الدكتور حسن مرهج: محور المقاومة على طاولة بايدن – بوتين في جنيف

 

الدكتور حسن مرهج

للوهلة الأولى، يبدو أن الرئيس الأمريكي جو بايدن، قد يتمكن من تحقيق وعوده الانتخابية، والانتقال إلى الضفة الأُخرى، والإتفاق مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، على تخطي العوائق وتذليل العقبات، في مسار العلاقة بين الدولتين العظميين، لكن ثمة وقائع، تدحض قدرة بايدن على تحقيق نوعاً من الإعتدال والتماهي مع السياسات الروسية إقليمياً ودولياً، الأمر الذي تفرضه جملة من الوقائع والمعطيات، التي هندست مشاهد المنطقة، لا سيما أنّ محور المقاومة، بكافة أركانه، بات حجر الزاوية في أي صيغ توافقية على ملفات المنطقة، وضمن هذا المحور، هناك تناغم روسي صيني، يدعم توجهات المحور، في ضبط الإيقاع الأمريكي، وضمناً الإسرائيلي في المنطقة.

بعد انقضاء ما يزيد عن 5 أشهر، من توليه سدة الرئاسة في البيت الأبيض، ها هو جو بايدن، يحزم حقائبه ويغادر مملكته الرئاسية، ويتوجه إلى جنيف للقاء فلاديمير بوتين، في 16 حزيران الجاري، وبطبيعة الحال، فإن هذه اللقاءات تسبقها تحضيرات كثيرة، وتصريحات مثيرة بين الطرفين، فضلاً عن حالة السجال السياسيّ بينهما، والتي لا تخلو من الاتهامات النظرية بغية رفع سقف التحديات، لتهيئة أجواء القمة، وبذلك فإن الاتصالات الأميركية-الروسية الأخيرة، وضمنها اللقاء بين وزيريْ الخارجية الأميركي والروسي أنتوني بلينكين وسيرغي لافروف في 20 أيار الفائت، استحوذت على اهتمام الخبراء، لتأثير العلاقة بين الخصميْن التقليدييْن على المشهديْن الدولي والإقليمي، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط.

تساؤلات وتحليلات وسيناربوهات رسمها المتابعون والمحللون، لمجريات ما قبل القمة، مع البحث عن توقعات لمخارج اللقاء الروسي الأمريكي، لكن في المقابل، فإن بعض الخبراء الأمريكيين، أماطوا اللثام عن بعض التفاصيل لجهة لقاء جنيف بين بايدن وبوتين، ومن ضمن ذلك، فإن هناك رغبة أميركية في ابعاد موسكو عن بكين، بعدما أكّد مسؤولون أميركيون كبار أنّ بايدن وضع الصين وروسيا على قائمة أولوياته السياسية الخارجية.

في جانب آخر، تواجه الولايات المتحدة وشركاؤها مشكلتَين مع إيران، تشتق المشكلة الأولى من تسلل طهران إلى الدول المجاورة، عبر سياساتها الناعمة والمؤثرة، ورغبة من إيران بنسج علاقات تفاهم مع محيطها، في حين أن المشكلة الثانية تتعلق ببرنامج إيران النووي القادر على إنتاج الأسلحة.

المشكلتان السابقتان متشابكتان على المستويين الاستراتيجي والسياسي، فمن جهة باتت إيران قوة إقليمية لا يُستهان بتأثيرها في ملفات المنطقة، الأمر الذي يحق لإيران استثماره، عبر زيادة جرأتها في الإقليم، خاصة بعد التوصل لاتفاق نووي جديد، برغبات واملاءات إيرانية خالصة، وكذا، فإن قوة إيران الإقليمية، ستؤدي إلى تقوية موقف المعسكر الذي يؤيد رسم الحدود للبرنامج النووي الإيراني بدل التفاوض بشأنه.

