الدكتور سمير محمد أيوب: مَلاطِمُ الحب وبواكيه.. تجربة مع أزمات الزوجات في غزة

الدكتور سمير محمد أيوب

مُتَّكِئا على عَصايَ ، قلتُ ذاتَ فالنتاين ، لحشدٍ مُختَلَطٍ ، إكتظَّت به قاعةٌ على إتساعها ، في ورشة عَصْفٍ حِواريٍّ ، نظمتها باقةٌ من الجمعيات الخيرية العاملة في قضايا حماية الأسرة ، في هذا العالم سريع التغير :

الحبُّ النبيلُ الأنيقُ ، سيداتي سادتي ، مودةٌ ورحمةٌ لا تتَّسِعُ إلاَّ للمشاعرِ النبيلة الأنيقة . قِيَمُه ، وسائله وأغراضه إيجابية بالضرورة . يتحصن فيها كلُّ سَويٍّ للبناء في حواضنه . ولكن ، قد يَحْدثُ أن يضطرَّ البعضُ في ثناياهُ  والوجعُ يغزوهُ ، للرحيلِ أو الإستغناءِ  أو الإبتعادِ ، عن عزيزٍ له .

البعضُ مِنا ، قد يعيش مع شريك له أحداثا مؤلمة ، تلتبسُ في ثناياها المعاني ، وتغيبُ المضامين . فيسودها  كيدٌ وغِلٌّ وتخريب . ويَشيعُ في جَنَباتِها نكَدٌ . يعتقلُ الشراكة في زنازينَ مُكتظةٍ بالأحزان ، مُثقلة بهمومِ الإصطفاف المُتغاضِب ، ولَيِّ الأذرُعِ  المُرتَجَل . فيضطر في ظلِّ أعطابِ الفَهم وسِيادة الوَهْم ، ونفاذ الصبر ، لهجرِ تلك الشراكة  ، لاعِناً غيرَ آبِهٍ ولا آسِفٍ .

 عريفُ الأمسيةِ صَيدلانيٌّ ، في الأربعين من عمره ، كان يعاني آنذاك ، من آثارٍ جانبيةٍ لخلع زوجته له قضائيا ،  قاطعني سائلا ، وقد حسب أنني قد أنهيتُ قَوليَ ، وأنا أحاولُ إشعال لفافتي : أسألك يا شيخنا ، عما يُحوِّلَ الإنتماء لرياضِ الحُبِّ ، من حُلُمٍ لِعشاق الحياة  ، لكوابيسَ ذات سمعة سيئة . على حوافه كثرة من المتعثرين ، ألسنتهم مُثقَلَة بتحذيرات منه . ما القَشُّ الذي يَقصمُ ظهرَ المُتسكِّعين على أرصفةِ الحُب ، ويُحَوِّلهم إلى بَواكيَ تتسولُ شفقةً وحَزَن  ، ويُصَيِّرُعلاقاتهم مَلاطمَ ، يُهيلونَ في ظِلِّها ، الكثيرَ منَ الإنتقاداتِ والرتوش ، ويبشِّرونَ بانقراض الحب ؟!

قلتُ دون أنْ ألتفتَ للسائلِ الجالسِ على يميني : بعيدا عن كلِّ ما قد يَجتَرُّ الشاكي الباكي في مُطوَّلاته ، فإن أسبابَه أيا كانت ، سجينة مضائق ودهاليز تجربته الشخصية ، بالغة المحدودية ، وموسومة باتجاهاته ومرجعياته .

أشدُّ الرماديين  تفاؤلا ، مِمَّن تحدثوا قبليَ اليوم   ، بِوجعٍ عن الرومانسية ، قد بشَّروا  بقرب رحيل الحب بالسكتة الدماغية ، أو بالضربة القاضية الفنية  ، ناصحين بالتجهيز لجنازته ، والإستعداد لتوديعه . أما السوداويون ممن تحدثوا من بعدهم ، فقد أكدوا أن الحب قد قضى ومضى . باد بعد أن ساد .  وينصحون بالبحث عن علاقات وشراكات أخرى ، بديلة أو موازية .

أما أنصار الحب بكلِّ صُوَره ، فيرون كثرة تحدياته ،  وضرورة البحث عن مهارات الإرتقاء به ، أهم وأجدى من البحبشة عن أسبابٍ لِتَفْشيله . وهُمْ يرونَ  أنَّ حالَ مؤسسةِ الزواج  ، لم يَعُدْ يسرُّ الخاطَرَ . تراجَعَتْ صورتَها الذهنية عند الشباب ، بشكل باتت تتطلب الكثير من التَّبصُّرَ ، لإستعادة الثقة ببنيتها ووظائفها . بعد أن أساءت عوامل كثيرة إلى هذه المؤسسة بالغة الحيوية ، سواء من قبل الذين اقتحموها دون تدريب أو ضوابط  ، أو هؤلاء الذين تسللوا إليها ، عبر شكلانياتها ومظاهرها المادية ، أو عبر تفلتات أتباع الكيفما كان ، وهات إيدَك وإلحَقني .

