الدكتور حسن مرهج: سوريا وسنوات الحرب.. أطفال بلا هوية

 

 

الدكتور حسن مرهج

في خضم ما تعانيه الدولة السورية من تداعيات الحرب عليها، تطفو إلى سطح الأزمات حقائق لا يمكن التغاضي عنها، وتفرض ضرورة الإحاطة بها وتأطير تأثيراتها المجتمعية؛ هي أزمات تأتي كنتيجة منطقية وطبيعة لأسوأ حرب شهدها التاريخ الحديث، إذ لا يُمكن ردم تأثيرات الحرب على سوريا وما انتجته من أزمات عميقة، إلا عبر إظهار تلك الأزمات والإضاءة عليها، بل ومعالجتها بشكل جذري وفق آليات علمية دقيقة، ويدرك الجميع أن الحروب بكافة أوجهها تلقي تأثيراتها بشكل مباشر على الأطفال، أو ما يُتفق على تسميته بأطفال الحروب، وتحديدا الأطفال دون قيد او مكتومي الهوية، بمعنى آخر أولئك الأطفال الذين ولدوا أثناء الحرب في المخيمات أو في المناطق التي كانت تحت سيطرة الفصائل الإرهابية، وبعد ذلك عادوا إلى حضن الدولة السورية دون تسجيل بياناتهم جراء مقتل الأب، وبصرف النظر عن الموقف السياسي من تلك الأحداث، إلا أن الجانب الإنساني يفرض وضع تصور خاص بأطفال الحرب، مع ملاحظة أن هؤلاء الأطفال ولدوا في بيئة إرهابية ومجتمع يتخذ من العداء للدولة السورية منطلقا لتوجهاته، فضلا عن أن هؤلاء الأطفال وبما تربوا عليه وعُزز داخلهم، سيكونون أشبه بالقنابل المؤقتة، والتي من الممكن أن تنفجر عقائديًا وفكريًا في أي توقيت.

الأطفال وتجنيد حاضرهم وتشويه مستقبلهم، مع انتشار الأفكار القتالية بين الأطفال بكثرة، تحت تأثير آباء أو أشقاء أو أصدقاء لهم، بسبب الظروف التي يعيشونها، و أغلبيتهم من المراهقين، نتج عن ذلك تجنيدهم إلزاميًا أو طوعيًا أو إغرائهم للقيام بالعنف بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي أو الاكتئاب، بعد مشاهدة أعمال العنف التي ارتكبتها الأطراف المتحاربة ضد أقاربهم، فضلًا عن معاناة أحد الأبوين أو كلاهما، الأمر الذي يستدعي تقديم آليات نفسية عاطفية تنمي قدرة الطفل على تفهم الأحداث من حوله، أي الاهتمام بإفهام الطفل واقعه بشكل صحيح، والأهم الإحاطة بالوالدين وتقديم جلسات دعم بغية إعادة تأهيلهم، وتثقيفهم من أجل تمكينهم من تفهم أطفالهم.

حقيقة الأمر، إن ظاهرة تجنيد المراهقين في سوريا تنذر، لكن ظروف الحرب وطبيعتها فرضت على الكثيرين هذا الأمر، وهذا ما ينبغي وضعه في الحسبان، وفي جانب أخر فإن هذا الأمر قد خلق للأطفال مشاعر سلبية تجاه المجتمع، لأنه في فترة المراهقة يبدأ الطفل ببناء معتقداته وأفكاره الخاصة، بالإضافة إلى حساسيته المفرطة وبحثه عن مثل أعلى يقتدي به. كل هذه المعطيات تنذر بنشوء رغبة إجرامية لدى الأطفال المجندين في المستقبل، وإن استطاع الطفل النجاة من هذا الاحتمال، فأنه سيعيش صراعًا فكريًا ونفسيًا شديدًا، نتيجة الصراع المسلح الذي شهده، وإذا لم يجد أجوبة منطقية في صراعه الفكري مستقبلًا، يمكن أن يكون الحقد والخوف ورفض المجتمع مصيره.

