الدكتور حسن مرهج: سورية والتحديات الداخلية.. واقع ما بعد الحرب

 

 

الدكتور حسن مرهج

بعيدا عن التجاذبات الإقليمية والدولية حول سوريا، وعن حالة الكباش السياسي التي تؤطر جزئيات الملف السوري، فإننا في هذا المقام سنُفند عبر سلسلة من المقالات، أبرز ما تواجهه الجبهة الداخلية في سوريا، خاصة بعد دخول الحرب عامها الحادي عشر، إذ لا يُمكن أنّ ينكر أيّ متابع للملف السوري، بأن الأزمات الداخلية لن يكون من السهل تجاوزها في سوريا، بعد سنيّ الحرب، خاصة أنّ القاصي والداني بات يدرك بأن الدولة السورية وجيشها، قد تجاوزوا أبعاد الحرب الدولية المفروضة عليهم، وكذا فالمتابع للشأن السوري يدرك بأن ما تم التخطيط له للدولة السورية، في أقبية أجهزة المخابرات الإقليمية منها والدولية، كان كفيلًا بإنهاء أيّ دولة في العالم، فحين تجتمع أكثر من 80 دولة على رأسهم الولايات المتحدة، ندرك بأن سوريا أُريد لها أنّ تصبح دولة تابعة خاضعة للسياسات الأمريكية، وأكثر من ذلك، فقد أرادت واشنطن وأدواتها في المنطقة، إخراج سوريا من أيّ دور إقليمي مؤثر، كل هذا خدمة للرجعية العربية واسرائيل، لكن ما خططت له واشنطن عسكريًا قد باء بالفشل، وانتقلت بموجب ذلك إلى عناوين الحرب الاقتصادية والحصار والعمل على خلق الأزمات لدى السوريين.

حقيقة الأمر، واشنطن لديها استراتيجيات عميقة تُجاه سوريا، لكن في المقابل فإن دمشق باتت على دراية تامة بالاستراتيجيات الأمريكية منذ ثمانينات القرن الماضي، ناهيك عن أن الحرب على سوريا أفرزت أزمات معقدة، سيكون من الصعب تجاوزها إن لم تتبع خطوات عملية وتنفيذية تُحقق نسفًا للفساد المتجذر في مؤسسات الدولة، وحتى الرئيس بشار الأسد يُدرك بأن الفساد عائقًا حقيقيًا في طريق أي إنجاز قادم، وبالتالي من الضروري قراءة الواقع الداخلي بدقة، وتفنيد معطياته بُغية الوقوف على أسس الحل الناجع، والذي يتوق إليه كل السوريين.

في إطار أبرز تداعيات الحرب على سوريا، برزت إلى السطح مؤثرات كثيرة، تأتي كنتيجة منطقية وطبيعة لدولة عانت لسنوات من حرب على الأصعدة كافة، لكن أن تأتي هذه المؤثرات عبر عقوبات أمريكية و بقوانين أممية، تكون النتائج مضاعفة في تداعياتها على سوريا وشعبها، فالحرب العسكرية انتهت، لكن بدأت بانتهائها حربًا اقتصادية على الشعب السوري أولا، بُغية اجباره على الانقلاب ضد حكومته، وهذه في أساسها خطة أمريكية، الهدف منها إفراغ النصر السوري من محتواه السياسي والعسكري، من أجل الانقلاب مجددًا على تداعيات الهزيمة الامريكية في سوريا، ومن المفيد أن نذكر بأن قانون سيزر الذي أرادات به واشنطن، استمرار العقوبات الاقتصادية على سوريا وأي دولة حليفة لها، وهذا بطبيعة الحال يأتي في سياق ما فُرض على سوريا، حيث أن هذه العقوبات ستكون وبحسب الاعتقاد الأمريكي، سببًا مباشرًا في تأليب الشعب السوري على حكومته وجيشه، واللعب مجددًا على الوتر الطائفي، وتصوير الوضع السوري بأنه كان بسبب بعض المتنفذين الذين تربطهم علاقة مباشرة بالرئيس الأسد، وهذا في واقعه يجافي الحقائق، لأن المتابع للشأن السوري وما تم اتخاذه من إجراءات، يدرك بأن الرئيس السوري بشار الأسد في أولى أولوياته محاربة الفساد، وترجمة الانتصار السياسي و العسكري واقعًا تنعكس أثاره الإيجابية على الشعب السوري، فالتسويق لصورة مغايرة عن الواقع السوري، هي بغية إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

