الدكتور حسن مرهج: نتنياهو والتصعيد في فلسطين.. حين ينقلب السحر على الساحر

الدكتور حسن مرهج

المتابع للتطورات السياسية في اسرائيل، يُدرك أن بنيامين نتنياهو كان يعد العدة، للبدء بتصعيد تكتيكي، فالجولة الأخيرة من الأحداث، يُمكن وضعها في إطار حالة التسخين السياسي المتعدد الأوجه، والذي كان يعمل عليه نتنياهو مع فريقه الأمني، ومع أنها ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، إلا أنه من الواضح، أن جولة التصعيد الأخيرة، قد خرجت عن سياقها المُحدد الذي وضعه نتنياهو، خاصة أن المقاومة في فلسطين، تمكنت من هندسة فصلاً جديداً في مشهد الظروف الداخلية والإقليمية والدولية البالغة الدقة، والتي تحمل في طياتها ملامح الخريطة السياسية المقبلة للمنطقة.

في جانب موازٍ، يمكن القول أن جُملة التهديدات الإسرائيلية السابقة، لجهة شن عدوان على غزة، تشي صراحة أن التصعيد الإسرائيلي الأخير، كان متوقعاً، فالعدوان الإسرائيلي على غزة، جاء بعد أشهر طويلة من التسخين السياسي لحكومة نتنياهو ولجنرالات الحرب في إسرائيل، وعلى رأسهم وزير الدفاع بيني غيتس، والأخير أعلن أكثر من مرة عن نية إسرائيل القيام بعملية عسكرية جديدة ضد قطاع غزة، بهدف الكشف الحقيقي للموقف العربي بعد سلسلة التطبيع مع اسرائيل، ومن ثم تأطير فصائل المقاومة ومنعها من إحداث أي تأثير مستقبلي، يضاف إلى ذلك، اختبار حقيقي للأسلحة الإسرائيلية الجديدة، وتحديداً اختبار فعالية القبة الحديدة، فضلا عن إحداث تغيير في اللعبة السياسية مع الفلسطينيين، خاصة مع انسداد افق أي حل سياسي لجهة إنهاء الصراع بين فلسطين وإسرائيل.

في المقابل، تحاول حكومة نتنياهو صرف الأنظار عن تحميلها مسؤولية انغلاق الأفق السياسي، ووقف مفاوضات التسوية وفشل كل اللقاءات والمفاوضات، لذلك فإن حكومة نتنياهو تحاول بهذا التصعيد خلط الأوراق في محاولة لصرف أنظار العالم عن المشكلة الرئيسية التي تتحمل مسؤولياتها.

التصعيد في فلسطين، قابلته لغة باهتة لمجلس الأمن، وغالبية القوى الإقليمية والدولية، ففي الوقت الذي بدأت به القوات الإسرائيلية، حملة التصعيد والتي بدأت في القدس، كانت الولايات المتحدة تُعيق التوصل لأي اتفاق أو بيان أممي، حول الأوضاع الحالية بمدينة القدس، تحت ذريعة أن ذلك لن يساعد في تحسين الوضع الحالي في القدس. وبكل تأكيد فإن “الغباء السياسي الأمريكي”، سيوصل إسرائيل إلى أمتارها الأخيرة، في واقع سيكون من الصعب على تل أبيب وواشنطن تحمل تداعياته.

في عمق ما يجري في فلسطين، ثمة أسباب إضافية للتصعيد الإسرائيلي، وعليه، فإن حكومة نتنياهو أرادت من هذا التصعيد إحباط أي جهود لتنفيذ المصالحة الوطنية الفلسطينية واستحقاقاتها، ومحاولة لقطع الطريق على الخيارات الوطنية الفلسطينية، وسعي كل منهما لتجاوز ملف الانقسام وطي صفحاته، وحينما يخوض نتنياهو حربه الخامسة في غزة، فلأنه يدرك أنها فرصته الأخيرة لاستعادة جماهيره، ويرغب في الانتصار كي يقنع شعبه بأنه استطاع ترويض غزة، ونتنياهو يريد من الحرب على غزة الالتفاف حول ملف فساده، والهروب من شبح المحاكمة، وانطلاقا من ذلك فالتصعيد الإسرائيلي ضد قطاع غزة، لم يأت دون مقدمات أو دون تحضيرات إسرائيلية مسبقة.

ما يحدث في فلسطين، هو انكشاف سياسي وجيواستراتيجي، في عمق السلوك السياسي لقادة إسرائيل، فنتنياهو وأعضاء حكومته تنقلوا بين الجبهات من القيادة الجنوبية على مشارف قطاع غزة، إلى عكا واللد، مطلقا التهديدات والتحذيرات تارة للمقاومة الفلسطينية في القطاع، وتارة أخرى للفلسطينيين في اللد وعكا ويافا وبئر السبع؛ فوقع المفاجأة كبير والاشتباكات تكاد تكون في كل مكان من قطاع غزة إلى عكا ومن أم الرشراش “إيلات” إلى حيفا شمالا.

ضمن كل ما سبق، يمكن القول أن التصعيد الإسرائيلي في فلسطين، وردود الفصائل الفلسطينية، كل ذلك لم يقتصر تأثيره على القدس فحسب، بل امتد أثره على المكانة الجيوسياسية التي تطمح إليها إسرائيل في بلورتها شرق المتوسط والخليج العربي، فالصواريخ الفلسطينية، قوضت وبشكل عملي النفوذ والهيمنة الإسرائيلية على القدس، إضافة إلى أنها قوضت معها النفوذ الإسرائيلي الجيوساسي باستهداف منصات النفط في البحر المتوسط، وأنابيب نقل الغاز من عسقلان على البحر المتوسط إلى (إيلات) أم الرشراش على البحر الأحمر، فضلا عن قصف مفاعل ديمونا بـ 15 صاروخا، ما يعني أن أهداف نتنياهو العميقة ستنقلب عليه وبالاً، وبكل تأكيد فإن ذلك يعني بأن السحر انقلب على الساحر.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here