الدكتور حمدات لحسن: قضة فلسطين ليست ورقة انتخابية

الدكتور حمدات لحسن

لم يستحي الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب ” الغير محايد والمنحاز ولم يخجل سفراء بعض الدول الخليجية والعربية  للحضور للبيت الابيض للتوقيع على تفاصيل ” صفقة قرن ترامب”  للسلام والإزدهار المزيف والمزور  بغياب  أصحاب الحق الشرعي والتاريخي وهو الشعب الفلسطيني العظيم الابي الذي لم ينبطح لهذه الجريمة النكراء والإغراءات المالية الضخمة بل توحد في وجه هذه  العاصفة الترامبية والمهزلة الدرامية التي كان يترأسها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب ” وصهره “جاريد كوشنر” بمباركة من “بنيامين نتنياهو” ، كما رصدت لها أموال كثيرة من بعض الدول العربية المتورطة  في  هذه الأفعال الرعناء المقيتة المدانة واللإنسانية  .

 كما جاء في بنود هذه الخطة الفاشلة والميتة أصلا  جانب من الشق الاقتصادي الذي حدد في ورشة المنامة  المقدر بخمسين مليار دولار تستفيد منه دولة فلسطين والاردن  ودول الجوار باسم مصطلحات واهية ووهمية فضفاضة كالتنمية والإزدهار ووقف الإستيطان  والعيش الكريم  والإستثمار ….. لكن المفرح أن مواقف الدول العربية كلها تقريبا جاءت رافضة لهذه الأكذوبة حسب البيانات الرسمية لهذه الدول العربية وهذا مايثلج صدور الشعوب العربية خاصة أن مسألة اللاجئين وتوطينهم وإدراة القدس المحتل لإسرائيل ودولة فلسطين المنزوعة السلاح والموارد ، كلها هذه الترهات وغيرها أمر مرفوض وخط أحمر ويسقط حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف حسب قرارات الأمم المتحدة التي ناهزت الثلاثين قرارا  كالحق في العودة إلى وطنهم الذي طردوا منه بسبب جرائم الاحتلال البشعة مندد 1948  إلى الآن ويضرب الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة كما أسلفت .

للإشارة فقد كانت هناك محاولات كثيرة في تسعينيات القرن الماضي لإيجاد حلول سياسية  لقضية فلسطين المحتلة مثل إتفاق ” أوسلو” بالنرويج الذي إعتمد على مبدإ “الأرض مقابل السلام” لكنه فشل بسبب غطرسة وهيمنة إسرائيل ونكث العهود وغياب الإرادة الدولية لذلك وتستعمل هذه القضية العربية والاسلامية العادلة كورقة سياسية لكل مترشح للإنتخابات الرئاسية في البيض الابيض .

كما عرفت هذه الخطة التي أشرف عليها صهر الرئيس الأمريكي تنسيقا مسبقا ودراسات معمقة لها قصد تطبيقها على أرض الواقع وتسهيل وتهيئ الظروف لذلك كإضعاف الدول العربيةالكبرى خاصة مصر والعراق وسوريا  وتقسيم وتفكيك محور المقاومة وتكسير شوكة الممناعة وإغتيال الرجل الثاني في النظام الإيراني الجنرال “قاسم سليماني  ” قائد فيلق القدس

وتعتبر هذه الخطة الصهيونية الأمريكية تتمة لما جاء في ورشة المنامة في البحرين في 25 يونيو 2019 لجس النبض وشرح هذه الخطة وتفسيرها لكن المعنيين بالأمر أصحاب الحق وهم منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني  غابوا ولم يحضروا بل نددوا وشجبوا هذه الصفقة بمختلف تيارات الشعب الفلسطيني السياسية ، وأعتبروها إستهتارا وإهانة للشعب الفلسطيني وبالتالي ستفشل هذه الخطة من بدايتها كسابقاتها من الإتفاقيات من “مؤتمر مدريد” إلى إتفاق أوسلو إلى “شرم الشيخ” مرورا بكامب ديفد وصولا إلى مؤتمر البحرين الإقتصادي ولقاء نتياهو وترامب بالبيض الابيض أمس  لإعلان الخطة اللعينة  التي حدد سقف تنفيذ الخطة في أربع سنوات  وربط القطاع بالضفة لتسهيل التجارة والحركة الاقتصادية مع التركيز على تحسين وضع المواطن الفلسطيني وقطاع التعليم والصحة والأمن ومحاربة الإرهاب وبناء موانئ وأوراش تجارية مع وقف المستوطنات مدة معينة  وتوطين اللاجئين في البلدان المجاورة وحل منظمة الأونروا وزيارة الاماكن المقدسة بشكل منتطم وتكليف الاردن بذلك واعتراف امريكا بدولة فلسطين المنزوعة السلاح وبدون حق العودة .