ما سبق، سيكون حاضراً وبقوة على طاولة بوتين وبايدن، وعلى بايدن أن يعترف، بأن إيران باتت قادرة على تخطي كل التحديات الأمريكية، بل وتوظيفها واسقاطها، لتغدو فرص سياسية وعسكرية وحتى اقتصادية، ما يعني أن سياسية الضغوط القصوى التي مورست منذ عقود على طهران، لم ولن تنجح في تطويع إيران أو ارضاخها للاملاءات الأمريكية، وفي ذات السياق، فإنه من الضروري أعتراف بايدن، بأن إيران لا تستعمل أسلوب الإكراه مع الدول المجاورة لها، بل إنها رسّخت مكانتها في الشرق الأوسط عموماً عبر استعمال مستوى بارز من القوة الناعمة.

كل ذلك، جعل إيران ومحور المقاومة عموماً، نقطة بازرة وعامل جذب قوي، للقوى الإقليمية والدولية، فاليوم يلاحظ بأن كل دول المحور، تنطلق من سياسات محددة، ترتكز على مواجهة السياسات الأمريكية في سوريا وإيران ولبنان واليمن وفلسطين، وضمناً العراق، ولا يُمكن لا لواشنطن ولا غيرها من الدول العابثة بأمن المنطقة، بأن ينكروا بأن إيران شكلت ظهير إسناد لكافة قوى المقاومة في المنطقة، وهذا الأمر، دفع بروسيا والصين، إلى تبني السياسات الإيرانية في المنطقة، والتفاعل معها، واستثمارها أيضاً في سياق مواجهتهما مع واشنطن.

من هنا، يحضر قويا ما قاله دانيل بوشكوف، الخبير في مجلس الشؤون الدولية الروسي، حين شدّد على متانة العلاقة الروسية-الصينية، مع عموم قوى المقاومة في المنطقة، إذ يرى أنّ “الشراكة الصينية-الروسية- السورية – الإيرانية، وطيدة كفايةً لتحمّل الانفتاح الأميركي الناشئ”، معتبراً أنّ الوقت ما زال مبكراً جداً للقول إنّ العلاقات الروسية-الأميركية تسير باتجاه العودة إلى طبيعتها.

ضمن ذلك، يرجح الخبير تركيز قمة بوتين-بايدن على المسائل التي تطرّق إليها بلينكين ولافروف، معدّداً عدم انتشار الأسلحة والحد من التسلح والأوبئة والتغير المناخي وملفات كوريا الشمالية وأفغانستان وتوترات الشرق الأوسط بما فيها سوريا وإيران والتصعيد الفلسطيني-الإسرائيلي الأخير، وغيرها من المسائل الملحة ذات الاهتمام المشترك.

كما يرجح الخبير أن يثير بايدن مخاوف بلاده، المتعلقة بمسائل عدة ومنها حقوق الإنسان انطلاقاً من قضية المعارض الروسي أليكسي نافالني، وملف أوكرانيا والأمن السيبراني.

في العموم، لا نتوقع خرقاً جوهرياً ما بعد لقاء بايدن وبوتين، نظراً إلى أنّ هذه القمة هي اللقاء الرفيع الأول بين البلديْن منذ سنوات، خاصة أنّ هذا الاجتماع يُعقد في أعقاب علاقات مدمّرة ومتدهورة بشدة بين البلدين، في المقابل، قد ينجح الرئيسيْن في إرساء بعض من الاستقرار على مستوى العلاقات الثنائية، وذلك عبر التطرّق إلى أغلبية المسائل الملحة. كذلك، قد يحدث مزيداً من التفاعل بين البلديْن، إذا ما نجحت واشنطن وموسكو في الحفاظ على أسلوب نقاش عملي، لكن ضمن المحددات الرئيسية التي تؤطر اللقاء المرتقب، ثمة حقائق لا يُمكن لأحد أن يتجاوزها، حيث أن محور المقاومة ماضٍ في صعوده وتفوقه، وبوتين سيعمل على استثمار ذلك، في اللقاء مع  بايدن.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here