الدكتور حسن مرهج: واشنطن وطهران حرب الجغرافية المفتوحة

الدكتور حسن مرهج

لا شك بأن اغتيال قائد قوة القدس الجنرال قاسم سليماني، ونائب رئيس الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، يُعدان حدثان بارزان سيؤسسان بلا ريب، لمرحلة جديدة من الصراع الأمريكي الإيراني ليس على مستوى الشرق الأوسط فحسب، بل أن تداعيات هذا الصراع بأبعادها السياسية والعسكرية، ستمتد وتتوسع لتطال ساحات دولية، فنحن أمام عملية اغتيال لأحد أهم قادة محور المقاومة، ومن الطبيعي أن ايران لن تصمت على ذلك، وسيكون ردها مؤطراً ضمن مناخ ستُهيئه لذلك. لكن يبقى السؤال الجوهري يتمحور حول طبيعة الرد الإيراني، وماهيته لجهة الرد المماثل، الأمر الذي سيفتح باب حربٍ كارثية تُصيب المنطقة بأكملها.

القاعدة الأساسية في الصراع الإيراني الأمريكي، بُنيت على أساس أن لا أحد يُريد الحرب، في المقابل إيران تلقت صفعة قوية بإستهداف قائدان بارزان على أرض العراق، لكن وضمن الاستراتيجيات الإيرانية، قد لا تكون ساحة العراق هي مكان الرد الايراني، كما أنها قد لا تكون الساحة السورية أو اللبنانية، وبذات التوقيت قد يكون الرد متزامناً ضمن الساحات الثلاث السابقة، أو ضمن القواعد الأمريكية في الخليج. ما يعني استراتيجياً بأن حرب الجغرافية المفتوحة بين واشنطن وطهران قد بدأت. هي بداية قد تطوى معها كافة معادلات الردع وقواعد الاشتباك السابقة، وسيتم التأسيس مُجدداً لقواعد جديدة، تعتمد إعتماداً كُلياً على الرد الإيراني.

كلام ترامب وكذلك وزير دفاعه، كان واضحاً لجهة الرد على ايران، حيث أكد ترامب أن ايران ستندم، في المقابل، فقد كانت التصريحات الإيرانية وتصريحات الحشد الشعبي واضحة لجهة الرد المُزلزل، وأن الأمور لن تقف حتى خروج أمريكا من العراق. ما يُنذر بارتفاع مستويات الاحتقان العسكري، خاصة ضمن هذا التوقيت الذي ضاغطاً على ترامب، حيال الانتخابات القادمة، وهو بأمس الحاجة إلى انجاز من العيار الثقيل، يُصرف في سياسته الانتخابية، فما يحدث اليوم من تفوق واضح لمحور المقاومة، أذل ترامب وكسر هيبة واشنطن في المنطقة، لكن اليوم، ومع اغتيال سليماني والمهندس، فإن التطورات بلا ريب، ذاهبة للإمعان أكثر في إذلال واشنطن، حتى أن صُناع القرار الامريكي على المستويين السياسي والعسكري، يُدركون بأن محور المقاومة ككل، سيتبع استراتيجية جديدة حيال واشنطن في المنطقة، كما أن الرد الايراني سيكون ممهوراً بتوقيع محور المقاومة كاملاً, هنا سيبدو جلياً أن ساحات الصراع ستتسع مروحتها، وقد يأتي الرد الايراني في أي توقيت تراه مُناسباً، ويؤلم واشنطن وأدواتها في الشرق الأوسط. فالحدث الذي اهتزت له ايران ومحورها المقاوم، لن يكون حدثاً عابراً، وإنما سيؤسس لمرحلة جديدة من الصراع المُمتد على مدى عقود، خاصة أن ايران قد مُست كرامتها بإغتيال مُهندس استراتيجيتها الشرق أوسطية، وإن صمتت فسيكون محوره المقاوم مُعرضاً للإصابة بنكسة خطيرة، ما يؤكد بأن الرد الإيراني سيكون قوياً ومتناغماً مع هول الحدث.

سيناريوهات الرد الايراني ستبقى في مرحلة السكون، حتى إعلان ساعة الصفر. هي ساعة تنتظرها واشنطن ذات الأذرع المتعددة إقليمياً ودولياً، لا سيما أن قواعدها تنتشر على نحو واسع تحديداً في الشرق الأوسط، ما يزيد من احتمالية أن يكون الرد شرق أوسطياً، فالحرب الجغرافية المفتوحة ستسبب الأذى لواشنطن، ولن تتمكن من تحديد طبيعة وماهية الرد إعتماداً على معلوماتها الاستخباراتية و أقمارها الصنعية، وحتى طائراتها المُسيرة التي تملاً أجواء المنطقة. فالأذرع الإيرانية قوية بما يكفي لإيلام واشنطن، خاصة أن إغتيال اللواء سليماني هو بالتأكيد أكبر مقامرة أقدم عليها ترامب في رئاسته، وسيأتيه الرد عسكرياً ل محال، وفي جانب أخر، ستكون هذه الحماقة التي ارتكبها فرصة لخصومه الديمقراطيين لإسقاطه، في الوقت الذي لم يتبق سوى عام واحد علی الانتخابات الرئاسية.

في الواقع، أصبح من الواضح الآن بعد هذه الحماقة التي هندسها ترامب، أنه لم تتحسن الظروف بالنسبة لأمريكا فحسب، بل إن ردود الفعل في المنطقة والعالم أظهرت أن مقامرة ترامب الكبيرة كانت خطأً استراتيجياً من جانب واشنطن. ترامب، الذي كان يسعى إلى الخروج التدريجي من المنطقة، لخفض الإنفاق الأمريكي في غرب آسيا والتركيز أكثر على الصين وروسيا، عليه الآن التفكير في الخروج مع توابيت العسكريين الأمريكيين. فالحرب الجغرافية المتعددة الوجه تُتقنها ايران جيداً، وسياسات ترامب في المنطقة ستواجه في المستقبل القريب الفشل التام والمتواصل، وسيكون العراق الذي وصفه ترامب بأنه أهم قاعدة لأمريكا، أول قطعة في هذا الدومينو الذي سيتساقط تباعاً.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here