الدكتور سمير محمد أيوب: فلسفة الصِّرْصار!

الدكتور سمير محمد أيوب

وسط ركام الخامس من حزيران 67 غابت النظرة الموضوعية ، إلى الكثير من أمور حياتنا الخاصة والعامة ، واختلافاتنا فيها وخلافاتنا من حولها ، وشاعت احكام مسبقة متعسفة حول أسبابها وبناءاتها ومضامينها ومقاصدها . فظهرت الحاجة ماسة ، للقول بفلسفة الصرصار ونظريتها في التقييم .

هي ليست نظرية ولا فلسفة في علم الحشرات ولا علم الصراع . لكنها طريقة في التكاره اللزج . ابتدعها مثقفون للسخرية من اصحاب التناول النمطي للأمور، من أتباع ماعز ولو طار ، وفق قوالب جاهزة ومُعدّة سلفا ، في التأويل التعسفي الذي لا يقود ، إلاّ إلى نتائج مسبقة في ذهن الحاقد أو الموتورة .

النماذج التطبيقية لهذه الفلسفة متنوعة وكثيرة ، تملأ صفحات التكارُهِ الساذَج ، والرّدحِ الحاقد ، والتسحيج المُنافق . ومدسوسة في ولائم العديد من النصوص الأدبية وغير الأدبية ، خدمة لحملات الترويج ، والاغتيال الارهابي ، أو بازارات الابتزاز المُتَعمّد .

يُقال أنّها فلسفةٌ مصرية خالصة . تجد لها صورا وأصداءً في مجتمعات عربية أخرى . لكنّها تظلّ إبداعا شعبيا خالصا ، يَسَمُ الكثيرَ مِنْ جماعاتِ الكيدِ الموتور .

تتّكِئ هذه النظرية على نُكتةٍ مِصريّة شائعة تقول : أنّ مُواطِنا مُفلسا دفَعَه الجوعُ لدخول أحد المطاعم . وبعد أن فرغ من التهام الطعام ، فوجئ بقيمة فاتورة الحساب . أراد أن يكسب بعض الوقت ، ليفكر في وسيلة للتخلص من المأزق . فسأل عن المغاسل ودخلها . وأثناء استغراقه في التفكير أخذ يراقب حركة الصراصير ، فالتمع في رأسه حلٌّ . إنحنى والتقط صرصارا خبّأه في جيبه . وعاد ثانية إلى مائدته . وطلب طبقا من الملوخية ، وما ان وضعه العامل وانصرف ، أخرج الصرصار من جيبه ، ودسَّه في الطبق ، وأخذ يصرخ مُحتجّا .

أقبل مدير المطعم مُعتذرا ، لِيحميّ سمعةَ محلّه . وطلب منه الانصراف دون أن يدفع قيمة ما أكل . وعندما عاد هذا الرجل إلى جماعته ، تباهى بحيلته الذكية . فأراد أحد الحاضرين احتراف اللعبة ، وبدأ في تجهيز أدواته . اذ رأى أنّ من الذكاء ، تجهيز صرصاره بشكل مُسبَق ، تحسّبا لعدم عثوره عليه في المطعم . وفي اليوم التالي ، إنطلق المُتذاكي الجديد ، إلى مطعم فاخرٍ في المدينة المجاورة ، بغية تحويلِ المُصادفة العابرة ، إلى طريقةِ حياةٍ وأسلوب .

دخل المطعم وأكل طعاما كثيرا . وبعد أن شبع وقبْلَ أن تأتيه فاتورة الحساب ، طلب مُجدّداً طبقَ ملوخية ، ليدسّ فيه صرصاره . لكنّ النادل قال له : نحن في هذا المطعم ، لا نقدم الملوخية ضمن وجباتنا . فصرخ المُتذاكي الجديد حائرا مذعورا : أُمّالْ أوَدّي الصرصار دَهْ فين ؟!!!!!!

تلفَّتوا حولَكم ، فقد باتت المسألة اليوم أصعب . إنتشرت نظرية الصرصار. وخرجت من حدود الدائرة الضيقة ، إلى مجالات الثقافة والفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي . واتسعت عضوية هذا القطيع الجديد من المتفذلكين بصورة مذهلة ، وفق شعار : تعالَ احمل صرصارك واتبعني . وتواروا خلف شعارات برّاقة ، ووسائل متحولة متكيفة ، يوظفونها في تزييفهم لِوعيِ المُتلقي ، وخيانة نصوص الحياة ووقائعها ، لقاء حفنةِ مكاسب فردية ممعنة في الصِّغَر .

تلفّتوا حولكم ، وسترتطم أبصاركم وأسماعكم بقطعانٍ من الحاقدين والحاقدات ، وهم يقتربون من قضايا الآخر وخلافهم معه ، وجيوبهم ممتلئة بالصراصير المُعَدّة سلفا ، بهدف الاحتيال والارتزاق على جثث وقائع ، قابلة للتطويروالانماء والاثراء .

ضفاف وأرصفة وفضاءات الحياة العربية العامة ، وخاصة الثقافية والسياسية ، مشحونة لحسن الحظ ، بزحامٍ هائلٍ من روّاد التغيير والتحديث الجاد ، الموصل إلى تنامي وقائع الحياة واثراءها وتنوعها وتكاملها . ومزدحمة للأسف الشديد ، بالأشباه من المُحتالين وغبارهم الممجوج ، الذي مهما تعددت مساراته ، لن يحقق شيئا سوى إعادة انتاج الوهم .

الثقافة الصِّرْصارية المدسوسة في كلّ مناحي حياتنا ، هي بالقطع خروج خائن على التعددية النامية ، وانحراف مناقض للتكامل الايجابي المُثري للحياة والمشعل لقناديلها . فهل آن الأوان لكشف هذه النوعية من المخلوقات المطّاطيّة ، دون أن نُلغي طبق الملوخية ؟!!!!

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. أعتقد أن الوضع الراهن تطور من مرحلة ” استغلال الصرصار ” إلى ” تحول المتذاكين باستغلال الصرصار إلى صراصير ” تصم الآذان بالضجيج ؛ خاصة ” ضجيج التطبيع ” ؟!!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here