ما أنْ تَوقفتُ لإلتقاط شيء من أنفاسي ، إنتَصَبَت واقفةً ، إمرأةٌ تجلسُ في الصف الأمامي من القاعة ، إعلامية في الثلاثين من عمرها ، علمتُ فيما بعد ، أنها تُقاضي زوجَها منذ سنوات ، للتفريق بينهما بدعوى الشقاق والنزاع وعدم الإتفاق .  قالت موجهة سؤالها إليَّ : ما العمل يا سيدي ، إن ضاق الصدْرُ بالشراكة  ؟

قلتُ بتمهل متعمد ، مشددا على مخارج كلماتي  : ساعَتَها ، لا تحبسي النفس  في أحلام البدايات ، ولا في أسى الواقع وتشابكاته . ولاتبحثي كثيرا ولا بعيدا عن الذات ، فالعيب فيكما معا . ليسأل كلٌّ منكما نفسه ، أين سجن مشاعره آخر مرة ، أو أين أضاعها أو دفنها . فالمشاعر الصحيحة , لا تموت وإن سكَنَت أو حتى غَفَت . وإن أسلمتِ الروحَ  يوماً ما ، ستجدون أن قَتَلَتَها ، همْ مِنْ أشباه العشاق ، ومِنْ مُتَصَيِّدي الوجَبات السريعة في العلاقات .

إقتربت من المنصة ، سيدة منقبة كانت تجلس بين الحضور ، قدمت نفسها ، ربة بيت وأم لصبيين ، طالبة دراسات عليا ، تبحث في قضايا الأمومة والطفولة على وجه الخصوص والاسرة على وجه العموم ، سألتني قائلة : يا شيخنا ، عندما يفترق شخصان  متحابان ، الى أي مدى يكون آخر شجار بينهما ، هو السبب ؟

قلت مبتسما : لنتفق في البداية ، على أننا متفاوتون في القدرة على الصبر وعلى تحمل ، متواليات الهزات وإرتداداتها وتراكم آثارها .  ومن ثم أقول ، بعيدا عن متاهات لعبة تلبيس الطرابيش والطواقي ، وعشوائيات القصف العبثي المتبادل ، يُنكر جُلُّ عقلاء المجانين ، في أيِّ شجارٍ قد ينشب بينهم ، أنْ يكون حطام علاقاتهم ، محصورا في آخر خلاف بينهم  . لإيمانهم أنَّ رياح العلاقات وزوابعها وعواصفها ، لا تهُزُّ ولا تُدمِّرُ إلاّ المشاعر والروابط  المتصدعة الأيلة للسقوط  أساسا .

وهنا ناولني عريف الحفل رسالة مطوية بعناية ،  كُتِبَ فيها بخطِّ أنيقٍ : سامِحْني يا سيدي ، لأني آثرتُ ان أسألك كتابة دون أن أواجهك . أنا جَدَّة ٌ لِباقَةٍ من الأحفاد ، في السبعين من عمري ، محامية متقاعدة . من المقلق يا سيدي أن البعض وأنا منهم ، لا ندري رغم طول المدة ، كيف نكون من أهل الحب ، لا من متوهميه ؟

قلت للجميع وأنا أحيي السائلة الغائبة : من رحمةِ الله بعباده ، أنْ جعل موازين مشاعرهم ، في أيديهم ، لا في أيدي أمثالهم . لأن البعض مِنا ، يستطيع أن يغش الناس بمشاعره ، ولكنه إن كان عاقلا حصيفا ، لا يقبل أو يستسيغ غش نفسه . بالوزن الصحيح الحكيم ، يستطيع أن يعرف إن كان من أهل الهوى  ، أم من الجالسين على حوافه . فإن كان ممن يَفرَحون حين يُعْطُون ،  فانه من أهل الحب ، وإن كان يَفرحُ أكثرَ بما يُقدَّمُ له ، فهو ممن على الحواف .

تقدمت من المنصة صبية تمسك بيد شاب ، وقالا بصوت مبتسم ، خلته واحدا : قل لنا يا شيخنا قبل أن تختم : ما أقصر الطرق للحاق بالمحبين .

قلت : سيروا بركاب الحب وأطيلوا ، تلحقون بالخُلَّصِ مِنْ أصحابه . شرط أن لا تيأسوا من رزق الله ، ولا من قدرتكم على نيل حصتكم منه . تشبهوا بكرام المحبين . فإن لم تكونوا مثلهم ، فإن التشبه بهم فلاح .  الحب من تقوى الإيمان . ليس المطلوب أن يكون في جيبك كتابا من كتب الله لتكون مؤمنا تقيَّا. ولكن ، من الضروري أن تكون في أخلاقك آيات ربانية  . إجعلوا كل من يراكم ، يتمنى أن يكون حبيبكم .  فنقاء القلوب ودفؤها  ليس غبا ء ، وإنما فيض يرزقه الله لمن يشاء من عباده الصالحين  .

الأردن –  13/2/2019

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here