الدكتور حسن مرهج: غارات في زمن كورونا.. رسائل لم تُقرأ بعد

الدكتور حسن مرهج

في عُجالة تطورات فايروس كورونا وتداعياته السياسية والاقتصادية، وفي ظل انشغال العالم في البحث عن لقاح مُضاد لهذا الوباء، يُجنب البشرية كوارث لم تكن في الحسبان، وضمن صندوق الرسائل المُمتلئ من قبل محور المقاومة والمُوجه لعموم الإقليم، قامت اسرائيل باستهداف الدولة السورية عبر غارات متعددة طالت دمشق وحمص؛ في هذا الاطار لا نريد الاسهاب في قراءة الاستراتيجية الاسرائيلية تجاه سوريا خاصة ومحور المقاومة عامة، إذ أنه بات واضحاً للجميع بأن الاستراتيجية الاسرائيلية كانت ولا زالت وستبقى مؤطرة بأبجديات البحث عن مكامن القوة الإقليمية، والدفع بأي حرب بعيدا عن داخلها، فالمقاربة اليوم يجب أن تنطلق من مرحلة ما بعد الانتصار السوري، وعلى الرغم من جُملة التعقيدات السياسية والعسكرية في سوريا، إلا أن الوقائع تقودنا مباشرة إلى نتيجة مُفادها، أن الدولة السورية كسبت الرهان الإقليمي والدولي، وبصرف النظر عن تعطيل سياسي هنا أو هناك، إلا أن الدولة السورية تسير بلا هوادة نحو نصرها لمؤزر شاء من شاء وأبى من أبى.

سوريا وعلى امتداد الحرب عليها، تمكنت من ضبط النفس حيال الغارات الاسرائيلية المُتكررة عليها، إلا نه وضمن ضمن إطار الرد الاستراتيجي و البعيد عن الرد الانفعالي، فقد تمكن الجيش السوري في العاشر من شهر شباط لعام 2018، من اسقاط مقاتلة اسرائيلية وإصابة أخرى، إذ استطاع الجيش السوري إيصال رسائله إلى اسرائيل ممهورة بلغة النار، هي رسائل قرأتها اسرائيل، وأفردت لها مراكز الأبحاث الإسرائيلية صفحات وحوارات وتحليلات، فالواضح أن قواعد الاشتباك بين دمشق وتل ابيب، قد تغيرت بالمنجز السوري المتمثل بانتصار  الدولة السورية وجيشها، فـ الأمن القومي الاسرائيلي لا يمكنه استيعاب قدرة الجيش السوري على التصدي و الرد على الاعتداءات بآن معا، لتكون بذلك اسرائيل أمام تحدٍ كبير، يتعلق بكيفية إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتعويض انكسار معادلات الردع التي أسقطها الجيش السوري.

في أحد جوانب الغارات الاسرائيلية هناك مُعطى سياسي داخلي، وكذا سياسي بإطار عسكري خارجي؛ على صعيد الداخل الاسرائيلي وبعد النكسات السياسية المتعلقة بالانتخابات الاسرائيلية، وحالة التجاذب السياسي المستمرة، يُمكن القول بأن هذه الغارات تقول صراحة أن فايروس كورونا لن يمنعنا من ابعاد التهديدات عن اسرائيل، خاصة أن انتشار الفايروس في اسرائيل وبحسب تصريحات حكومية قد وصل مرحلة الخطر الحقيقي، ولابد من اشغال الرأي العام في اسرائيل بما يُبعد عنه شبح كورونا، فضلاً عن حسابات سياسية أخرى تتعلق بالحالة الانتخابية وما تم التوصل إليه بين نتنياهو وغانتس.

على الصعيد الخارجي، في البداية لست من أنصار الرواية القائلة بأن الغارات الاسرائيلية على سوريا، تأتي في إطار دعم تركيا بشكل مطلق، لأن الاساس في غاراتها قائم منذ زمن بعيد، وتستغله الآن اسرائيل لحسابات سياسية خاصة بها، فهي وإن كانت ضمناً تتفق والاهداف التركية، إلا ان إسرائيل تقوم بإدارة استراتيجيتها وفق المتطورات السياسية والعسكرية، وفقا للداخل الاسرائيلي والمنطقة عموماً، فكل منهما يعمل ويقوم بتنفيذ استراتيجيته مُنفرداً ضمن حسابات اقليمية ودولية مُعقدة، فالأصل في الغارات الاسرائيلية ينطلق من رسالة واضحة ومفهومة للجميع، بأن اسرائيل ورغم انشغال العالم بفايروس كورونا، إلا أن ذلك لن ولم يمنعها من استمرار استهداف السيادة السورية، والضغط على سوريا وحلفاؤها في أكثر من إطار، ورغم ذلك، فالمعلومات الخاصة تؤكد بأن الرد السوري الصاعق والمُزلزل على هذه الغارات سيأتي وهو ليس ببعيد، فالأولوية الآن ترتكز على تنظيف الجغرافية السورية من الإرهاب الأمريكي والتركي، مثلما تم تنظيف الجنوب السوري كاملاً من أدوات اسرائيل.

الغارات الإسرائيلية المتكررة ضد دمشق، تأتي بالعرف الاسرائيلي ضمن اطار الضربات الاستباقية ضد أهداف ايرانية وسورية على حد سواء، لكن وإن افترضنا أن هذا التبرير صحيح ويأتي في إطار المحاولات الإسرائيلية لاستباق أي حدث، لكن الصحيح أيضاً أن ما بعد كورونا يشمل كل المعادلات الإقليمية والدولية، فنلاحظ مثلاً أن الإمارات علناً والسعودية في الخفاء يتقربون من دمشق، هل هذا التقارب بسبب كورونا؟، نعتقد جازمين أن التقارب الأخير يأتي في إطار بناء معادلة شرق أوسطية جديدة عِمادها الدولة السورية ذات العلاقات الاستراتيجية مع ايران، وبالتالي ما يُفهم أن ما بعد كورونا نظام اقليمي جديد مركزه ومحوره سوريا، وهذه الحقيقة تؤرق اسرائيل وتقرأه جيداً، وعليه فإن الغارات الإسرائيلية الأخيرة وما سيأتي بعدها، تتمحور حول إطار أن اسرائيل لابد ان تكون حاضرة في أي معادلة اقليمية جديدة،  لكن استمرار غاراتها لن يبقى دون رد، فالدولة السورية لن تبقى صامتة ولن تبقى مكتوفة الأيدي حيال هذه الغارات، كما أن روسيا وإن صمتت طويلا لكنها في النهاية ستنطق وسيكون لكلامها أثر عسكري بالغ، فالغارات في زمن كورونا ورسائلها التي لم تُقرأ إسرائيلياً، لن تُغير من واقع الحال السوري والإقليمي أي مُعطى، فكافة السيناريوهات كانت وستبقى سورية الأصل والهدف.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here