لندخل الآن إلى عمق المجتمع السوري، ونرصد بدقة أزماته المعقدة، وللتذكير فإن الحرب التي شُنت على سوريا، ستفرز الكثير من الأزمات والتي ستظهر تباعًا بعد انقشاع غبار هذه الحرب، ولا يُمكننا هنا أن نُسلط الضوء على كل الأزمات في سوريا، لكن يمكننا أيضا القول صراحة بأن جل الأزمات التي تعصف بحياة السوريين هي جراء فساد إداري وقصور في معالجة الأزمات بشكل مبكر، وبالتالي لا يمكن تجاوز هذه الأزمات وإن كان جزءاً منها بسبب العقوبات الأمريكية، لكن من الضروري معالجة الخلل ومواضع الفساد، ووضع آلية عملية وتنفيذية وقانونية تُحقق تطبيقًا واقعياً لما يُريده الرئيس الأسد.

في الآونة الأخيرة اعتاد السوريين على المزيد من التقنين الكهربائي، وكذا الوقوف في طوابير طويلة لتأمين الخبز والمواد التموينية والمحروقات، إضافة إلى ذلك، فقد بلغت الأسعار مستوى قياسي حيث ابتعدت غالبية السلع عن السوريين وجيوبهم. كل هذه الأزمات ما كانت لتظهر بهذا العمق لو أن هناك إرادة حقيقة من قبل المسؤولين وصُناع القرار بمعالجتها، وبلسان الأسد الذي قال أن سبب تلك الأزمات الاقتصادية لا يقتصر على قانون قيصر والعقوبات الأمريكية، بل أن الفساد والسماح بتهريب الأموال خارج سوريا، قد عمّق أزمات السوريين.

بالتالي بات من الضروري العمل في أطر ثلاث:

الأول- وضع معيار قانوني يُسن وفق مرسوم رئاسي يتضمن آليات سريعة لمعالجة مكامن الخلل والفساد، مع الضرب بيد من حديد على المتنفذين وأصحاب المصالح والمحسوبيات، إضافة إلى سنّ قوانين صارمة لجهة فتح ملفات الفاسدين وأثرياء الحرب، كل ذلك يأتي تمهيدًا لبناء مجتمع سوري متماسك داخليًا وقادر على مواجهة التحديات الخارجية.

ثانيًا- تعزيز مقومات الصمود لدى السوريين فعلاً لا قولاً وتنظيرًا واجتماعات وقرارات وشعارات، والتعزيز مقومات الصمود لدى السوريين، لابد من اتخاذ الإجراءات القانونية المتعلقة بتحصيل الأموال وجبابة الضرائب من رؤوس الأموال ورجال الأعمال السوريين في الداخل والخارج، وتحويل ما يتم تحصيله إلى السوريين عبر قروض ميّسرة، وعبر توظيف هذه الأموال في مشاريع اقتصادية صغيرة ومتوسطة، تكون نواة لمشاريع اقتصادية كبيرة تعود بالنفع على المؤسسات السورية والسوريين.

ثالثًا- المصارحة والمكاشفة الحكومية بالأرقام والوقائع والمعطيات والاجتماعات المباشرة لتوضيح ما يُنفذ ضمن البندين السابقين.

في المحصلة، سوريا تمتلك مقومات زراعية وصناعية واقتصادية، فضلًا عن امتلاكها مقومات علمية وأكاديمية قادرة على وضع خطط، لإنقاذ ما يمكن انقاذه، وبين هذا وذاك فإن ستبقى سورية قوية بأبنائها وقادرة على مواجهة أي تحديات.

في المقال القادم، سنُفند بعض الأزمات الاقتصادية التي أثرت وتؤثر بشكل مباشر على حياة السوريين، وكيفية معالجتها وفق خطط علمية واقتصادية، ليتم بعد ذلك الغوص عميقاً في أزمات ما بعد الحرب، لا سيما في المجال الإنساني.

 

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here