في جانب مواز ، فإن مستقبل الأطفال يرتجي سدًا من الأمان، إذ توجد ثلاثة احتمالات تنعكس من شخصيات الأطفال بعد الأزمات والصدمات، الأولى عندما يفقد الإنسان مرونته وتوازنه في التعامل مع تحديات الحياة ومشاكلها، ويعاني من الاضطرابات النفسية وحتى الجسدية ضمن عملية تأثير وتأثر سلبي تبادلي، أما الثانية فهي ترتبط بقدرة الإنسان على استرجاع مرونته وأنشطته الروتينية التي تعود عليها، والثالثة فهي تتعلق بالنمو، وبه يكتسب الإنسان الكثير من السمات الإيجابية التي تصقل شخصيته وتكسبه المزيد من التحكم والضبط نحو الحياة وتحدياتها، وهذا بالتحديد خضع حديثًا للمزيد من الدراسات والأبحاث في مجال علم النفس الإيجابي تحت مسمى “النمو بعد الصدمة” أو “النمو بعد الأزمات”.

وبناء على ما سبق، فإن الأطفال الذين يعيشون حاليًا في سوريا ضمن ظروف مختلفة معرضون لطيف واسع من المألات ضمن الاحتمالات السابقة لا يمكن التنبؤ بها بشكل دقيق، لأنها ستخضع لأطر أكبر وأوسع، وتحديداً الأطفال مكتومي القيد، وهذا تحدٍ ينبغي على الدولة السورية أن تخوضه في فترة ما بعد الحرب، لإعادة تنشئة الجيل الوطني القادر على بناء شخصية متوازنة وفعالة في المجتمع.

لكن بناء جيل سوري نفسيًا وتعليميًا وسلوكيًا يتطلب جهودًا من المجتمع طويلة الأمد قد تأخذ سنوات، خاصة بالنظر إلى النسبة القليلة من الاختصاصيين النفسيين في سوريا، إذ أن أزمة الصراع المسلح التي عاشها الأطفال في سوريا ستنعكس عليهم بتكوين مشاعر سلبية لديهم، وشددت على أهمية معرفة التعامل مع هذه المشاعر من قبل المجتمع والمنظمات الدولية المعنية.

في هذا الإطار ، من المهم تفعيل دور المجتمع والعمل المؤسساتي في الإطار النفسية والاجتماعية، مع التركيز على بناء أرضية صلبة للتطبيق على الأطفال، أضف إلى ذلك، ضرورة إيجاد حل مجتمعي للأطفال مكتومي القيد، ودمجهم في المجتمع، مع تأهيل مركز يقتضي تقبلهم والتعامل معهم، الأمر الذي يقتضي أيضا تمهيد أرضية حقيقية للتعايش والتسامح عند الجيل الحالي الناشئ، تحديًا حقيقيًا أمام المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في سوريا.

في المحصلة، من المهم أن نُذكر بأن الأمن شرط أساسي لإعادة هيكلة جيل سوريا، مع التركيز على أن الحلول ممكنة لإعادة هيكلة جيل سوريا على اختلافاته المتجذرة بعد دخول الحرب عامها الحادي عشر ، وذلك وفقًا لأولويات علمية أساسها الأمن وعمادها التعليم وسقفها الدعم النفسي والتنمية البشرية، قط المقابل أنه لا يمكن السيطرة على الجيل الحالي، إلا في حال توقف الحرب، لعدم وجود أسباب تؤدي لحل هذا التباعد الفكري والتعليمي، الذي نشأ بدواخل الأطفال وزُرع في عقولهم، خاصة أنه من الصعب إيجاد مكان للتعليم أو الوصول إلى مرشد نفسي مع انعدام الأمن، وبذلك يجد أطفال سوريا هويتهم من جديد، ويكونون جيلًا واعيًا ومثقفًا ووطنيًا ومدركًا لمعنى الهوية السورية الحقّة.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here