الدكتور حسن مرهج: 2020 عام “التدخل” التركي في الشرق الأوسط.. ولكن كيف ستكون النتائج

 

 

الدكتور حسن مرهج

في الشكل، هناك تساؤلات كثيرة تؤطر السياسة التركية الإقليمية، إلا أن مضمون هذه السياسية، بات واضحاً لجميع المتابعين للتطورات الشرق أوسطية. ولعل الشعار التركي الذي نادى به رجب طيب أردوغان وأزلامه من السياسيين، لجهة سياسة صفر مشاكل، بات اليوم هذا الشعار يحمل بين طياته الكثير من المطبات والألغام، التي ستنفجر قريباً في وجه السياسات التركية الخارجية، فالتحولات التركية المستمرة والمناورة على حبال السياسة، دون تحديد أهداف واضحة المضمون، سيؤدي بلا ريب إلى عواقب وخيمة تصب جُلها كـ انعكاسات على مستقبل أردوغان السياسي. وهنا وتحديداً فيما يتعلق بمضمون السياسة التركية الخارجية، فقد كانت تركيا ولا زالت رأس حربة في الحرب على سوريا، فدعم التنظيمات الإرهابية بمُختلف تسمياتها، كان الشغل الشاغل لنظام أردوغان. لكن التحولات العميقة في سياق الحرب على سوريا، ومع المُنجزات التي حققتها الدولة السورية سياسياً وعسكرياً، فقد بات أردوغان في خانة اللا خيارات، رغم الهوامش الضئيلة التي يناور من خلالها، بُغية كسب أوراق قوة تُجيز له الخروج الُمشرف من الجغرافية السورية.

جُزئيات كثيرة انطوت عليها تفاصيل الحرب على سوريا، لا سيما أن التدخل التركي في بداية الأحداث السورية، كان مثار بحث وجدال، خاصة إذا ما نظرنا إلى جُملة المعادلات بشقيها الاستراتيجي والاقتصادي، التي وُقعت بين دمشق وأنقرة قُبيل اندلاع الحرب على سوريا، عطفاً على العلاقة الودية التي جمعت الأسد بنظريه التركي. لكن الطموح العثماني الذي سيطر على مُخيلة وسياسات أردوغان، جعله يقلب الطاولة على التفاهمات مع دمشق، ويتعمق كثيراً في أتون هذه الحرب سياسياً وعسكرياً، حتى أن طموحاته تجاوزت في ماهيتها حدود الجغرافية السورية، وظن نفسه سلطاناً على المسلمين. هذه الأوهام التي هندست سياسات أروغان في سوريا والإقليم، تشي بأن التخبط السياسي والبحث عن مخارج مُشرفة، إضافة إلى الاحتماء بظل القوى الدولية كروسيا والولايات المتحدة. كل هذه العناوين ستكون بلا ريب بداية النهاية للسياسات الأردوغانية في سوريا والمنطقة، وسيكون عام 2020 هو عام انهيار السياسات التركية في المنطقة، ولكن لا شك بأن هذا الانهيار سيكون له ارتدادات تُترجمها الأدوات الارهابية المرتبطة بالسياسة التركية.

لا يُمكننا إنكار حقيقة أن أردوغان وسياساته الإقليمية، قد نجح في الكثير من الملفات المرتبطة سواء بالشأن السوري، أو بما يتعلق ببعض الملفات الإقليمية، لكن في المقابل، لا يُمكننا إنكار بأن أعداء تركيا الإقليمين قد باتوا كُثر، ولا يمكن إطلاقاً تبني أي سياسية ترميمية للشرخ الذي أصاب العلاقات التركية مع جيرانها الإقليمين، فها هو أردوغان يُعمق مشاكلة الخارجية، لا سيما من بوابة الغاز في شرق المتوسط، والتدخل المباشر في الشأن الليبي، فضلاً عن تبنيه سياسات إخوانية تُجاه الرياض وأبو ظبي والقاهرة، وبالتالي من الواضح أن أردوغان تحرك سياسياً بدافع التاريخ والجغرافيا والموروث الثقافي، لاستعادة دور تركيا العثمانية في العالم العربي والإسلامي. إذ يسعى أردوغان في مُجمل سياساته إلى أحياء فكرة الاستقلال عن الغرب، سواء لتركيا أو نشرها في باقي دول الإقليم، خاصة الاستقلال عن القرار الأمريكي. كما يسعى لإحياء فكرة التحالف الإسلامي التي سبق أن نادى بها نجم الدين أربكان، رئيس الوزراء التركي السابق، بين الدول الإسلامية الكبيرة. لكن الأوهام الأردوغانية يبدو أنها لن تصلح في ظل مناخ شرق أوسطي دائم التقلب سياسياً وعسكرياً.

أردوغان الذي قرأ التدخل المستمر في المنطقة العربية من جانب مجموعة من القوى لتحقيق مصالحها، ومن بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا وإيران، بطريقة تُتيح له التدخل في شؤون دول الإقليم، فالتدخل التركي في ما يُسمى الربيع العربي الذي أصاب جُل الدول العربية، لتفعيل دور الأحزاب الاسلامية، إنما يقوم اساساً على فكرة موروثة لدى هذا الرجل، فالأمجاد العثمانية لم تعد تصلح في سياق المكان والزمان في الشرق الأوسط، ومن الطبيعي أن تكون السياسات التركية في المنطقة في طريقها للأفول، خاصة مع تعاظم الانتقادات الإقليمية والدولية للدور التركي في منطقة الشرق الأوسط.

في جُزئية لابد من الإضاءة عليها، حيث أن الداخل التركي بات بمثابة النار تحت الرماد، فالادعاءات التركية بدعم الديمقراطية في دول الإقليم، يبدو أنها لا تُطبق داخلياً، فالأولى أن تدعم تركيا الديمقراطية في داخلها، لأن ما يحدث الآن هو تراجع واضح للحريات، خاصة بعد محاولة الانقلاب في عام 2016، التي أستخدمها أردوغان لضرب المعارضة اليسارية، وتأسيس نظام رئاسي بصلاحيات واسعة، والتضييق على الصحفيين. الأمر الذي من شأنه إحداث شرخ في الداخل التركي، وانعكاسه مباشرة على أردوغان ومستقبل حزبه، لتكون النتيجة النهائية التي حصدها أردوغان بسياساته، مشاكل إقليمية ومثلها داخلية، تُنذر ببداية النهاية لـ رجب طيب أردوغان خارجياً وداخلياً.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here