الدكتور حسن مرهج: ماذا بعد الاتفاق النووي مع إيران.. تحديات أم انفراجات إقليمية

 

 

الدكتور حسن مرهج

في ظل ما تشهده جولات المفاوضات في فيينا، ما بين إيران والقوى الكبرى، لجهة إعادة العمل بالاتفاق النووي، وهندسة اتفاق جديد يُرضي إيران أولا، والولايات المتحدة ثانياً، يبدو أننا على مسافة أسابيع وربما أيام، من توقيع اتفاق نووي جديد، ومن المؤكد بأن الاتفاق مع إيران، سيُرخي بظلال نتائجه وثماره، على ملفات إقليمية ودولية متعددة، وضمن ذلك، فإن هناك حقيقة على الجميع التعامل معها، خلاصتها أن إيران ستنجح قريبا في عقد اتفاق جديد مع الولايات المتحدة حول البرنامج النووي، ويناسب المقاس الإيراني، فضلا عن لزوم عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي الموقع عام 2015 من دون تعديل، وما يعنيه ذلك من إلغاء للعقوبات الاقتصادية التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب بعد قرار انسحابه من الاتفاق في أبريل / نيسان 2018، وسلسلة الشروط التي ارفقها بهذا القرار، والتي تتعلق بالدور الإيراني والنفوذ الإقليمي، بحسب التوصيف الأمريكي.

في فيينا، وفي سياق هندسة اتفاق نووي بشروط جديدة، فإن تشكيل لجان مختصة لمتابعة تفاصيل وشروط عودة طرفي أزمة الاتفاق النووي إلى طاولة مجموعة 5+1 والجلوس وجهاً لوجه، يعني أن الأمور وضعت على سكة الحل الجدي، وما فيه من نوايا الطرفين الحاسمة في إنهاء الخلاف، تحت سقف لا غالب ولا مغلوب، بل هو في الجوهر نصر لإيران، إلا أن النتائج التي يمكن التوقف عندها في هذا المسار الذي انطلق في فيينا، هي أن واشنطن رضخت للشروط الإيرانية والمتعلقة برفع العقوبات عنها، وقد تم تسريب بعض المعلومات التي تتعلق بهذا الإطار، لجهة نوايا الإدارة الأمريكية رفع شركات إيرانية عن قائمة العقوبات، وكذا شخصيات إيرانية، ومن المهم أن نذكر، بأن إيران رفضت الشروط الأمريكية التي تتعلق برفع جزئي للعقوبات عنها، بغية العودة إلى طاولة المفاوضات،  أي أن المطلب الإيراني بإلغاء أكثر من 1500 عقوبة وضعها ترامب، سيكون مطروحا على طاولة التفاوض بشكل كامل، وسيجري التفاوض على رفع كل  هذه العقوبات.

حقيقة الأمر، ما بعد الاتفاق النووي لن يكون كما قبله، إذ أن إيران وبعد الاتفاق النووي ستعود بقوة إلى ممارسة دورها على الساحة الدولية كعضو فاعل من دون عراقيل أو مخاوف أو شروط، وبالتالي الانفتاح على المجتمع الدولي والعمليات الاقتصادية واستقطاب الاستثمارات الغربية، والحصول على الأموال المجمدة في البنوك الدولية، والتي قد تتجاوز في مجموعها أكثر من 70 مليار دولار في أقل التقديرات، ما قد يسمح لإيران بإعادة ترميم أوضاعها الاقتصادية، نتيجة ما تركته العقوبات من تأثيرات على مختلف شرائح المجتمع الإيراني، فضلًا عن أن حلفاء إيران في المنطقة، سيكون لهم النصيب الأكبر من مساعدات إيران الاقتصادية.

في جانب أخر، فإن إيران ستتمكن من وضع محددات للتفاهم مع المجتمع الدولي حول موضوع البرنامج الصاروخي والدور والنفوذ الإقليميين، إلا أن المرحلة الفاصلة ما بين العودة إلى تفعيل الاتفاق وإلغاء العقوبات الاقتصادية من جهة، وانطلاق مثل هذه المفاوضات المفترضة من جهة أخرى، فإن ايران ستعمد إلى تفعيل نشاطاتها على هذين المستويين، خاصة أن إيران لديها الكثير من أوراق القوة، والتي تُحقق لها قوة مضافة، لاستخدامها على طاولة التفاوض لإجبار الأطراف الدولية الاستجابة إلى مطالبها.

من المتوقع أن تشهد المنطقة في المرحلة المقبلة عودة مختلفة لإيران وحلفائها من أجل فرض شروط جديدة أو على الأقل تثبيت مواقعها في الإقليم وترميم ما لحق بها من خلل في السنتين الماضيتين، وكذا الولايات المتحدة التي نجحت وبحسب بعض التحليلات، بإسقاط مخاوف دول الجوار الإيراني، خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي، التي تمسكت بمطلب الدخول إلى مجموعة دول التفاوض كعضو معني مباشرة بالأزمة الإيرانية، وعدم الأخذ في الاعتبار عينه حساسيتها الكبيرة من التهديد الذي يشكله البرنامج الصاروخي الإيراني لأمنها واستقرارها، لكن وضمن ذلك، فإن المفاوضات السعودية الإيرانية، خير دليل على ما سبق.

في المحصلة، من الواضح أن واشنطن تخلت عن شروطها ورضيت باتفاق بالحد الأدنى مع طهران من أجل التفرغ لملفات في مناطق أخرى من العالم، وفي العمق، فإن واشنطن وكعادتها تركت حلفاءها في المنطقة، خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي ليبحثوا بأنفسهم عن مخارج لأزمتهم مع إيران، من دون التوقف عند الآثار السلبية والثقة العربية بواشنطن كشريك حقيقي يمكن الاعتماد عليه، في كل ذلك، إيران انتصرت وواشنطن رضخت، والسعودية تبحث عن طريق يوصلها إلى إيران، ولا ننسى ان إيران ستعود القوة الإقليمية والدولية، التي سيكون لها في قادم الأيام، ميزة ذهبية في نسج تفاهمات على المستويات كافة.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. احسنت ما یجری علی قلمک دائما بیان الحقیقه سلمک الله ووکثر الله من امثلک

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here