الدكتور حسن مرهج: هل بات التواجد الإيراني في سوريا مُعطلا لأبجديات الحل السياسي؟.

الدكتور حسن مرهج

منذ بداية الحرب على سوريا، بدأت القوى الإقليمية والدولية جدولة خططها لما بعد سقوط الدولة السورية، وكانت جُلّ استراتيجتهم تتمحور حول طريقة إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، إلا أن المنجزات التي حققتها الدولة السورية سياسياً وعسكرياً، قد أسقطت خُطط الغرب وتفاصيلها، كما أن إدارة مفردات هذه الحرب وعناوينها من قبل الرئيس السوري بشار لأسد، قد وضعت حداً لما دأب عليه الغرب تجاه سوريا على مدى سنوات الحرب عليها. لكن ضمن ذلك، لا يُمكن إطلاقاً أن نغفل دور حلفاء سوريا، في مساعدتها في الحرب على الإرهاب، لا سيما روسيا وإيران، ولعل المتابع للتطورات السورية، بات يُدرك أن تقاطع المصالح والأهداف السورية والروسية والإيرانية، قد أنتج معادلة من الصعب اختراقها، أو التأثير في سياق عملها، خاصة أن سوريا وما تُمثله من عمق استراتيجي لحلفائها، بات ضمن إطار المعادلات الجيواسترتيجية بالنسبة لـ موسكو وطهران. بيد أن خطط الغرب تُجاه سوريا، قد انتقلت من مرحلة إسقاط الدولة السورية ورموزها، إلى مرحلة اللعب على وتر التواجد لإيراني في سوريا، على اعتبار أنه مُعطلاً لأسس الحل السياسي في سوريا، ذلك بحسب ادعاءات واشنطن وأدواتها في المنطقة.

كثيرة هي الأوراق الرابحة التي باتت في يد سوريا وحلفاؤها، حتى أن الكثير من المسارات السياسة والعسكرية قد باتت بحُكم المنتهية، لكن مع بقاء المناورات الأمريكية كعامل ضغط سياسي مؤثر على مُجريات الانتصار السوري، وتداعياته الشرق أوسطية، الأمر الذي يبدو جلياً في تصريحات سابقة قالها دونالد ترامب لجهة بقاء القوات الإيرانية في سوريا، وأن التواجد الأمريكي في سوريا ينطلق من بُعدٍ اساسي، ألا وهو محاصرة إيران ومشاريعها في المنطقة، كما أنه لا يُمكن لواشنطن أن تسحب قواتها من سوريا في ظل بقاء إيران في سوريا.

في هذه الجزئية، يبدو أن ترامب قد نسي أن التواجد الإيراني في سوريا، هو بطلب رسمي من الدولة السورية، وهذا حق لـ سوريا تكفله القوانين والمواثيق الدولية، وبالتالي فهو تواجد شرعي ويأتي بالتنسيق مع الدولة لسورية وجيشها، في مقابل تواجد أمريكي غير شرعي في سوريا، وخارج إطار مجلس الأمن، وبالتالي لا يُمكن إطلاقاً مُطالبة واشنطن لإيران بإخراج قواتها من سوريا تحت أي ظرف، وإنما هذه ذرائع أمريكية بُغية إطالة أمد الحرب في سوريا، وتعطيل أي حلول سياسية تخص الأزمة السورية.

بين سوريا وإيران الكثير من الترابط السياسي والعسكري والاقتصادي والديني، حتى أن المعادلات الاستراتيجية التي تجمع دمشق وطهران، هي عميقة بعمق الجذور التي زرعها الراحل حافظ الأسد في العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعليه فإن عمق هذه العلاقات، لا يُمكن تجاوزه في أي مسار سياسي وعسكري وعلى مُختلف الأصعدة، ولعل البروباغندا الأمريكية التي تقوم بتسويق الهيمنة الإيرانية على دمشق وقرارها، تأتي في إطار وضع العصي في عجلات الحل السياسي، كما أن الحديث عن محاولات إيرانية لتشييع المجتمع السوري، تصب في ذات الإطار الأمريكي الفتنوي، لكن الحقيقة تقول بأن الإدارات الايرانية تتعامل مع دمشق من منطلق المصالح المشتركة، مالياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، خاصة أن طبيعة المجتمع السوري المُنفتح نوعاً ما، لا تسمح لما يُشاع على التطبيق واقعاً. ولعل الخشية الأمريكية التي تناور على جوانب هذه الإعاءات، تنطلق من أن دمشق وطهران يؤسسون لمنظومات مقاومة ضد اسرائيل والتواجد الأمريكي في سوريا، لكن كل هذا يبقى تحت غطاء الجيش السوري وقياداته العسكرية وعلى رأسهم الرئيس الأسد.

 صحيح أن الانتصار السوري بات قاب قوسين و أدنى، لكن الصحيح أن طبيعة المرحلة القادمة تفترض استمرار التنسيق الأمني والعسكري والاستخباراتي بين دمشق وطهران، وأكثر من ذلك، فإنه يُمكننا القول، بأن الجيش السوري قادر في الميدان على حسم أي معركة، دون مساعدة أي من حلفاءه عسكرياً، لكن كما شأن مُعظم جيوش المنطقة، حيث أن تواجد الخبراء العسكرين، هو أمر بغاية الأهمية، للتنسيق والتشاور ووضع الخطط الإستراتيجية، ولعل المطالبات الغربية حيال خروج القوات الايرانية من سوريا، يأتي ضمن إطار المناورات السياسية، الرامية أصلا لتعطيل أي حل سياسي، أو مقايضة هذا التواجد بمشاريع إعادة الإعمار القادمة، أو رفع العقوبات الغربية عن دمشق. وبالتالي هذا إرهاب ضد سوريا وضد قرارتها الاستراتيجية، ولعل الرئيس الأسد قد حسم هذا الأمر بقوله في وقت سابق، أن مسألة التواجد الإيراني في سوريا هو أمر يخص سوريا وشعبها، ولا يمكن لأي قوى المطالبة بإخراج القوت الايرانية من سوريا قبل إخراج قواته المتواجدة بطريقة غير شرعية. وعليه فإن ايران وتواجدها في سوريا لن يكون إطلاقاً مُعطلاً لأي حل سياسي، بل على العكس، لأن المعادلة السورية الإيرانية هي ذات عمق استراتيجي مؤسس لجُملة من الحلول السورية والاقليمية، والقادم من الأيام سيُثبت ذلك.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here