الدكتور حسن مرهج: روسيا واحتواء الهواجس الأمريكية.. سياسة إطفاء الحرائق

 

 

الدكتور حسن مرهج

لم تكن الحرب على سوريا سوى تفصيل بسيط ضمن سلسلة الحرب بين روسيا والولايات المتحدة، وحقيقة الأمر أن هذه الحرب لم تعد ضمن مصطلح الحرب الباردة، فالواقع السياسي والعسكري يؤكد بأن تفاصيل الحرب بين القُطبين الروسي والأمريكي قد تجاوزت في أبعادها تفاصيل الحروب في اليمن والعراق وسوريا، إضافة إلى بيضة القبان في التوازنات الإقليمية والدولية إيران، وبالتالي بات الشرق الأوسط ضمن بوتقة الصراع الساخن بين موسكو وواشنطن، وهذا ما تؤكده كافة التجاذبات والتعقيدات المُفتعلة لتأخير أي حلول سياسية في المنطقة، وبات من البديهي أن نقول بأن الحرب بين روسيا وأمريكا تأخذ منحى تصاعدي على الرغم من سياسية الاحتواء الروسية لكافة الحماقات الأمريكية، حيث أن رجل المراهنات الأمريكي دونالد ترامب، قد جنح كثيراً نحو تأجيج الملفات الإقليمية والدولية، لتكون الحرب السورية البوابة التي دخلت من خلالها موسكو إلى قلب المعادلة الأمريكية، بل اصبحت روسيا قُطباً موازياً بل وضاغطاً على واشنطن وأدواتها في المنطقة، فالسياسات الروسية كانت ولا تزال تتخذ من الحوار والدبلوماسية منهجاً، مع التلويح بين الحين والأخر بالقوة العسكرية الروسية والترسانات النووية، وهذا ما بات يُعرف بفنون التفاوض التي تهواها واشنطن وتحترمها، فلغة القوة تتماهي مع السياسة الأمريكية، وهذا حقيقة ما تم فرضه في سوريا وإيران من قبل روسيا، لكن بعد التوافق لكلٍ من دمشق وطهران.

في سوريا، وعلى الرغم من حصول تفاهمات بين روسيا وأمريكا لجهة تفاصيل الحل السياسي، والحفاظ على وحدة سورية ومنع تقسيمها، إلا أن واشنطن لا تزال تناور سياسياً وعسكرياً، وتحاول الدفع باتجاه تأزيم الملف السوري، فـ المراهنات المتفائلة التي رافقت دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، لم تكن على مستوى التوقعات، فقد أمل المراقبون بأن يكون فاتحة لتفاهمات أخرى تتخطاه نحو خطة للحل السياسي في سورية نفسها، وإلى بحث خفض التوتر في مناطق أخرى من العالم، لا سيما في أوروبا، حيث تعتبر موسكو أن السياسة الأميركية تمس مجالها الحيوي ومصالحها التاريخية، بدلاً من ذلك، نشبت أزمة طرد الديبلوماسيين الروس من الولايات المتحدة والإجراءات الروسية المقابلة، وظهرت الاتهامات الروسية لواشنطن بأنها تدعم داعش وتحول دون القضاء عليه في الميدان السوري، وتحديداً في دير الزور. وأمس، هاجمت وزارة الدفاع الروسية تعزيز الجيش الأميركي قواته بطريقة سرية في دول البلطيق وفي بولندا، في إطار انتشار قوات الحلف الأطلسي على حدود الاتحاد الروسي، ضمن هذه المعطيات يُلاحظ بأن روسيا وعلى الرغم من التلويح بالقوة العسكرية، إلا أن الدبلوماسية الذكية لبوتين، تمكنت من جذب ترامب مرات عديدة نحو القبول بما تُريده سوريا، بناء على قاعدة الانتصار والمنجزات الميدانية، وفي جانب أخر تكبيل ترامب لمنع القفز لمناطق أخرى سواء في السياسية كطرد الدبلوماسيين، أو عسكريا كتوتير الأوضاع في بالقرب من المجال الحيوي للمصالح الروسية، وبالتالي فإنه من الواضح بأن روسيا استطاعت القيام بمناورات تكتيكية والتفافية على السياسية الأمريكية، وهذا ما بدا واضحاً لجهة تراجع النفوذ السياسي لواشنطن في الملف السوري، على الرغم من تصعيد هنا أو هناك ضمن حدود الجغرافية السورية، لكن الثابت ضمن هذا كله، أن هناك احتواء روسي لأمريكا، واتفاق ضمني على هندسة الحلول السياسية، وإن كانت ستأخذ وقتاً للتطبيق، لكن يأتي هذا في مقابل الحفاظ على وحدة الدولة السورية ومنع تقسيمها.