كل هذه الإغراءات والوعود ماهي إلا خداع ومكر من طرف الصهاينة قتلة الأنبياء  لكن الشعب الفلسطيني تنبه لهذه الألعوبة ولم يقبلها منذ طرحها كفكرة جنينية وهذا موقف ثابت ودائم للشعب الفلسطيني العظيم يشجع عليه رغم إختلافاته الكثيرة ، فهذه المحطة من مسلسل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مهمة جدا وتستشف منها مجموعة من النتائج الإيجابية، بحيث وحدت الشعب الفلسطيني من أقصاه إلى أقصاه وأعطته الأمل الكبير في حقه الشرعي والمشروع في إقامة دولته وعاصمتها القدس الشريف وإحترام حدود رابع حزيران 1967 ، وإنحياز أمريكا الواضح وإدارة ترامب للمخطط الإسرائيلي ثم ظهور مواقف محايدة لدول عظمى مثل الصين وروسيا .

 

هذه المواقف وغيرها عبرت عنها الدول العربية كلها ولم تقبل هذه الخطة الدنيئة وبالتالي ستغير الإدارة الأمريكية بعض بنود الصفقة وتقديم بعض التنازلات لإغراء الشعب الفلسطيني من جديد وستسعى الإدارة الأمريكية إلى كسب ود الدول العربية السنية بمحاولة شن حرب على إيران أو ضرب مواقع حساسة للتنظيمات الموالية لها ، كتشديد الخناق على حركات حماس والجهاد وحزب الله اللبناني أو جماعة الحوثي .

أمام هذا الفشل الذريع لهذه الخطة الأمريكية لازالت إدارة ترامب الجمهورية تتخبط في المشاكل السياسية التي ستؤثر على مسار هذه الخطة السياسي كسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب  ومحاكمة ترامب ومحاولة عزله من الرئاسة والحرب التجارية مع الصين والتحقيقات القضائية للمحقق “روبرت مولر” الذي أشرف على قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية لسنة 2016 ، وصمتها المطبق تجاه قضية إغتيال الصحفي السعودي “جمال خاشقجي” علاوة على علاقاتها المتوترة مع إيران وفنزويلا  .

فهذه الخطة ستسعى ادارة ترامب  في إنجاحها لإستعمالها في الحملة الانتخابية المقبلة للرئاسيات الأمريكية وكسب اصوات وتعاطف اليهود والانجيليين  في أمريكا واللوبيات الاقتصادية ، وبالتالي ستبدل مافي وسعها لتسويقها سياسيا وتوظيفها إعلاميا وتجميل بنودها نفس الأمر سيقوم به “بنيامين نتياهو ” الذي يستعد للإنتخابات التشريعية في شهر مارس المقبل  وحصوله على الأغلبية الساحقة في الكنيست بعد فشله في السابقة .

فختاما يمكن القول أن رب ضارة نافعة فهذه الخطة الأمريكية ربما تكون فرصة لتوحيد الصف الفلسطيني المتشرذم والمنقسم ، فإذا كان صهر الرئيس الأمريكي المراهق والبلطجي  “جاريد كوشنير” يعتبرها فرصة للسلام والإزدهار والتنمية والإندماج الإقليمي وتحسين وضع الدولة الفلسطينية فيجب على الشعب الفلسطيني أن يعتبرها فرصة لوحدة الكلمة والصف والمصير، لأن قضية فلسطين هي المحرار والباروميتر الذي نقيس به قوة وقدرة

 وواقع الأمة العربية والإسلامية وبالتالي لانسمح بهذه الأضحوكة التي ستقضي على قضية عادلة ومحقة وأعطت من لايملك لمن لا يستحق  .

 

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here