل الدبلوماسية العلنية التقليدية والدبلوماسية السرية ( القناة الخلفية / قناة جهاز المخابرات العامة ) لضمان المصالح العليا للدولة الأردنية . وكذلك إعتماد سياسة خارجية أشبه  بزواج المتعة (المنفعة المتبادلة فقط) في العلاقات العربية والإقليمية والدولية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب ، وعدم إتباع سياسة المجاملة ومراعاة مصالح الآخرين على حساب المصالح الأردنية . وقد أتقنت سلطنة عمان هذا الإسلوب بإحتراف حيث ترتبط بعلاقات مع كل الأصدقاء والأعداء معا ، فهي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا وروسيا والصين وإيران والسعودية وتركيا والعراق وقطر ومصر وباقي دول العالم ولا تخضع لإبتزاز أي دولة .

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الأردن لا خيارات امامه , أمريكا سيدة الكل وسيدة المنطقه بلا منازع , ستفرض ما تريده , أمريكا لا صديق أو حليف لها سوى أسرائيل .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here