ذكرنا بأن الميدان السوري بات ساحة إقليمية ودولية لامتلاك اوراق القوة، فضلا عن أوراق ذهبية أخرى لإحباط أي محاولة أمريكية في أي اتجاه اقليمي و دولي، فالملفات الكبرى في اوروبا وأوكرانيا والعقوبات على روسيا وكذلك الملف الإيراني، كلها ملفات ستجد حلول لها انطلاقا من الترتيبات السياسية في سوريا، و لعل الأزمة بين واشنطن وطهران، تأتي انعكاسا للإخفاق الأمريكي في سوريا، كما أن حرب الناقلات والمضائق يُعتبر امتداداً واضحاً لانتصار سوريا وحلفاؤها، في المقابل فإن القوى الإقليمية لها طموحاتها وهواجسها أيضاً وقادرة على التسبب بخلط الأوراق، ما يفرض على الدولتين العظميين احتواء هذه الطموحات والهواجس أو التكيف معها، لكن ذمن هذا نجحت موسكو في إدارة الصراعات الإقليمية، خاصة مع غياب السياسة الواضحة لواشنطن، وتحديدا في ملفي إيران وسوريا، فحين تُصرح وزارة الخارجية الروسية بالقول، بأن أحداً لم يقترح انشاء تحالف دولي لضمان الأمن في منطقة الخليج الفارسي، وبذات التوقيت نؤيد مفهوم الأمن الجماعي في منطقة الخليج الفارسي، هذا التصريح هو رسالة واضحة بإمكانية حل الخلافات الأمريكية الغربية مع إيران، لكن ضمن الشروط الروسية، هذه الشروط تتمحور حول إنهاء العبث بالملف السوري، ورفع العقوبات عن روسيا، واحتواء هواجس ايران بُغية حل الأزمة معها.

واشنطن باتت في مرحلة انعدام الخيارات، كذلك ترامب بات في على الشجرة السياسية والعسكرية وهو الأن بحاجة لروسيا من أجل إنزاله عن سقف طموحاته التي لم تجلب له سوى الخيبة والانكسار، فالانفتاح الروسي الذكي على كل الدول حقق معادلات رابحة، وأكثر من ذلك، فقد تمكنت موسكو من الدخول العسكري في صلب حلف الناتو، عبر تزويد تركيا بمنظومة S-400 الصاروخية، ومن المؤكد بأن الكثير من الدول ستحذو حذو تركيا وتطالب بهذه المنظومات المتطورة ضمن إطار التسليح الردعي، كل هذه المعطيات تمكننا من القول بأن روسيا باتت في يدها مفاتيح الحلول لكافة الملفات الإقليمية والدولية، ولم يبق لواشنطن سوى استعراض قوتها والتلويح الوهمي بالعمل العسكري، فهذا الزمن الاستراتيجي الروسي، صنعته الانتصارات السورية والقدرة الذكية لحلفاء سوريا بصوغ المعادلات القوية.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. روسيا وإيران لعبت دوراً كبيراً للحفاظ على التوازن الدولي
    خيبة في دولة العم سام واللقيط الصهيوني ومن يدور في فلكهما

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here