الدكتور حسن مرهج: روسيا وسوريا.. تحالف بعناوين استراتيجية

الدكتور حسن مرهج

تعود المصالح الروسية في سوريا إلى حقب سابقة أي ما قبل أحداث عام 2011، حيث كان الاتحاد السوفيتي من أولى الدول التي اعترفت باستقلال سوريا وأقامت علاقات دبلوماسية معها عام 1944، وتعززت العلاقات السورية الروسية بشكل كبير لترتقي إلى مستوى التحالف الاستراتيجي في زمن الرئيس حافظ الأسد عام 1970، وامتدت وتطورت إلى زمن الرئيس بشار الأسد.

تنوعت هذه العلاقات والمصالح سياسيًا وعسكريًا، حيث قدمت روسيا ومنذ أيام الاتحاد السوفيتي الدعم العسكري لسوريا من أسلحة وخبراء، إضافة إلى العلاقات الثقافية والتعليمية والتي تعود إلى عام 1925.

ولم يتوقف هذا الدعم إلا في التسعينات من القرن الماضي، في عهدي الرئيسين غورباتشوف ويلتسين، ثم عاد في عهد الرئيس فلاديمير بوتين ليشهد تطورًا ملحوظًا خاصة في عام 2005، لدرجة أن روسيا وافقت على أن تبيع سوريا أنظمة صواريخ جو دفاعية متقدمة على الرغم من المعارضة الأمريكية الإسرائيلية، شكّل هذا التقارب السوري الروسي تهديدًا للعلاقات الإسرائيلية الروسية، لكن موسكو استطاعت احتوائه.

كل ذلك يُعطينا صورة عن البعد الاستراتيجي للعلاقات والمصالح المشتركة بين روسيا وسوريا، وهذا بدوره يجعل من سوريا محط اهتمام موسكو سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

وبمنطق المصالح الاستراتيجية، فإن روسيا تمكنت من تثبيت نفوذها في الشرق الاوسط، من خلال البحر المتوسط أو نظرية المياه الدافئة، فلا شيء يفوق أهمية المتوسط في حسابات روسيا الجيوسياسية، هذا البحر هو بوابة أوروبا والبحر الأسود، واستتباعًا روسيا ذاتها، إنه الخاصرة الرخوة للأمنين الأوروبي والروسي على حد سواء، فالصراع الدولي على البحر الأبيض المتوسط يُمثل أحد عوامل التمسك الروسي بسوريا منذ العهد السوفيتي وحتى يومنا هذا، لأهميته الإستراتيجية للقوى العظمى.

تصاعدت في الآونة الاخيرة حدة التحليلات حيال العلاقة الروسية السورية، على خلفية تقارير إعلامية أصدرتها مواقع وقنوات روسية، تحدثت خلالها على أن العلاقة لروسية السورية تفقد صيغتها الاستراتيجية، وبأن روسيا أبحرت بعيداً عن دمشق، فضلاً عن حملة إعلامية ممنهجة مارسها إعلام الخليج، ليتم بعد ذلك نفي روسي واضح وعلى أعلى المستويات، لمضمون هذه التقارير؛ في مقابل ذلك، محللون كُثر أيضاً تباروا في إطلاق تحليلات لكنها بإطار التمني لجهة تخلي روسيا عن سوريا، دون إفراد مساحة لعمق هذه العلاقات تاريخياً، ظناً منهم بأن روسيا تبيع حلفاؤها مقابل نفوذ هنا أو هناك؛ قلنا حينها ان العلاقة بين دمشق وموسكو استراتيجية المضمون والاهداف، وبالمنطق الاستراتيجي لروسيي لا يمكن التخلي عن نظرية المياه الدافئة لان في هذا التخلي مقتل روسي.

وانطلاقاً من العمق الاستراتيجي لمضمون العلاقات الروسية السورية، فقد قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتعيين سفير موسكو لدى دمشق، ألكسندر يفيموف، ممثلا رئاسياً خاصاً لتطوير العلاقات مع سوريا، في خطوة واضحة بأنها تأتي في سياق الرد على ما تم نشره مؤخراً من جهة، ومن جهة أخرى يتم هندسة وقع روسي سوريا جديد لشكل وماهية هذه العلاقة، وضمن الجهتين فإن روسيا كحليف استراتيجي لدمشق، ستعمل مع الدولة السورية على تحسين وتطوير الكثير من القطاعات السورية، بما يتناسب وطبيعة المرحلة القادمة.

العلاقات الروسية السورية لا تترجمها تقارير وتحليلات مغرضة، فالأصل في هذه العلاقة أن روسيا تنظر إلى سوريا كساحة للمصالح الروسية، يُمكن من خلالها العودة إلى زعامة العالم؛ هذه الاستراتيجية الروسية هُندست مع تسلم بوتين زعامة الاتحاد الروسي، لتبدأ بذلك مرحلة شرق أوسيطة جديدة، فالبوابة السورية وبصرف النظر عن تفاصيل الحرب التي شُنت على سوريا، إلا أن هذه البوابة أمنت عبوراً روسياً إلى عموم الشرق الأوسط وكذا افريقيا، حتى باتت سوريا وبمنظور العلاقات الاستراتيجية بين دمشق وموسكو، شريكاً استراتيجياً لا يُمكن التخلي عنه، كما أن الرئيس الأسد بحكمته السياسية وخبرته الاستراتيجية وعطفاً على حكمة الرئيس بوتين، فهما قادران على السيطرة على مفاصل الشرق الأوسط، وهنا لا نتحدث بمنطق العواطف والأمنيات، فالوقائع والمعطيات تؤكد بشكل منقطع النظير، بأن ما جرى خلال سنوات الحرب، وإعتماد استراتيجية النفس الطويل مع تركيا وأمريكا، فضلاً عن تثبيت مناطق النفوذ في عموم الجغرافية السورية، وتداعيات الانتصار السوري واسقاطاته الاقليمية والدولية، كل ذلك يؤكد لنا بأن دمشق بموقعها الاستراتيجي وقائدها المحنك، ستكون بوابة للمسارات السياسية والعسكرية الشرق أوسطية، وفي هذا الإطار ستكون روسيا عرابة لجملة من المعادلات التي ستبدأ من دمشق بخطٍ سيلف العالم.

في المحصلة، بمنظور القوى الكبرى فإن البحار تُشكل قواعد استراتيجية لا يمكن تأطير تأثيراتها، ومن يُسيطر على البحر المتوسط، سيتم افتتاح كل البحار في طريقة،  وهذه معادلة تدركها روسيا والقوى الغربية على حد سواء. وهنا، تتجلى معاني العلاقة الروسية السورية بالصورة الاستراتيجية الدقيقة، والتي لا يمكن أن تُفك طلاسمها.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here